islamaumaroc

كيف نشأت الدولة العلوية؟

  دعوة الحق

150 العدد

أن الباحث في نشأة الدول عليه أن يرجع بنظره إلى أبعد الأسباب في سقوط الدولة التي نشأت على أنقاضها الدولة الفتية ثم يلقى بنظره إلى الأسباب  المتصلة والظروف المواتية.
وهكذا إذا حاولنا أن ندرس ( كسف نشأت الدولة العلوية) فعلينا أن نرجع أولا إلى الأسباب البعيدة التي مهدت للاسباب القريبة.
الأسباب البعيدة في انقراض الدولة ونشوء أخرى يجب أن تلتمس في آخر ملك قوي أخنى الدهر على دولته، ولهذا نحاول أن نلتمس هذه الأسباب في أيام أبي العباس المنصور الذهبي. ولعل هذا القول فيه غموض، ولكنه عند دارسي التاريخ واضح  جلي. فمن أراد أن يدرس أسباب انحطاط دولة الأمويين عليه أن يلتمسها في هشام، وكذلك الأمر في العباسيين عليه أن يمعن في أيام المعتصم، وفي الدولة الغزنوية  في أيام محمود، وفي العثمانية في أيام سليم الثالث، وفي الادارسة في أيام المولى إدريس الأصغر، وفي المرابطية في أواخر أيام يوسف ابن تاشفين، وفي الموحدية في أيام يعقوب المنصور، وفي المرينية  في أيام أبي الحسن. وهكذا يكون صنيعنا واضحا إذا التمسنا أسباب ضعف الدولة السعدية في أيام عاهلها العظيم المنصور الذهبي، فلكا شيء سببه. والدولة كالفرد، سنة الله في الكون، فما بعد الشباب والكهولة إلا الشيخوخة.
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
نعم أن الدول تختلف بطول الأعمار وقصرها  كما  تختلف الأفراد في دولة  بني العباس مثلا كانت أسباب انهيارها سنلتمس في أيام عظيمها هارون الرشيد، ولكن  الخلاف بين أبنيه الأمين والمامون جعل هذا الأخير يبعث في كيانها روح الحياة الشابة  بما رفدها به من روافد خراسان القوية التي قامت على أكتافها الدولة العباسية أول ما قامت. ولهذا تأخرت أسباب المصير إلى أن كان المعتصم فكان ما  كان مما هو معروف في كتب التواريخ...

