islamaumaroc

أوربيون في خدمة العرش المغربي

  دعوة الحق

150 العدد

ذات يوم من أيام طلب العلم بمصر- القاهرة، قصدت درا المرحوم الدكتور محجوب ثابت التي كانت بجوار " بيت المغرب: مقر البعثة العلمية" فوجدت عنده ثلة من الأدباء والعلماء من أصدقائه، وما كان أكثرهم!
وتفضل رحمه الله بتقديمي للحاضرين، وعقب قائلا: أحد أحفاد الأدارسة الذين أسسوا بالمغرب ملكهم العتيد، وخلف من بعدهم خلف دوخوا البلاد وقادوا العباد، واليوم يحتل  الفرنسيون بلاده...
وانبرى أحد الحاضرين وقال: أم كثيرا من علماء الجغرافيا يعتبرون بلاد المغرب جزءا من بلاد  أوربا... ولم أفهم ساعتئذ من هذه الجملة شيئا إلا أنها تبرير  لحالة الاحتلال التي أشار إليها الدكتور ثابت، فما كان إلا أن أجبت بأن المغاربة من جهتهم يعتبرون بعض بلاد أوربا جزءا لا يتجزأ تاريخيا من بلادهم.. وفهم الحاضرون المقصود، وتدخل الدكتور محجوب ثابت رحمه الله فحول مجرى الحديث.
أتيت بهذا لأثبت من جديد ما قلته منذ قديم من أن صلة المغرب بالشمال كانت وثيقة تاريخيا، وثوق صلته بالشرق. ولعل هذه الصلة بجانبيها الحربي والسلمي مضافا إليها ما يمتاز به المغرب من خصائص  ومزايا طبيعية واجتماعية، ومن كرم الضيافة، هي التي كانت تلفت أنظار الأوربيين فيؤمه العدد العديد منهم طوال عهوده التاريخية، ويقصدونه أما مختارين وبملء حرياتهم، وأما فارين من جور حكامهم أو من وجه العدالة في بلادهم، وأما يأتونه أسرى حرب مكبلين مغلولين فلا يلبثون- أن لم يقع فداؤهم- أن يمن عليهم فينعموا بالحرية المنشودة.
قبل النفاذ إلى العصر العلوي الذي تقتضي  المناسبة التركيز عليه، أود أن أعود قليلا إلى الوراء لتتبين معالم الطريق إلى الأمام، ويزداد الموضوع اتضاحا:
في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي ( 1246) كتب البابا أنوسنت الرابع من مدينة ليون   Lyon   إلى الخليفة الموحدي المعتضد بالله أبي الحسن السعيد على بن إدريس المأمون بن يعقوب المنصور، يوصيه خيرا بالمسيحيين الذين في خدمته، ويسأل عما إذا كان من الممكن أن يخصص لهم العاهل  المغربي مدنا أو حصونا  معينة ليحتموا بها أو ليتركوا بها  زوجاتهم وأولادهم في الوقت الذي يكونون فيه – حسب قوله-  يحاربون أعداء الأمير، وفي مقابل  الاستجابة لهذا الطلب، يعد البابا ملك المغرب بأن يبذل من جهته كل المساعي الحميدة والتسهيلات الكنسية.
هل أجاب العاهل المغربي على مطلب البابا بالنفي ؟ أم هل أهمل الجواب كلية؟ هذا ما لا نستطيع التأكد منه الآن، غير أننا نعرف أن البابا المذكور قد  أعاد الكرة فكتب سنة 1251 إلى خلف المعتضد وهو المرتضى أبو حفص عمرن يقدم له عرضا مماثلا لما فعل مع سلفه، غير أن البابا هذه المرة يضيف تهديدا بأنه إذا لم يستجب  المرتضى لمطلبه،  فإنه سيعمل على منع المسيحيين من التوجه إلى المملكة المغربية، ويحرم دخولها حتى على أتباع كنيسته.
