islamaumaroc

الإسلام والتأميم -6-: التأميم في الإسلام أيضا

  دعوة الحق

150 العدد

من نافلة القول، التذكير بأن الحياة في تجدد مستمر متواصل ودائم، وأن أحداث اليوم، وان تكن قطعا نتائج الماضي، وارهاصات المستقبل، ليست هي هي أحداث الامس.... وان ماء النهر – كما يقولون- في تجدد لاينقطع...ومن تمة فعندما يحاول بعض الناس أن يحصروا قضايا الحياة واهتمامت اليشر فيها بلغته حقبة زمنية ما من فهم او ادراك او حضارة وعمران، انما ينكرون على الحياة حقيقتها الازلية تلك التي تقضي بأننا لن نستمر على وتيرة واحدة ولن تسير في اتجاه واحد، ولن تخضع لاحكام ثابتة مستقرة، لان النسبية التي تسير كل شيء، وتتحكم في تقييمه ما كانت لتقبل أن يكون حكم أمس هو حكم اليوم حكم الغذ، إذ لاشيء سوى الله بثابت سرمدي وانما هو تحول وجلاء، وفي هذه الدوامة من التناقضات يصدر الناس احكامهم ويبنون مسلماتهم، ومعنى كل هذا أن قانون الزمنكية – أي الزمان والمكان- قانون أزلي متحكم في اقدار الناس، ووجهات انظارهم....فما يكون حسنا مقبولا الصفة ونفس الاعتبار في كل الامكنة والازمنة.....والا لما احتاج الناس تعاقب الرسل والانبياء وتوارد الديانات السماوية التي لم تتفاوت تعاليمها وام تتباين شرئعها الاتبعا للزمان والمكان والانسان الذي يجعل للزمان والمكان حيزا.
وليس في استطاعة أي كان مهما أوتي الحكم وفصل الخطاب ان يدعي لنفسه الاحاطة بما كان وسيكون، لان هذه الدعوى من صفات الله الذاتية الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور ومنه المبدأ وإليه المصير، وهو خالق الزمان والمكان والحيوان والانسان.....وهذه واحدة....ثم ليس من المعقول أن يدعي انسان ان احداث الحياة توقفت عند فترة معينة من الزمان، والا اباح لنفسه القول بالتعطيل وهو محال وهذه ثانية.
وليس في مكنة احد ان يزعم الاطلاع على كل شيء والاحاطة بكل شيء، لأن الرب سبحانه هو وحده المحيط بكل شيء....وهذه ثالثة....ثم لايمكن لبشر ما ان يقول أن ايا من الديانات السماوية قد حللت كل القضايا الآنية والآتية تحليلا جزئيا....وإنما تعرضت لبعضها أو المهم منها ذي العلاقة بمصير الانسان على هذه الارض من الوجهة العامة، وفي اطار الكليات، حتى لاتتصادم- أن لو تعرضت للجزئيات كلها- بما يتواجد والظروف المستحدثة، وهذه رابعة.
وهذه البديهات تنتهي بنا إلى بدهية اخرى خامسة، وان لم تكن هي النهاية- وهي ان الاحكام تدور مع مراعاة مصالح الناس، ذلك لأن الله- وكما قال هذا ويقوله كل من يحس الحياة- ما شرع إلا لمصلحة البشر " ما أريد منهم من روق وما أريد أن يطمعون" وانه حيثما كانت المسلحة فثم أمر الله، وحيثما كانت مفسدة فثم نهي الله كما يقول العز ين عبد السلام الذي كان في القرن السادس الهجري.....ومن هنا صح القول، بأنه وان تكن الزكاة دعامة كل عدالة وضمانة اجتماعية في الشريعة الاسلامية....فإن للدولة الاسلامية التي تتولى مصالح المسلمين الحق.

وكامل الحرية في أن تفرض ضرائب أو زكوات مقبلة ترى فرضها قمينا بقيام التوازن الاقتصادي الذي لابد منه لصيانة المجتمع من كل رجة وآفة وكل تذمر وانتقاض، فمما ثبت عن الرسول قوله: أن في الاموال حقا سوى الزكاة، استنتاجا من الآية القرآنية الكريمة "وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" وأختها الآية الأخرى التي تقول في نفس اللهجة والاسلوب والتأكيد مع اضافة وصف محدد " والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" لسورة المعارج الآيتان 24-25، والاولى من سورة الذاريات الآية 19.
