islamaumaroc

الإعلام الإسلامي في مواجهة الجاهلية المعاصرة

  دعوة الحق

150 العدد

 يمكن الاستنتاج من خلال المقالات السابقة (1)، أن هناك غزوا إعلاميا زاحفا تبدو آثاره وانعكاساته على مختلف مرافق الحياة  في دنيا المسلمين، كما أنه اتضحت، ولاشك بعض ملامح نظرية إعلامية إسلامية، يمكن أن تتخذ أساسا لانطلاق إعلامي إسلامي في مواجهة الجاهلية المعاصرة التي تكيل الضربات القاصمة لمعاقل الإسلام في إصرار عجيب. وتلك هي رسالة الإعلام الإسلامي في ظروف العالم الإسلامي الراهنة.
ولا شك أن الجاهلية المعاصرة تعتمد على الإعلام كأداة ووسيلة الغزو والتخريب. وقد رأينا كيف أن جميع المذاهب والإيديولوجيات  الحديثة  تتسرب إلى بلاد المسلمين عبر قنوات الإعلام بوسيلة أو بأخرى،  وتكون النتيجة دائما مخيبة لظن العاملين في حقل الدعوة الإسلامية بوسائل غير متكافئة، وليست في مستوى تحديات الجاهلية، ويذهب بهم حسن الظن إلى احتمال نجاح جهودهم ورد كيد الأعداء في نحورهم، بمثل هذه الوسائل، فيصطدمون في الأخير باستفحال الشر واستشرائه، وانتشار الكفر والإلحاد والفسوق على أوسع نطاق.
وليس الأمر اعتباطا، وإنما خاضع لتخطيط علمي دقيق واسع الآفاق. " وتكفي نظرة واحدة إلى الصحف والمجلات والكتب والنشرات التي تصدر يوميا في مجموع دول العالم الإسلامي، لتحيط الباحث علما بطغيان وسائل الإعلام  الشيوعي ( قمة التحدي المعاصر للإسلام) على غيرها من وسائل  الإعلام الأخرى- وخاصة الإسلامية منها- كما  وكيفا... ويبدو ذلك بوجه خاص في تلك البقعة العربية من الوطن الإسلامي حيث يقف الشيوعيون اليوم خلف حوالي 60% من إنتاج الكتب،  وحوالي 55% من إنتاج  المجلات، وخاصة المجلات ذات الصبغة العلمية، 44% من إنتاج الصحف اليومية ... يضاف إلى ذلك تأثيرهم غير المباشر في أجهزة الإعلام الحكومية، ونصف الحكومة(!)  من خلال  عدد من الأقلام الرقيقة والصديقة، التي باعث مدادها بالانتماء أو التعاطف"(2).
وهكذا تبدو ضخامة الخطر الذي يواجه الإعلام الإسلامي المعاصر، وتتحدد بالطبع جسامة مسئولية هذا الإعلام، وتتضح مجالات نشاطه. ولعلنا في غنى عن طرح سؤال حول أهداف التغلغل المخيف للإعلام الجاهلي في بلاد المسلمين، مع يا يتقاضى ذلك من جواب واستطراد، لأن الأمر واضح جدا، والحقيقة ناصعة جلية. والأهم من كل ذلك، وهو الحديث عن مسؤولية الإعلام الإسلامي في مواجهة هذا التغلغل الذي يشكل واجهة من واجهات الجاهلية المعاصرة.
واعتمادا على هذا الواقع الذي لا سبيل إلى إنكاره مهما حاولنا ذلك، نجد أن ما قاله " شيخ المبشرين"  " ولسن كاش" في مطالع القرن الحالي،  حقيقة قائمة شاهدة على ضخامة النفوذ الإعلامي الذي كان دعما قويا للاستعمار والتبشير والاستشراف في العالم الإسلامي. يقول هذا المبشر:
" أن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط، أو تهيئه لقبول ما ينشر عليه، بل هي تخلق الرأي العام ( تأمل هذه العبارة جيدا). وقد استغل  المبشرون الصحافة المصرية ( كذا) على الأخص، للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر ( تأمل هذا أيضــــا)..." (3).
والحق أن الإعلام الجاهلي هو المحرك الديناميكي للجاهلية المعاصرة. وهذا يقتضي بداهة الإحاطة الشاملة الواسعة بمخططات هذا الإعلام، لأن ذاك وحده، هو الأساس المكين لأية مواجهة واعية، وفي المستوى المطلوب، لما يحيط بنا من مظاهر الفسوق والارتداد والانجراف مع تيارات الحادية مدعمة بالسلاحين المادي والمعنوي.