ويبدو أن النتيجة كانت سلببية كذلك، فلم يقع أي رد فعل ملموس، لا من جانب العاهل المغربي ولا من جانب البابا، وأن الحالة ظلت على ما بانت عليه، لذا  نجد البابا نيقولاس الرابع يكتب سنة 1290 رسائل ويوجهها  مباشرة إلى الفرسان  والمحاربين  الذين يخدمون في المغرب أو تلمسان  أو تونس، يحثهم فيها على الاستمساك بعقيدتهم المسيحية وعلى التشبث بها في هذه البيئات الإسلامية. ويقال أن فارس " قصص كانتربرى" التي هي عيون الأدب  الانجليزي والتي ألفها أبو الشعر الانجليزي جيوفرى تشوسر، وصور فيها حياة العصر تصويرا دقيقا، كان قد خدم في مدينتي الجزائر وتلمسان.
ويغلب على الظن أن هذه الرسائل البابوية كانت معنية في الدرجة الأولى ببقايا أسرى معركة الأرك  Alarcos  الشهيرة التي وقعت بالأندلس بين الموحدين والإسبان في  9 شعبان 591هـ- 19 يوليه 1194م،  أولئك الذين يذكر صاحب روض  القرطاس أن عددهم كان " أربعة وعشرين ألف فارس فامتن عليهم أمير المؤمنين وأطلقهم بعدما ملكهم  ليكون له بذلك الامتنان أعلى يد عليهمن  فعز فعله ذلك على جميع الموحدين وعلى كافة المسلمين، وحسبت له تلك الفعلة سقطة من سقطات الملوك" ( روض. ص 162). وقد ندم المنصور أواخر حياته على ما فعل، ولكن لا ينفع الندم.
ونفض الطرف عن التسلسل التاريخي وتعقب الحوادث لتصل بسرعة إلى العصر العلوي: إلى عهد عبد الله ( الأول) بن إسماعيل لتطالع قصة من أغرب القصص وأكثرها إثارة للدهشة والاستغراب،  قصة جديرة بأن تكتب من جديد لتقرأ رواية أو لتمثل مسرحية على الخشبة أو الشاشة، قصة مغامر أوربي يدعى الدوق ربيردا.
ولد في أسرة نبيلة من الأسر الهولندية، ولما بلغ مبلغ الرجال تقلد منصبا دبلوماسيا هاما فمثل بلاده في البلاط الإسباني، وبعد اختياره الجنسية الإسبانية صارت به الأهلية لتولي المناصب العليا في البلاد، فتولى رياسة الوزارة في عهد فيليب الخامس. غير أنه لم يلبث أن عزل بسبب من غروره وخداعه للحكومة الإسبانية، وقذف به في غابات السجن.
وبمساعد إحدى الحسناوات الإسبانيات، تمكن من الفرار من سجنه بمدينة سيكوفيا  Segoviaوقصد انجلترا ومن بلاد  جون بول هذه استأجر سفينة وأتى بها إلى المغرب ليدخل في خدمة السلطان مولاي عبد الله، وليصبح فيما بعد وزيره وقائد جيوشه.
على الرغم من حمايته لليهود الذين اتخذ منهم وكلاءه التجاريين، فإنه لم يكن مدينا لهم بأي جزء ولو بسيط من القوة التي استشعرها، وعرف عن طريقها كيف يضفي على نفسه ذلك السمت الذي يوحي بالشجاعة والمهابة.
كانت ترافقه في غدواته وروحاته " السجناء القشتالية" التي ساعدته في الهرب من السجن، وكان يوزع هباته وابتساماته يمينا وشمالا، ويعلن دائما أن عدوه الوحيد هو عدو المغاربة فيليب  الخامس ملك اسبانيا. كان يملك موهبة عجيبة في صنع الأصدقاء،  وكان له وصيف شديد الإخلاص له، غير أن هذا الوصيف فقد حياته آخر الأمر  وهو يزاول مهمة التجسس في سبتة. حاول ربيردا أن يستخلصه من قبضة الاسبان، غير أن محاولته لم تجد نفعا، وذهبت مساعيه أدراج الرياح.
أحاط ربيردا نفسه بحرس عشرين شخصا ذوي جنسيات مختلفة: انجليزية وهولندية وفرنسية، كانوا قد ارتدوا عن دينهم القديم واعتنقوا الإسلام،  وكانوا مخلصين له، راغبين في الدفاع عنه حتى الرمق الأخير. ويقول البعض: أنه استطاع أيضا أن يكتسب عطف السلطانة والدة السلطان، الأمر الذي جعله يحوز رضى العاهل المغربي حتى النهاية.