ومن هنا أيضا أو من هذه الزاوية فإذا رأت هذه الدولة الاسلامية أن تؤمم قطاعا أو قطاعات من اقتصاد البلاد لمصلحة المجموعة البشرية التي يتكون منها، فإن من حقها بل ومن واجبها أن تفعل ذلك وهي مطمئنة إلى أنها لم تخرج عن حدوده وآفاقه....أما الذين يعطون لانفسهم حق التشريع دون سواهم يرون ان لهم وحدهم حق الادلاء بآرائهم على أنها الحاسمة والفاصلة، فان تاريخ التشريع في الاسلام والاحداث التي واكبته منط ظهور الدعوة وفي كل حياة الرسول وحياة الخلفاء الراشدين يؤكد انهم اما مفترون أو ضالون....ودعانا إلى هذه القذلكة ما أثاره بحثنا الذي كنا نشرناه في مجلة "دعوة الحق" حول موقف الاسلام من التأميم وقلنا أنه عمل اسلامي وانه لاغبار عليه من ردود كان آخرها ما نشرته هذه المجلة نفسها في عددها الرابع السنة الخامسة عشرة لفضيلة الاستاذ العميد الفاروقي رالحالي....ونحب ان نثير سبب هذه الردود امتباه الناس إلى ما يأتي وبادئ بدء نحب أن نقول أننا نعتقد أن الاحكام- لتكون معقولة- يجب أن تستند في تشريعها وفي الزامها الناس دينيا إلى أحد دليلين من اثنين، اما نص شرعي صريح من كتاب او سنة متواثرة، في غير ما يقبل فيه خير الآحاد، ولوفي قضية عينية، يسري حكمها ويمتد لما يضاهيها ويشابهها أو يقاربها ظروفا وملابسات.....وأما تأويل يعتمد نصا صريحا في منطلقه ثم الحكم الذي لايقبل الجدل، ولا يخضع لمختلف التناةلات- هو قطعا و بدون شك أي عاقل ما كان من الشق الاول أي ذلك المستند إلى نص شرعي صريح قرآنا محكما أو حديثا معتمدا صحيحا متنا وسندا، وكان مضمونه لا يتعارض والاستنتاجات العقلية التجريدية، بل والذي عرض على محك هذه الاستنتاجات فثبت أمامها....ثبوتا مقنعا أما ارسال الاحكام اعتباطا وجزافا، ولمجرد تقيد آراء الآخرين التي قد لا تكون متفقة واستنتاجاتنا الخاصة مهما تمحل لها من اعتبارات خارجية....فهو- وهذا أقل ما يقال عنه في نظر العقلاء الذين يحترمون العقل ويعرفون الرجال بالحق لاالحق بالرجال كما يقول ابن عرفة تعسف لا مبرر له ولا تجديف على العقل الذي كرم الله به بني الانسان وجعله من أخص خصائصه ومن ثم اناط به كثيرا من المسؤوليات والتزم غير قليل من الواجبات، لانه وكما قال أبو الطيب المتنبي.
لولا العقول لكان أدنى ضيغهم
                   أدنى إلى شرف من الانسان
فمثلا عند ما يذهب الاستاذ العميد الفاروقي الرحالي إلى الحكم بأن " اكتشاف التأميم المتعارف عليه في هذا العصر واقع في غير محله، وخروج عن جادة الاسلام، وتقرب من الانظمة الاجنبية" لايفعل شيئا أكثر من تبني مصادرة كلامية اطلقت دون امعان فكر علمي ودون استعمال اسلوب البحث المتزن القائم على الاستقصاء والادلة الشرعية الصحيحة، فهو قد اصدر حكما، ولم يسنده بحكم شرعي من قرآن أو حديث مكتفيا بما عن له من قول أوبما هداه إليه تفكيره الخاص....ولكن إذا كنا نحترم حقه في ان يفكر ولا ننكر عليه ان يتخذ أيا من المواقف التي تلائم ما يراه غير خروج عن جادة الاسلام، فلسنا نبرر له انكار هذا الحق على الآخرين، كما لا نقر لاحد أن يكون ساندا للفكر يمنع انطلاقه إلا فيما يراه هو حقا وان يكن عن الحق بمعزل، إذ ما هي أولا هذه الجادة التي تتجافى ومبدأ التأميم والدعوى بأن التأميم أقرب إلى الافكار الاجنبية، ولاشك أن فضيلته يقصد بالاجنبية ما لم يولد في الجو العلمي الخاص بالتعليم الديني التقليدي- دعوى تنقصها الحجة الثبوتية وتقوم  على فرض باطل من أساسه حين يفترض حظر التأويل واستعامل ملكة الفهم على سواه، أم أن معناه أن كل شيء أجنبي حتى ولو