islamaumaroc

عبد الرحمن الفاسي .

  دعوة الحق

150 العدد

                                          عبد الرحمن الفاسي(1)

عبد الرحمن الفاسي من الأدباء الملازمين لمولاي الرشيد بن الشريف وله فيه شعر كثير. قال عنه اليفرني في الصفوة: أعرف بكل فن من أهل كل فن، إذا حضر في مجلس فهو الصدر، وإذا تكلم في المسألة شفى الغليل، مكبا على التأليف ولم تكن له مسودة ولا وقع له تشطيب وضرب على شيء إلا أن يكون إلحاقا، فيضع التأليف في زمن يسير من غير احتياج إلى مراجعة...
أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر بن أبي المحاسن يوسف الفاسي الفهري" أسيوطي زمانه"  وأكبر مؤلف مغربي، ولد بفاس في 17 جمادى الثانية عام 1040=(2) 21 يناير 1631، وتابع فيها دراسته تحت إشراف والده. فبعد أن حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره وجوده بالقراءات السبع، وتابع دروس عدد كثير من علماء المدينة الادريسية، يطول ذكرهم، في مختلف فروع المعرفة  وليس عدد الشيوخ المشارقة الذين أجازوه بأقل من ذلك، وأن كان لا يعرف بالضبط أين لقيهم، لأن مترجميه لم يذكروا أن كان قد قام بأداء فريضة الحج(3). يبقى بعد كل هذا أن المترجم ترك تآليف كثيرة ومتنوعة تربو على مائتي كتاب(4) في العقائد، والفقه المالكي، والقضاء المغربي، والطب والتنجيم، والتراجم، والتاريخ. وفي كتاب ل. بروفنسال مؤرخو الشرفاء، ( ص 266-269) قائمة أهم مؤلفات عبد الرحمن الفاسي في المادتين الأخيرتين مع نقدها، لذلك سنتركها جانبا لنعطي نظرة وجيزة عن كتبه الأدبية والفقهية، وبخاصة دائرة معارفه المسماة بالأقنوم في مبادئ العلوم.