وإذا كانت مواجهة الجاهلية الحديثة، هي المهمة الرئيسية للفكر الإسلامي المعاصر، وهي رسالة الدعاة الإسلاميين، ومسؤولية حملة الأقلام المؤمنة في أي بلد إسلامي، فإن العبء الأكبر يقع على الإعلام الإسلامي، بكل أجهزته، وبكل مؤسساته، الذي يتجاوب مع العالم، وينفعل لأحداث العالم الإسلامي، وينتقض لرد الهجوم، والوقوف في وجه  الزحف الكاسح، وينتصر للحق الضائع، ويهتم بأمر المسلمين المستضعفين في الأرض. ولا شك أن أولى الخطوات على درب الإعلام الإسلامي هي إنشاء  رأي عام إسلامي، وصياغته وفقه المنهج الإسلامي ومقتضياته. ومن هنا تبرز لنا حتمية الارتباط بين الأعلام والدعوة، باعتبار أداة ووسيلة للدعوة، وباعتبار العمل لإنشاء رأي عام إسلامي، وهو جزء متمم للعمل لنشر الدعوة الإسلامية وتعميمها في الآفاق.
ذلك أن وجود رأي عام إسلامي، يعني بالضرورة استقامة الحياة، في بلد ما، على المنهج الإسلامي. وتتضح هذه البديهية الإعلامية أكثر بالإطلاع على أحدث التعريفات لمصطلح الرأي العام". يقول الدكتور محمد عبد القادر حاتم في كتاب له قيم بعنوان: " الرأي العام: كيف يقاس وكيف يساس.." في الصفحة 53:
" الرأي العام هو جماع الآراء التي هي مواقف يتخذها الرأي العام هو التعميم الحر " للرأي الخاص" على شريطة أن يكون هذا الرأي ناتجا عن اختيار وطواعية واقتناع..."(4)
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرأي العام لا يفترض، بل يشترط لقيامه أن يكون واضحا ظاهرا، هي أن الرأي العام الإسلامي هو وليد تفاعل الأفراد  على حد تعبير د. حاتم، نكون أمام نتيجة واضحة، بالفكر الإسلامي، وحسن تقبلهم للحياة الإسلامية، فيكون الفرد، في مجتمع من هذا القبيل، تجسيما حيا، لهذا الفكر، ولهذه الحياة الكريمة. ومن حصيلة آراء الأفراد المتميزين بهذه الخصلة الفريدة،  ينشأ بالضرورة  رأي عام إسلامي قادر على مواجهة الجاهلية المعاصرة، مواجهة واعية، مستنيرة، في المستوى المطلوب.
أن الهدف الرئيسي الذي يرمي إليه مخططو الغزو الإعلامي في العالم الإسلامي هو خلق رأي عام يتقبل بسهولة معطيات الحضارة الغربية الصليبية، أو الشرقية الشيوعية. ومن ورائهما جميعا تقف اليهودية العالمية بنفوذها الرهيب وتأثيرها المباشر أو ( غير المباشر!) على اتجاهات الفكر   والثقافة والإعلام، كما هو الشأن في المجالات السياسية والاقتصادية. وحينما يصح الإنسان المسلم، في  بلد ما، يتقبل إشعاع الفكر الاستعماري الغازي، ولا يجد حرجا في ذلك،  حتى وأن بقي على عقيدته الأصيلة، يكون الإعلام الجاهلي قد أصاب نجاحا باهرا فيما كان يرمي إليه، بما يعني ذلك من صياغة الرأي العام في البلد المعني بالأمر صياغة تبشيرية  صلبية أو ماركسية شيوعية. تكون النتيجة في هذه الحالة ضيع شباب الأمة، وهم عدتها وانحرافا فكريا يدفع إلى السقوط الحضاري دفعا. وفي هذه الحالة، أيضا، يقتضي قانون رد التحدي والمواجهة استخدام نفس الأسلوب، بأن يعمل على  إنشاء الرأي العام البديل، الذي لا يمكن أن يكون غير رأي عام إسلامي.