كان صالحا مفيدا يجب في نظره تجنبه والابتعاد عنه بل وحتى محاربته ووصفه بالخروج عن جادة الاسلام على أن القول بهذا الراي سيخرج صاحبه وسيجبهه بحقائق تاريخية صارخة هي مثيلة بهاته التي يدينها ويعتبرها خراجة عن جادة الاسلام، فاختراع عمر للبريد، وتنظيمه للادارة، وايقاعه الطلاق ثلاثلا، ومنعه المؤلفة قلوبهم من حتهم في الزكاة بالاضافة إلى مخالفته أبا بكر في كثير من المواقف، يراجعها من شاء في كتاب  السياسة الشرعية) لابن قيم الجوزية في ص 15 إلى 30" أمور لم يكن لها دليل إلا مراعاة المصلحة لان هذه المصلحة هي مقصود الشرع اولا وقبل كل شيء بحيث قد يحالف ما هو نص صريح للمحافظة عليها كما فعل علي في قضية منع بيع امهات الاولد الذي لم يكن سوى رأي عمر، والا فقد بعن لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدة خلافة الصديق، حتى ان عليا عزم على بيعهن قائلا، أن عدم البيع كلان رايا اتفق عليه هو وعمر: " ياأمير المؤمنين رأيك مع رأي عمر في الجماعة احب الينا من رأيك وحدك....فقال علي عنذئذ: اقضوا كما كنتم تقضون فاني أكره الخلاف قال ابن قيم الجوزية بعد ذكره هذه القضايا التي اعتمدت فيها المصلحة، والمقصود أن هذا وامثاله سياسة جزئية بحسب المصلحةن يختلف باختلاف الازمنة.
ولم يقل احد لعمر، أو لم يفكر عمر ان تقليد الاجانب فيما فيه مصلحة خروج عن جادة الاسلام وانما رآه الاسلام بعينه.
على أن اولئك العلماء الذين اعتمدهم الاستاذ الفاروقي لتفسير حديث أبي داود: الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلا والنار....انما فسروه بما يتفق وازمنتهم وأمكنتهم، متأثرين بالتاخ وكل معطياته وبرسوبات الواقع الذي كانوا يعيشونه، ولو من غير أن يحسوا هذا التاثير ويدركوا هذا الانفعال، وماكان تفسيرهم ذلك ملزما أحدا، ولا هو من الشارئع الكلية التي لا تتغير بتغير الازمنة، والتعبير لابن قيم، وانما هو مدى ادراكهم، وما هداهم إليه اجتهادهم، وما كان ملزما لجميع العلماء وفي كل الازمنة والامكنة إلا عند الذين ينكرون الزمنكية، ويريدون ان يوقفوا عجلة التطور المتواصل في طفرات هائلة وقفزات مهولة ام انهم يتخلون ان كل شيء يلحقه التبديل والتحول والتغير ما عدا التشريع الذي يجب ان يظل جامدا لايترك، حتى فيما هو جزئي ولا يمس الكليات؟ أن لو صح هذا لقلنا لجميع كتب الفروع والمذاهب ولكثير من المدونات والتفريعات سحقا واذهبي إلى جهنم.
أفكان في الامكان أو من المقبول ان يختلف المالكية والشافعية في تفضيل هذا النوع من الكفارة على ذلك لولا الزمنكية، لقد رأى مالك أن الاطعام افضل من صنوبه: العتق والصيام، بينما رأى الشافعي واصحابه ان تحرير رقبة احسن والسبب أن مالكا كان يحيي في الحجاز حيث كانت الفاقة والعوز يومئذ ضاريتين اطنابهما " ربنا إي اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" فرى أن اطعام جوعى افيد للمجتمع  أكثر صلاحا ما اضاعة عتيق بتعيش مع مولاه، يرمي به على عداد الجوعى....ومن هذا الباب نفسه موقفه من اباحة معاقبة المتهم ليقر لان الشافعي الذي كان يحيا في مصر حيث الانهار تجري وحيث الارزاق متوفرة....ولكن استعباد الانسان كان يصبغ الحياة الاجتماعية بنوع من التقزز والفرق ما كان مجتمع يستظل بلواء الاسلام يقبله فراى أن تحرير رقبة افضل، لان تحريرها لن يعرضها للمجاعة والفاقة إذ العمل موجود والرزق متوفر، ومة هذه الزاوية انطلق الشافعي في حكمه بمنع عقاب المتهم ليقر إذ قد يكون بريئا، وضياع حق أهون من تعذيب برئ افرأيتم أثر الزمنكية كيف روعي في التشريع.