أصيب ربيردا بداء النقرس، ومع ذلك ظل قادرا على إعادة تنظيم الجيش المغربي، وعلى قيادته بنفسه ليهاجم به سبتة أو وهران. وكان شديد  السطوة، قوي الشكيمة، كبر الحفاظ على النظام لدرجة أن أي ضابط خالف النظام او تردد في تنفيذ الأوامر الصادرة إليه، فإن جزاءه كان الموت لا محالة. وكان ينفذ أحكام الإعدام في الحل والترحال، ذلك أنه فيما يقال كان ينصب المشنقة حول معسكره، وكان يشنق عليها كل من تسول لهم أنفسهم أن يقترفوا جرائم السلب والنهب أو الغش والخداع أو خيانة البلاد وإهانة أهلها.
كان يزور بنفسه مراكز طلائع الجيش والنقط الاستراتيجية الهامة. وكرجل قوي لم تكن يد لتستطيع أن تمسه بشر، وكما كان يعرف كيف يكسب الأصدقاء، كان كذلك يعرف يجعل كل شخص قابله يعتقد أن ربيردا في خدمته للسلطان إنما كان يخدم ذلك الشخص نفسه. ولعل هذا هو السبب في النجاح الذي صادفه في حياته بالمغرب.
أن هذه الأعمال السياسية والعسكرية التي كان يزاولها ربيردا في المغرب، لم تكن لتحول بينه وبين التجارة، ذلك أنه كان موهوبا في جمع المال كما كان موهوبا في جمع الأصدقاء. لقد استطاع أن يتعامل مع اليهود الذين اتخذ منهم وكلاءه وجواسيه في آن واحد، وبوساطتهم استطاع أن يقوم بتجارة واسعة لعل المغرب لم يستفيد منها كثيرا لأنه كان يحتفظ دائما بأكبر نصيب من ثرواته التجارية في الخارج: أما في انجلترا وأما في هولندا التي يمتلك بها عقارات وأموالا، وكان مغامراته العديدة جعلته يؤمن بأنه في المغرب  ربما كان عابر سبيل فقط.
ولم يبرز ربيردا في الشؤون السياسية والعسكرية والتجارية وحدها، بل زاول الشؤون الدينية على نطاق واسع أيضا ذلك أنه كان بحكم المولد والتربية رومانيا أي من أتباع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ثم أصبح بعد ذلك بروتستانتيا  ثم رومانيا مرة أخرى ثم مسلما. ولم يكتف بهذا- وليته فعل- بل أنه سعى أواخر حياته لكي يؤسس دينا جديدا يضم شمل المسلمين والمسيحيين واليهود  أجمعين، ويظهر أنه لم يكن جادا في سعيه إذ لم يكن مقتنعا بصلاحية مشروعه الجديد، أو أن الفشل كان حليفه، لذا نراه يموت مسيحيا على الرغم من دفنه- كما قيل- في مقبرة للمسلمين!
وتتوالى على المغرب الفتن والحروب الداخلية، مع تلاعب جيش عبيد البخاري وتدخل رؤسائه في السياسة، فيعزل السلطان مولاي عبد الله لأخر مرة، ويعزل معه الوزير، وحينئذ ينسحب ربيردا نحو تطوان ثم نحو طنجة التي بدا كأنه يفكر في التحصن بها، والحيلولة دون أن يمسك بتلابيبه فيها أعوان سلطان المغرب الجديد، غير أنه سرعان ما سحب جيشه وعقد سلاما مع سيد البلاد عن طريق مال وفير دفعه. وهكذا نجد هذا المغامر الأوربي يلبس لكل حال لبوسها، مما يدل دلالة واضحة يلبس لكل حال لبوسها، مما يدل دلالة واضحة على أنه كان انتهازيا كبيرا.
ولا يلبث المرض أن يستفحل أمره، فيتغلب على ربيردا ويقهره في النهاية، فيبعث إلى مدينة مكناس في طلب قسيس كي يشهد وفاته، وليمنحه قبل ذلك العفو والغفران! ويقدم القس بالفعل، فيقوم بالطقوس الدينية المعهودة، وتطوى إلى الأبد آخر صفحة من صفحات حياة ربيردا المثيرة.