المؤلفات الأدبية:
1- ديوان شعر جمعه ابنه محمد، وأدمجه في الجزء الخامس من كتاب اللؤلؤ والمرجان الذي وضعه للتعريب بوالده(5).
2-  العجب في علم الأدب.
3-  معارضة قصيدة أبي الشق. ( لعله يقصد أبا الشمقمق؟)
4- تأليف في صناعة الشعر
5- الجرومية في التغزل(6)
6-  بائية في مدح صلحاء فاس، مطلعها:
الأمل إلى فاس فتلك مني القلب
وحدث بها عن ثوى باطن الترب
وقد عارض بها سيئية ابن باديس في مدح الشيخ عبد القادر الجيلاني دفين بغداد:
الأمل إلى بغداد فهي مني النفس
وحدث بها عمن ثوى ساكن الرمس
ويلاحظ أن المترجم لم يتصرف في هذه المعارضة إلا قليلا باستبدال بعض الكلمات والقافية.
7- قصائد كثيرة في مواضيع مختلفة(7).
ب- المؤلفات الفقهية والحديثية:
1-  العمل الفاسي، الذي سنتحدث عنه بعد قليل
2- السكينة في تحديث أهل المدينة(8)
3- مفتاح الشفاء يعني شفاء القاضي عياض المشهور(9)
4- استطابة التحديث بمصطلح الحديث، وهي منظومة في مصطلح الحديث(10).
 العمل الفاسي(11)
 هذا الكتاب الذي يتحدث عن القضاء المغربي، يتبع مؤلفات مختلفة في الفتاوي، والأحكام، والأجوبة، والنوازل، والوثائق. وهو يكون دراسة وافية في الأقضية التي صدرت عن قضاة فاس، نظمه المؤلف  في سبعة عشر وأربعمائة بيت من بحر الرجز ملخصا فيه سلسلة من الصيغ القضائية. ونظرا لاختصاره فقد وضعت له شروح عدة في مقدمتها شرح الناظم نفسه إلا أنه لم يكمله، وشرح أبي القاسم بن سعيد العميري ( المتوفي عام  1178= 64- 1765) بعنوان الأمليات الفاشية  من شرح العمليات الفاسية(12)، وشرح محمد بن أبي القاسم السجلماسي الرباطي ( المتوفي عام 1214=
1800)(13).
 ويجب التذكير هنا بأن تاريخ الفقه الإسلامي يرجع إلى الإمام مالك بن أنس"  الذي أتخذ من عمل أهل المدينة أصلا من أصول مذهبه يقدمه على الأحاديث الصحيحة، في حين تبع الحنفية  والحنابلة من جهتهم عمل العراق، والشافعية عمل مكة" (14). ولما تمركز المذهب المالكي  بعد ذلك في القيروان  بقي العلماء يرجعون إلى طريقة فتاوي  الفقهاء وأحكام القضاة. وحدث أن علماء هذه المدينة كانوا يلتزمون في أغلب الأحيان بعمل الأندلس، لأن أهل فاس خلال القرنين الثالث والرابع للهجرة(9و10 للميلاد) كانوا قد أنحازوا إلى أمويي الأندلس ضد شيعة عبيد الله الفاطمي. ولما استقال المغرب بعد ذلك كان له فقهه الخاص الذي هو أصل العمل الفاسي." أن السبب الأصلي للعمل عند فقهاء المالكية هو عجز الفقه، فقد يظهر تضارب بين آراء علماء المذهب في بعض  المواد، ويأخذ أحد القضاة  في بعض  الحالات يقول مخالف للمشهور تفاديا لضرر أو اضطراب، ومسايرة للعادة رعيا للصالح العام، ثم يقلده من يأتي من بعده... هذا الحل مطابق لمبادئ  المذهب المالكي  المنبني أساسا على المصلحة أو  اعتبار الحاجيات والضرورات الوقتية. فالعمل، مثل العادة، أصل من أصول الفقه، يبرز تقلباته الطابع  المتغير  لمفهوم الصالح العام، فإذا انتقلت علة وجوده عدل عنه إلى المشهور الذي هو أحد الضوابط الشرعية للفقه. لكن العمل في آخر المطاف لا يمكن أن يخالف الشرع ( القرآن والسنة) الذي لا يقدم عليه أي اعتبار لصالح عام أو أية عادة قائمة"(15)
ان تحليلا سريعا للعمل الفاسي يجعلنا نستخرج منه الأقسام الرئيسية التالية:
أ‌- مقدمة يبين فيها الغرض من تأليفه كمايلي:
1- موضوع هذا النظم بعض مسائل من الأحكام
2-  العمل الفاسي التابع للأعراف يرفع الخلاف في بعض النوازل
4- وبعضها الآخر مستقي من مؤلفات المتأخرين من الفقهاء وأجوبتهم
5- منها ثماني عشرة مسألة وردت في لامية الزقاق(16)
ب‌- مسائل من النكاح والطلاق والنفقة واللعان والعدة
ج- مسائل من البيوع
د- مسائل من الرهن والضمان  والشركة والقسمة  والغضب.
هـ- مسائل الجعل والإجارة  والكراء
و- مسائل الحبس والهبة وما يلحق بهما
ز-  مسائل من اليمين والقضاء والشهادة
ح- مسائل من الوصايا وأحكام الأوصياء والمحاجير
ط- جمع مسائل من أبواب
وهنا ينبغي التنبيه إلى كتاب آخر ظهر في العمل المطلق إلى جانب الكتاب السابق الخاص بعمل فاس،  وهو أيضا رجز من نظم شرح السلجماسي سابق  الذكر، " ويعتمد هذا الكتاب- العمل المطلق- على الأقضية التي وقع فيها فصل مشترك في جميع البلاد الإسلامية الذي تتسع الحلول المدروسة فيه ببعد المرمى  وعموم التطبيق، ومن ذلك العمل المقرر في الصيغة الخاصة بالطلاق  الثلاث عندما يتلفظ به الزوج دفعة واحدة خلافا للقواعد الثابتة بنص القرآن من أن الطلاق يقع ثلاث مرات"(17) أن دراسة العمل الفاسي وحده تتطلب كتابا كاملا، ولما لم يكن ذلك باستطاعتنا فقد اكتفينا بجلب استشهادات لبعض المتخصصين في المادة الفقهية، ونختم  كذلك بفقرة وردت في نهاية بحث ف. لوبينياك عن الشفعة :" يقدم كتاب العمل الفاسي المشهور في الفصل المتعلق بالشفعة- كما نرى- مصلحة حقيقية بما يأتي به من تجديد وتنوع في العمل الفقهي ويعطي أمثلة متعددة لهذا التطور في الفقه  الايجابي المغربي الذي يكون أحد ملامحه الأكثر جاذبية لبعض العقول الغربية. فالعمل الموضوع أمام الضرورات والحالات الجديدة التي لم تكن معروفة عند المؤلفين  القدماء، لم يتردد في أن يكيف لها القواعد  ويلينها، ويدخل الفروق الضرورية ليضمن للمتقاضين حقا أكثر إنسانية  وملائمة  لمطامحهم وحاجياتهم، دون أن يتعارض مع القواعد الأساسية الفقه الأصلي، وهكذا  يبدو من حين لآخر أن المبدأ القديم لثبات  الفقه الإسلامي ينبغي أن يرجع بعزم وأقدم(18).
الاقنوم في مبادئ العلوم(19)
لا تقل شهرة عبد الرحمن الفاسي. بالأقنوم عن أيضا رجز تعليمي طويل النفس يتناول جميع العلوم المعروفة في عصر المؤلف، ويبلغ عددها واحدا وثمانين ومائتي علم،  كالعقائد، والتوحيد، والتفسير، والحديث، وأصول الفقه، والفرائض، والنحو، والتصريف، والخط، والمعاني الخ. وتعد هذه المعلمة بحق فريدة من نوعها، ويعرفنا الناظم في المقدمة بما يهدف إليه:
جمعت منها الموجز القريبا
لكي يرى في جمعه عجيبا
من كل مدخل إلى علوم
ونظمه أسميه بالأقنوم
شبه النقابة ولكن أزيد
علما، ومنظوم ولكن أفيد
جئت به في قصدها تتميما
كيفما يكون جامعا عظميا
وذاك لما أن رأيت الاعتنا
بها على ما قل منها ودنا
وددت لو لم تخل من فنون
تزيد، والحديث ذو شجون(20)
تسير المنظومة كلها على هذا المنوال حيث يلاحظ استعمال بعض الزوائد والكلام المعاد لملء فراغ بعض الأبيات أو إقامة وزنها. ويهمنا بالخصوص من الأقنوم الفصل السادس والعشرون المخصص  للأدب الذي يحدده الناظم هكذا:
علم بكيفية ايجاد الكلام
مع البلاغة بنشر أو نظام
لابد من دراسة الأخبار
فيه وعلم سالف الأعصار
ومازها من مثل الأشراف
من مازها منها القليل كاف
ولينتخب من كلها صحيحه
مع جودة العقول والقريحة
فيدخل الأحسن في كلامه
بطريق تليق في مقامه
ويدع التقعير والتقعيبا
ويلزم التأديب والتهذيبا
والصون عن دناءة المروءة
والغيبة المشومة المشنوءة
وصنعه عن كذب يشان
وقبل هذا واجب يصان
عن رفت المزح وعن قول شنيع
وبعد يستجب حيث يستطيع
في القول أن يعدل عما ألزما
 مستثقل الأعراب حتى يسلما
فالنفس مثل الطفل أن تهمله
زاد وإلا أنكف أن تمله