ثم كون الحديث لم يذكر إلا الاشياء الثلاثة مع وجود اشياء اخرى ضرورية لعهد الرسول لا يعني البتة عدم سريان مبدأ التاميم في غيرها إذا كان هذا الغير تتوقف حياة الجماعة الاسلامية ومصلحتها العامة عليه، والتنصيص على خصوص هذه الاشياء الثلاثة....كما لا يخفى على كل ذي بصيرة نفاذة تستشف ما وراء الحروف- من حيث انها اصل الحياة ومما لاتستقيم الحياة بدونه إذ السوائل وصدق الله العظيم حين قال: " وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يومنون" سورة الانبياء الآية 30، كما أن النار أساس كل حرارة وما ينشأ عن النبات أي كل ما تخرجه الارض من زرع وشجر....وإذا علمنا أن المادة أنما تتالف من هذا الثالوث بالاضافة إلى الهواء أي لالماء والتراب  والنار والهواء أو الحرارة والبرودة والرطوبة والبيوسة علمنا أن دعوة الرسول عليه السلام إلى قيام شركة فيما بين الناس تنصيص على ضرورة اشاعتها وعدم تملكها فرديا، وايماء بـان ما جرى مجراها يجب أن لايستبد به شخص ما أو جماعة ما ويحرمان منهما الآخرين، لان هذه الاشياء بها تتحقق الحياة ويتجسم مدلولها ومن ثمة كانت المحافزة عليها ووضعها رهن الجميع، من الضروري بمكان وحيث انه لا طريق يضمن هذا  الشيوع وتلك المحافظة سوى وضعها تحت تصرف من المفروض فيه رعاية مصالح جميع المواطنين واعني به الدولة كان مبدأ التأميم ضروريا واساسيا للحفاظ على عناصر الحياة.
على أن العبرة ليست باللفظ وانما بالمعنى....وعندما يعقد المناطقة فصلا لمبحث الالفاظ لا ينسون الاشارة إلى أن هذا البحث ثانوي وما دعا إليه إلا ما قبل:
ان الكلام لفي الفؤاد وانما
              جعل اللسان على الفؤاد
فالتأميم معناه جعل نتائج الاشتراك أو الشركة وطنيا....إذ عندما ينحرف الناس عن المراعاة الدقيقة والكاملة لمقتضيات التكافل والتضامن الاجتماعيين، وياخذهم سعار التهارش على المادة والتكالب على حطام الدنيا دون اعتبار لغير الاثراء، لايكون هناك من يحد من هذا الشره، ويخف من هذا السعار سوى الدولة التي انما اقيمت لتأخذ الامور من الوسط ولتمثل شريعة الله بين عباده وتحافظ على التوازن اللازم والذي لابد منه لقيام مجتمع متكافل تشعر جميع خلاياه بواجبها نحو بعضها وبتواجد عواطفها في انسانية ورحمة.....ولاطريق لهذا إلا بتطبيق التأميم في القطاعات العامة التي تمس مصالح جميع الرعايا أو اكثرتهم على الاقل، وكلمة الاشتراك في حديث الرسول لا تعني أبدا مجرد الاشتراك اللفظي وانما تعني ما يفيده الاشتراك ويحققه من تعاون وتكافل وتفكير جماعي مادام الغنم والغرم للجميع وعلى المجيع، ويكون عمل الدولة هو مجرد الحفاظ على قيام تعادلية حقيقة لتوزيع الدخل الوطني توريعا عادلا يلبي كل رغبات القاطاعات التي يتألف منها هذا المجتمع، على أن لفظة الاشتراك نفسها الواردة في حديث الرسول أعظم دليل على وجود ما موول انكاره مو وجود اشرتاكية اسلامية في معناها الواسع الكبير الا ان يغلق باب التأويل والاجتهاد والتحميل"
واما القول بأن على الرسول التبيين.....أي ولم يفعل فيما يخص التاميم.....فهو في محل المنع على حد تعبير الاصوليين، إذ لو سلم بهذا القول لوجب اعادة النظر في كثير من الاحكام التي توصف بالاحكام الشرعية مع عدم توفرها على بيان في شأنها من الرسول، ومع ذلك أصبحت مع مرور الزمان صفة التشريع واكتسبت قداسته بل واعتبرت متكأ لكثير من التخريجات الفقهية والقانونية، وما هذه القواعد الاصولية التي كان للشافعي فضل تبويبها في كتابه الام ولا اقول أنه أول من وضعها، لأن جذورها مبثوتة في الاصلين الشرعيين القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والسنة النبوية المعتمدة الصحيحة، فقد استنبطها العلماء وقعدوها عن طريق الدراسات الجامعية والنظرية واستعملوا لاستخراجها الراي المدعم احيانا بالحجة واحيانا بالحدس والتخمين.....