وفي عهد محمد ( الثالث) بن عبد الله، نجد هذا العاهل- وقد عزم على القيام باصلاحات وتجديدات- يفتح باب المغرب إزاء الفتيين الأوربيين  واليد العاملة الماهرة، فقصد بلاد المغرب المهرة في كل فن،  وكان فيهم من أرسلتهم حكوماتهم، وكان فيهم المهندسون  المعماريون والبناؤون  والنجارون والطلاؤون والبستانيون من بلاد السويد  والدنمارك، كما قدم آخرون إلى المغرب، فارين من الخدمة العسكرية في بلادهم، وارتدوا عن دينهم واعتنقوا الإسلام. ويقال أن عددهم كان ثمانمائة ايبيري ( اسباني وبرتغالي) ومائتا فرنسي. من هؤلاء ألف السلطان حامية مدينته الجديدة الصويرة، وجعلهم محل ثقته، لأنه- فيما يروي-تعرضت حياته ذات مرة للخطر فانقدت بفضل هؤلاء.
وفي خلال حكم محمد الثالث كان اسكتلندي يدعي عمر ربان سفينة من سفن الجهاد في البحر .
وفي القرن التاسع عشر نجد عدد الأوربين الذين كانوا يخدمون البلاط المغربي قليلي العدد نسبيا، ونجد عدد الذين كانوا يعتنقون الإسلام منهم في تناقض مستمر. يقدر بعض مؤرخي مجموع الأجانب المقيمين بالمغرب في هذا العهد بخمسمائة فقط، خمساهم هم الذين اعتنقوا الإسلام وثلاثة أخماسهم ظلوا مسيحيين، ولذا لم يكن مسموحا لهم بالإقامة إلا في طنجة، وفي تطوان أو في العرائش أو في الصويرة.
ويقول البعض الآخر أن الأجانب الذين كانوا بالمغرب في هذه الفترة، واعتنقوا الإسلام، كانوا ستمائة بين فرنسيين  واسبانيين سبق أن فروا من سجون بلادهم ووجدوا ملاذا لهم في هذه البلاد، فاستخدموا في الحرس السلطاني أو أرسلوا إلى أكوراي جنوبي مكناس.

وعندما أوشك القرن التاسع عشر على الانتهاء، أصبح المسيحيون الذين يخدمون بالمغرب، لا يعدون العشرات منهم الكونت جوزيف دي ساولتي  de Saulty  الذي فر في شبابه رفقة زوجة رئيس له بالجيش الفرنسي بالجزائر كان يحمل رتبة كومندار، ومنهم القائد الانجليزي ماكلين Maclean الذي ظل محتفظا بدينه، وشغل لعدة سنوات وظيفة مدرب الجيش والمستشار العسكري لدى البلاط المغربي.
ويظهر أن وجود هذا الضابط الانجليزي بالمغرب أثار غيرة فرنسا، فبعثت هي بدورها بعثة عسكرية فرنسية وجعلتها في الظاهر تحت تصرف السلطان وفي خدمته، بينما كانت في الواقع مفروضة على المغرب فرضا. وحدت كل من إسبانيا وإيطاليا حذو فرنسا في هذا الشأن، فأرسلت كلتاهما بعثتها العسكرية إلى المغرب، بيد أن البعثة الاسبانية لم يطل أمرها فسرعان ما غادرت، بينما الإيطالية ظلت مكلفة بدار الصنعة أي بمصنع الأسلحة في فاس.
وفي السنوات الأخيرة من القرن 19  كان مستخدما بطنجة بدرجة قائد اسكتلندي مدرب الجيش، ومهندس من جبل طارق، كما كان بالرباط مهندس عسكري ألماني وظل بها عدة سنوات يصنع البطاريات  المنسوبة لصاحبها الذي  Krupp  لمدافع كراب أسس في Essen بألمانيا أكبر مصنع للمدافع في العالم حيث كان يشغل 20 ألف عامل.
وأخيرا نشير إلى البحارة الأجانب الذين كانوا يشتغلون في السفن المغربية المعنية بالجهاد في البحر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here