وليعط أرفع الكلام للرفيع
من المخاطب ويخفى للوضيع
وليسلك الايحاز في محله
كل مقام مفرد بقوله
إذ ليس الاختصار بالمحمود
في كل ما يرام من مقصود(21)
هكذا نرى الناظم ينصح الأديب بأن يختار في كتابنه من الألفاظ والعبارات النبيلة أو العادية ما يناسب مقام الخطاب، مذكرا بنصيحة ابن قتيبة المشهورة: " لكل مقام مقال". ويذكرنا هذا ( الفن  الشعري) بنظيره عند الشاعر الباريسي بوالو ( 1936- 1711) الذي ألف كتابه في نفس الوقت الذي نظم فيه عبد الرحمان الفاسي الأقنوم.
ولتقف بعد هذا قليلا عند الفصل المتعلق بالأسلوب من الأقنوم:
وهو عبارة عن المنوال
لنسج ما ركب من مثال
بصورة صارت لدى الخيال
بالذهن كالقالب  والمنوال
انتزعت بالذهن من أعيان
تراكب صحت بها معاني
يرضها في قالب كالبنا
أنواعها تخص فنا فنا
يأتي السؤال للطلول مثلا
بأن تخاطب كمن قد عقلا
أو التحية لها واستدعا
الصحب للوقوف بصغى سمعا
أو باشتكا الصحب عليها، أو سؤال
عن الجواب لمخاطب يسـأل
أو أمره بأن يحيى الطلول
أو بالدعا لها بسقيا في المقول
أو بسؤال البرق أن يستقبلا
أو عنه يستفهم ذاك الطللا(22)
هكذا نجح الناظم في التعريف بالأسلوب بطريقة مجازية مشبها إياه بمنوال النساخ وقالب البناء. وإذا كان مترحمنا، مثل بوالو، ناظم شعر قبل كل شيء لم يطبق هو دائما ما ينصح به الآخرين، فإن له على الأقل فضل الشعور بالأشياء  والتعريف بها.
ولنستمع إليه في الختام يتحدث عن الذوق:
والذوق وجداني لدى الكلام
 في اللسن مثل الذوق في الطعام
 إذ بممارسة أسلوب العرب
حصلت المملكة التي تحب
صاحبها يسمع غير المعتاد
له يراه عن لسانه حاد
فذلك الذوق يمجه به
 لكزنه خرج عن أسلوبه(23)
وكانت وفاة عبد الرحمان الفاسي في 16 جمادى الأولى من عام 1096=  20 أبريل 1685