حتى كانت هذه المذاهب الفقيهة ذات الاتباع الذين يتراشقون بالنبال والكلام، من مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية وزيدية وجعفرية وامامية الخ، فهل بينها الرسول بالضبط وكشف على اصولها واوضح ادلتها بالتفضيل والبيان الجزئي؟ وهل عدمتعرض الرسول لها جزئيا يفقدها صفة التشريع مع أنها استنباط وتاويل....أن من المعروف عن مالك مثلا أن كثيرا ما رجع عن بعض آرائه ومواقفه – راجع كتابنا عن مالك بن انس في ذكراه الالف- كموقفه من قضية التسري هل قالها الرسول أو بينها....أن هذا القول لو تمسك به لسد باب الاجتهاد في وجه العالم الاسلامي، هذا السد الذس كان السبب في كثير مما اصابنا من تقهقر وتخلف في اغلبية الميادين، على أنه شيء ما كنا لنقلبه، ولانسلم به، حتى ولو تجمع كل الذين لايريدون أن تفتح الابواب لسواهم.
أما الاستاذ – في موضوع نفسير حديث أبي داوود الآنف الذكر- على آراء كتاب الاموال، لأبي عبيد القاسم بن سلام، والدعوة إلى الوقوف عند ذلك.....فهو تحجير في غير محله ويخرج حقيقة عن جادة الاسلام الذي صان حرية التفكير ودعم آراء اصحابها بالحجة والبرهان....على انه إذا مان هناك من يرى ضرورة التقييد بذلك فهذا رأيه وهو حر في اتخاذ المواقف التي تناسبه إذ لم يرد نص في القرآن ولا في أحاديث الرسول يحذر المسلمين من مغبة الفهم الذي يخالف فهم الاولين وماقالوه....وانما على العكس من ذلك قاوم الاسلام هذا المنطق واعتبره خذلانا وانكارا لنعمة الراي والفكر.... " أم آتينهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون؟ بل قالوا أنا وجدنا آباءنا على امة وأنا على آثارهم مهتدون....وكذلك ماأرسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها أن وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مقتدون، قل اولو جلتكم باهدى مما وجتم عليه آبائكم؟  " سورة الزخرف الآيات 21 – 22 -23 -24".
أن كثيرا من القضايا التي كانت مسلمة بدهية لعهد ما من العهود، وكان انكارها يعرض المنكرين للطعن والانتقاد وربما التشنيع والتعذيب، اظهرتها العهود الأخرى التي جاءت بعد تلك، واظهرتها العلوم التجريبية انها لم تكن سوى فهم خاطئ....فعلوم الفلك والفضاء، وكثيرا من القضايا التجريدية أظهرت التجارب الحديثة خطلها أو صحتها التي كانت محل شك وتردد.....فكون الارض منبسطة كان فكرة مسلما بها وكان القول بالتكوير بدعة....وجاءت ظروف زمنية اخرى لتتبنى فكرة التكوير التام حتى إذا جاء العلم الحديث وتمكن رجال الفضاء من اختراق الغلاف  الجوي لهذه الارض والنزول على القمر، تبين ان التكوير غير تام وان الارض مفلطحة...أفبعد هذا يتمسك بأرآء الاقدمين لمجرد انهم تبنوا تلك الآراء....فابو عبد القاسم بن سلام لا يخفى في نهاية تفسيره للحديثين من القول، وإلى هذا انتهى تاويل قول النبي صلى الله عليه وسلم في اشتراك الناس في الماء والكلأ الذي يكون عاما، وتأويل استئنائه فيما يكون خاصا.....فأبو عبيد لم يقل وإلى هنا يجب ان ينتهي في التأويل....على أن ايراد كلمة التأويل نفسها فيها حجة لما ذهبنا إليه من خضوع النصوص لتأويلها بما يتفق والصالح العام، كما ان كلمة هذا المؤلف صريحة في أن الفهم الذي يعرضه كان غاية ما انتهى إليه عهده وزمانه، لاانه لايسوغ التفكير في تأويل غيره، على أن الفكر الاسلامي- حتى في عهود انحطاطه- ما انفك يتوثب ويحقق فتوحات لاباس بها وخاصة في المجالات النظرية، وما وقف أبدا جامدا أمام أراء من سبقوه العلوم الني كانت تقرر وتدرس، ولدى مختلف المذاهب الاسلامية.