ومواجهة الجاهلية المعاصرة بسلاح الإعلام الإسلامي ليست- على كل حال- هي الصيغة المطلوبة لرد التحدي الحضاري الهائل  والغزو الفكري الكاسح اللذين تواجهما شعوب العالم الإسلامي في اللحظة التاريخية الراهنة. وينبغي أن تقرر هذه الحقيقة ابتداء، حتى لا يساء فهم الأمور. لأن طبيعة الجاهلية المعاصرة أنها تقوم على أساس مادي صرف، وأنها تسلك سبلا أخرى غير الفكر- في بعض الأحيان- لتمارس عدوانها على الفطرة الإنسانية السوية، ولتفرض على الإنسان المسلم جبروتها لتصرفه عن دينه. ولكن مهما كانت أسس الجاهلية المعاصرة مادية، فإنها بمفهوم آخر لا تعدو أن تكون مادة أنشأها الفكر. أو بعبارة أخرى وجودا زكاه الفكر المعتمد أساسا- هو الآخر- على غزو إعلامي مكثف وشامل ومخطط له بدقة بالغة.
نحن نقرأ هذا في " بروتوكولات حكماء صهيون"، ونشاهده عيانا فيما يدور حولنا من صراعات دولية، تكون مفتعلة في غالب الأحيان لصرف الشعوب الإسلامية عن واقعها التعس.
وبحكم التجربة المعاشة بمرارة- بالنسبة للإنسان  المسلم – اتضح بجلاء أن القوى الدولية المسيطرة، القابضة على أزمة الأمور في العالم، إنما تعتمد أساسا على الإعلام، حتى وأن لم يكن يبدو ذلك ظاهرا للوهلة الأولى. لأن التعقيد هو الطابع الصراع الكبير في عالم الناس هذا، وكثيرا ما يخطيء الإنسان التقدير من النظرة الأولى.
فالإعلام- إذن- قوة. والإعلام الإسلامي قوة ودعم لأية حركة إسلامية. والدعوة إلى الله، إلى منهج الله في الأرض، إنما تؤتي  أكلها باعتماد أعلام إسلامي قوي.
بيد أن طبيعة المواجهة الضارية التي تفرضها  الجاهلية المعاصرة تقتضي- من جهة أخرى- بعض التروي والتأني، حتى لا تزال القدم. ولعل أهم النقط التي تستوقف الباحث في هذا الصدد هي تحديد الملامح الرئيسية للإعلام الإسلامي، حتى يكون مميزا. ولقد حاولت، مستعينا بالله، في المقالين  الأخيرين بخاصة، أن أركز الحديث حول ما أسميته الأخيرين " نظرية إعلامية إسلامية". واحسبني، بتوفيق من الله، فقد وفقت، إلى حد ما، في أيضاح الخطوط العريضة لهذه النظرية. ولكن السؤال الذي لم أجب عنه بعد هو مدى التطبيق العملي للنظرية.هي قضية تدخل في إطار أزمة الفكر الإسلامي المعاصر المتمثلة في تغليب الجانب النظري على الجانب العملي في كل المجالات.
أن  الجاهلية المعاصرة بتزكية أجهزة الإعلام لها، تواجه شعوب الإسلامية مواجهة مكشوفة قائمة على تخطيط دقيق اجتاز مرحلة التنظير إلى  مرحلة التطبيق العملي. وستكون المواجهة، مواجهة الإعلام الإسلامي غير متكافئة بالمرة أن يقم فعلا جهاز ضخم يتبنى النظرية الإعلامية الإسلامية، فيصبح لها كيان يحسب له حسابه. وقضية التطبيقية تقضي بنا حتما إلى مسائل متشعبة لازال الفكر الإسلامي المعاصر يخوض فيها دون أن ينتهي  إلى نقطة الحسم. وقد كثرت الدراسات في هذا المجال إلى أن طغت على جميع المجلات والصحف الإسلامية على ندرتها.
أن الإسلام دين واقعي  وأخص خصائص  منهجه هي الواقعية والجدية. وليس من الجد في شيء أن نشغل أنفسنا بالبحوث النظرية، العقيمة أحيانا، والجاهلية من حولنا تتربص  بنا الدوائر، وتزداد ضرباتها لمعاقل الإسلام وحصونه يوما بعد يوم.


(1)  الاعداد: 4،3،2، 5-6: السنة الخامسة عشرة
(2) من محاضرة قيمة للدكتور إبراهيم دسوقي أباظة تحت عنوان: " الإعلام الشيوعي في دول العالم الإسلامي".
(3)  "أباطيل وأسمار" – محمود محمد شاكر. ص 255
(4)  " الرأي العام: كيف يقاس وكيف يساس؟ كيف يتكون وكيف يتنبأ، كيف يتطور؟ " . تأليف الدكتور محمد عبد القادر حاتم. مكتبة الأنجلو المصرية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here