(1) انظر ترجمة عبد الرحمن الفاسي في كتبه: ابتهاج القلوب، والأقنوم، والديوان، وعند:
م. القادري،فريدة الدر، ص 97.
م. سليمان، عناية أولي المجد، ص. 43-44
أ. بنعجيبة، طبقات.
م. الفاسي( ابنه) المنح البادية
م. الفاسي ( ابنه) المنح البادية
م. الفاسي ( ابنه) اللؤلؤ والمرجان
م. الحجوي، الفكر السامي، 4: 116 رقم 774
م. الفاسي، الأدب المغربي، ص533.
م. الفاسي لائحة كاملة
ع كنون، النبوغ، 1" 285
أ. النميشي، تاريخ الشعر، ص.72
ع. الكتاني، فهرس الفهارس،2 : 133-134
م. الكانوني، تاريخ الطب،ص 91.
ج. سركيس معجم المطبوعات، ص 1010
م. بشير، اليواقيت، ص 195.
(2)  انظر مولاي سليمان، عناية أولي المجد، ص 43.
أ. الرجواجي، الشموس المنيرة، ص 51-52
ل. بروفنسال، مؤرخوا الشرفاء، ص 266-269 مع المراجع المذكورة هناك.
ك. بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، نشرة معهد الروس المغربية العليا، جزء 55، 1952
د. رونو، مجلة ايزيس، 18، ص .182
(3)  المصدر السابق، ص 47
(4)  يذكر أصحاب التراجم منها لحد الآن أزيد من مائة كتاب على أثر ما عثر عليه منها أخيرا من كرف م. الفاسي ( انظر مجلة البحث العلمي، عدد6، السنة الثانية 1965، ص 33-34، تميما لما في مجلة هسيريس جزء 29، 1942، ص 65-81)
(5)  كان هذا الديوان في ملك المهدي الفاسي قاضي برشيد (انظر م. الفاسي، لائحة كاملة، ص 66)
(6)  أنظر المصدر السابق فيما يتعلق بسائر هذه المؤلفات الأدبية، ص 66، 69، 73.
(7)  انظر م. الفاسي، لائحة كاملة، ص 76.
(8) انظر ع. الكتاني، فهرس الفهارس، 2: 133
(9) نظر ع. الكتاني، فهرس الفهارس، 2: 133
(10) نظر ع. الكتاني، فهرس الفهارس، 2: 133
(11)  مخطوطا المكتبة العامة بالرباط، عدد 872، 1388، 1490، 1491 من حرف د.
(12)  مخطوطا المكتبة العامة بالرباط، عدد 361و 1089د
(13)  هذا أشهر شروح العمل الفاسي، وهو في الواقع يتمم شرح عبد الرحمن الفاسي نفسه. وقد طبع على الحجر بفاس مرات عديدة، أولاها عام 1291= 1874
(14)  انظر ل. ميليو مجموعة العمل،ص 9-10
(15)  المصدر السابق، ص10
(16)  أنظر ترجمة عبد الوهاب الزقاق عند ابن عسكر، الدوحة، ص 43. ول. بروفنسال، مؤرخو الشرفاء، ص 89، رقم 2 مع المراجع المذكورة هنالك
(17)  ل. ميليو، مجموعة العمل، ص 10.
(18)  الفصل المتعلق بالشفعة من العمل الفاسي، هسيريس، جزء 26، 1939، ص 193- 239
(19)  مخطوط المكتبة العامة بالرباط، عدد 15 ك
(20)  المصدر السابق ص 2
(21)  المصدر السابق ص 83
(22)  المصدر السابق ص 89
(23)  المصدر السابق ص 92

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here