على ان تملك الارض في الاسلام يخضع – في رأينا- لمضمون مواقف الآتية:
عن ابن عباس: أن النبي عليه السلام خرج إلى أرض تهتز فروعا فسال: لمن هذه الارض؟ فقيل اكراها فلان، فقال صلى الله عليه وسلم لو منحها إياه كان خيرا من أن يأخذ عليها اجرا معلوما...وعن جابر ابن عبد الله قال....كان لرجل منا فضول ارض فقيل له هلا اكريتها أو آجرتا بالثلث فقال عليه السلام: من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها اخاه ولا يؤاجرها او يكريها.....وفي رواية : فإن ابى فليمسك ارضه.....
وهذان الحديثان يعنيان أنه لايجوز امتلاك الارض الفلاحية الواسعة التي يعجو صاحبها عن استغلالها بنفسه، كما لايجوز اكراؤها للكادحين، نظير أجر معلوم بجبونه لهذا الذي يحاول عن حق أو باطل أن يظل مالكا لهذه الارض الشاسعة.
وفي كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام ان عمر قال  : " ليس لمحتجر بعد ثلاث حق" أي بعد ثلاث سنين....والموضوع هو سلكية الارض....ومعنى ذلك أن عدم مالكها يبيح للدولة انتزاعها من يد هذا المالك ووضعها في أيد تحسن اصلاحها وزرعها وحرتها، لأن تركها طيلة المدة بدون استغلال قد يؤدي إلى أحداث فجوات في الدخل القومي، وهذه الفجوات قد تؤدي على تعطيل مرفق من مرافق الحياة العامة، الشيء الذي يحاربه الاسلام ولا يستسيغه.
وبناء على ذلك فإن على مالك الارض أن يستعملها فيما وضعت له من نفع الناس وتوفير ما يحتاجون إليه من طعام ومواد غذائية، فإذا عطلها بوجه من الوجوه كان على الدولة أن تؤممها لتجعلها يعتبر كتجميد المال السائل، إذ هي ولا شك مال ثابت ولكنه متحرك من حيث الانتاج، ونحن نعلم ما اوعد الله به مجدمي المال والحائلين دون تحركه تحركا حرا منتحا، ومن هذا الوعيد الزام المسلم أداء فريضة الزكاة على ماله، مادام يتوفر على النصاب....وهذت ما يسمى بضريبة التجميد التي كان الاسلام هو اول من سنها....
والاستاذ العميد معنا في ان حكمي الارض المفتوحة عنوة حكمان، وأن أحدهما- مهما قيل عنه- إنما هو اجتهاد من اناس يصيبون ويخطئون، لقد أخذ عمر في ارض السواد بالراي حين جعله فينا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا مخالفا بذلك الآية القرآنية مخالفة اثارت في وجهه معارضة الذين تمسكوا بصريحها: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله على كل شيء قدير" سورة الانفال الآية  41...وان عمر بعد هذه المعارضة استشار كبار الصحابة من المهاجرين والانصار فيما ارتآه فوافقوه عليه لان فيه مصلحة الاسلام حالا استقبالا....وكان من اهم الذين ايدوه في رأيه علي ابن ابي طالب ومعاذ بن جبل....فلم التمحل والهروب  من الواقع....على أن السيد العميد ينقل عن سفيان بن سعيد القول بالخيار في الارض المفتوحة علوة، بين جعلها غنيمة تخمس وتقسم تبعا لما فعله الرسول في خيبر، وبين جعلها ........... عاما للمسلمين لايخمس ولا يقسم تبعا لما ارتاه عمر وصحبه في أرض السواد وذيل السيد العميد نقله ذلك بكلام أبي عبيد القاسم بن سلام الذي يقول فيه، وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع" وبعد أن أورد آيتي الفيء" (واعلموا أنما غنمتم الآية) ما افاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول الآية) قال : فهذه الآية الفئ وبها عمل عمر واياها تاول حين ذكر الاموال واصنافها، وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ حين أشارا على عمر بما اشارا، فيما نرى والله اعلم"....وهكذا نرى أن العميد لم يورد نصا ما صريحامن القرآن أو الحديث يمنع التأميم أو حمل المشاركة الواردة في حديث أبي داوود على التأميم وإنما أورد بعض أراء من يبقوه، على أننا تسجل بارتياح كلمة العميد التي قال فيها ( فيها نرى والله أعلم) إذ فيه اعتذار مبطن أة لابأس به يليق بمقام الاستاذ الفاروقي المعروف بتفتحه وسبقه إلى البحث عن الحلول الناجعة المواجهة التحديات الحديثة التي تنجيه كل الديانات السماوية.
على أنه من المؤلم حقا- ويجب اثبات هذه الحقيقة- إنه كلما جابهتنا محدثة أن لانزيد في تشبثنا بهذا الراي أو ذلك ازاءها بغير اجترار اقوال من سبقونا دون ان نعبر الفروق الزمنكية أي اعتبار، تصادق قولا قاله المتقدمون أو لمجرد انها خالفت ما عندهم....ثم لاتستنكف الجري وراء الاستدلال باقوال أوؤئك المتقدمين كأنما هي قرآن محكم أو سنة مطهرة، فبدل تقل كلا الشاطبي الذي ليس من مفهوم واستنتاج لاعمال الفكر والرأي، ينبغي التنقيب عن حجة قرآنية أو حديث نبوي صحيح معتمد او على الاقل تبيين وجهة نظر مدعمة بالحجة المنطقية والدليل.
العقلي والحسي، ولا فبأي حق يباح للشاطبي مثلا حق التأويل ويحرم على الآخرين، ولماذا الهروب من مقارعة الحجة بمثلها إلى الاستظلال بحجية الاجماع مع ما قيل فيه وفي عقدة الخ.
اتقوا الله ياناس في انفسكم وافتحوا لها نوافذ على مختلف الجهات الثمانية، لتذركوا أن اليوم غير الامس، وهو قطعا غير الغد، وان اهتمامات هذا البلد وقضاياه ليست بعينها اهتمام البلد المغاير....وحاولا أن تعرضوا في اناة وتبصر قضايا الآن المعاش، ومايحيط بكم من مختلف التيارات، لقد قربت وسائل المواصلات المتباينة، واجهزة الاعلام المختلفة والمراصد العلمية الفضائية والاضية ما بين الامم والشعوب، وسهلت الطباعة نشر الكتب وما عند الآخرين... وأكدت المعارك المصيرية أن لا مكان في هذه الدنيا لمن يظلون يتشبثون بالماضي ولا يتطلعون للمستقبل او لايستفيدون من الحاضر...وأكدت الاحداث المتعاقبة ان القرآن ليس منغلقا ولا مقفلا وانه يهدي للتي هي أقوم ويبشر المومنين وان رحابه الفسيحة ما كانت لتضيق عن ايجاد الحلول الناجعة لكل الازمات، ولايمكن بالاضافة إلى ذلك أن باقي الحياة الواقعية القائمة على الكرامة الانسانية....وانه دعوة حارة أن أن المصلحة العامة والعليا للامة الاسلامية هي المتوخاة من نشر دعوته وقيام عقيدته وان هذه المصلحة يجب أن يضحى في سبيلها بأية ملكية فردية إذا كانت لا تتحقق المصلحة العامة إلا بالافراد إلافي دائرة ضمان استمرار الصالح العام....ولهذا فالتاميم- فيما لا طريق لجعله في مصلحة المجموع ومقنعة كافة الناس.....ضرورة حتمية....وعلى متكريه أن يثبتوا مستند انكارهم من كتاب او سنة وبدليل لا يقبل التأويل أو على الاقل بأرائهم الخاصة في الموضوع وليحترموا اراء غيرهم....

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here