المنصور الذهبي
 المنصور الذهبي في الدولة السعدية بمثابة قسطنطين الأكبر في الدولة الرومانية، كلاهما كان ملكا عظيما وكلاهما كان يسبغ على مركزه شيئا من القداسة الإلهية، وكلاهما كان فاتحة شيخوخة في  دولته. وهكذا قد جمعت بين العاهلين صفات  تلتمس في تاريخ حياتهما. ومهما يكن فإننا نريد أن نلقي أضواء على ما سبق أن أدعبناه من أن عوامل تدهور الدولة كانت بادرة في أيام المنصور رحمه الله
وأهم تلك العوامل ما يأتي:
أ‌- الظرف الذي بويع فيه المنصور لم يكن ظرف استقرار للدولة، فقد بويع على اثر انتصار السعديين في معركة وادي المخازن فكان قائمون بهذه البيعة هم المحاربين، وليسوا أهل الحل والعقد من وجوه الأمة وعلمائها. ولهذا لم يكن المنصور في مركزه بالمطمئن عليه، وأول ما تمثل ذلك في مطالبة الجيش له بأرزاقهم بعدما أغمدوا سيوفهم من معركة وادي المخازن. وكان الأمر سيفضي إلى شر لولا أن المنصور استطاع بدهائه أن يسكتهم. وتأتي ما تمثل ذلك في محاولة ثورتهم عليه وقد مرض فطال مرضه، لكن  أبا عبد الله محمد الطبيب بذل في تهدئتهم مجهودا يشكر فأرجيء بذلك الانفجار...
ب‌-  فتح السوادن ولو أنه صرف قوات هذه الجيوش إلى ما يشبعها ويليهما عن التمرد إلا أنه فتح على الأمة وبالا بهذا الذهب الذي ذهب بعقول الناس، صحيح أن الذهب هو أعصاب الدولة  ولكن الدولة التي تعرف كيف تستغله وتنظم به شؤونها خير تنظيم. أما الدولة التي تصهره سبائك لحليها وزخرفة قصورها والانقطاع إلى ملذاتها فتلك دولة بشرها بالخراب وبئس المآب.
نظم المنصور جيشه وزينه بالملابس المزخرفة بعد ما أفاض على دولته الذهب. نظمه لا بالطرق المعروفة في تنظيم الجيوش، وأعده لا بالمعدات الحربية التي يدفع بها في نحور أعدائه  في الداخل والخارج، ولكنه نظمه ليسير به في مواكب الموالد والأعياد وأعده بالكسي والقلانس الحمراء الخضراء. وقعد به وقد أسكرته نشوة النصرين، فانقطع إلى ملذاته، وأغلق عليه أبواب  قلعته  التي صرف في تنميتها وصب الذهب في جدرانها ست عشرة سنة وجلب إليها الرخام من ايطاليا  مقابل وزنه سكرا. وما أحلى السكر للإنسان إذا لم  يجرع معه صابا!.
ج- الظلم مرتعه وخيم، كان المنصور عسوفا لا يتورع في إراقة الدماء وأخذ الناس بالسلاسل  والأغلال، وكان يضم أذنه عن كل شكاية تصله بظلم  عماله. فكا لهذا أثر سييء في نفوس  الرعية حتى مالت عنه بقلوبها ويئست في دولته من صالحها،  فركنت إلى الخمول وتعلقت بأسباب من ظنت فيه المامول...
د- الضرائب وهي التي ما كان يستسيغها المغرب ولو أنها شيء مألوف عند غيره، وخصوصا إذا كانت فادحة من وطأتها الشعب. وهذا ما كان في أيام المنصور، فبالرغم من أن خزائنه كانت مفعمة بالذهب إلا أنه وظف على الرعية ضرائب  أخرجت مرارتها، فسادها التذمر ونادت بالويل والحرب...
هـ- الوباء والمجاعة طال بهما الأمد في عهد المنصور فهلك الناس وأختل ميزان الدولة، وتفاحشت الأسعار، فضاق الناس زيادة على ما بهم من ضيقة وفسدت  النفوس وفقدت الثقة وتهالك  القائمون بالأمر على ما بيد غيرهم. ولم ينج حتى المنصور نفسه من نتيجة هذا الظرف المشؤوم، فقد خانه ولي عهده المامون  واستنصر أو حاول أن يستنصر عليه بأعدائه، لولا أن تغذى به قبل أن يتعشى هو به، فقبض عليه، ثم كانت نهاية المنصور نفسه أن فتك به الوباء الذي فتك بغيره.
و- الأتراك كانوا شجى في حلق المنصور ورعيا في قلبه، فكان دائما منهم في حذر خصوصا عندما شاهد ما هدد به في أيام السلطان مراد الثالث من ثل عرشه، فطأطأ لهم رأسه، واعتذر عما نسبوه ظاهرا إليه وظلوا يتربصون به الدوائر، ولم يكن من البساطة بمن تمر عليه هذه الحيلة، ولكنه أتجه إلى السودان لأجل التوسع والاستغلال وتمكين مكانته في حساب الأتراك. ومع هذا فالحذر  منهم لم يزاوله طيلة حياته، وهذا مما حذا به إلى أن يحتفظ بجيشه بجانبه ولا يغادر عاصمته إلا لماما..
ز- الزوايا كان لها نفوذ في الشعب. ولقد أحس المنصور بهذا الخطر على دولته فبعث إلى بعض أصحابها من يقضي عليه القضاء المبرم، ولكنه لم يوفق في مهمته. ثم ازداد نفوذ الزوايا حتى طغى في الزاوية الدلائية التي طرحت بهذه الدولة كما يأتي:
هذه الأسباب هي أهم الأسباب البعيدة التي كانت نتائجها هذه الأسباب القريبة.
لما اختفي دور المنصور عن مسرح الحياة، كانت البراكين قد قذفت بحممها، فهذه الأبناء والأحفاد تتحارب وتتطاحن، وهذه الأتراك تعرض على المتحاربين  العون، هذا صاحب قشتالة يحتل  ممالئة للعدو، ويفتى فيها بالقتل. وهؤلاء الصلحاء تضطرب في هذا الهرج والمرج، فتتهم مرة بأنها الذين يتوسم فيهم الناس خير يشمرون عن ساعدهم. فيلم كل منهم حوله من يدفع العدو عن بلادهم. وهؤلاء الطامحون وقد تظاهروا بالجهاد فاجتمع الناس حولهم ثم طلبوا الملك فملكوا، وكان بينهم ما بين الملوك من حروب. وهذا الشعب المسكين خائف، جائع عار حائر، فإن، يشخص ببصره إلى من نقذه فلا يجد إلا الأمواج المتلاطمة والنيران  المندلعة، لقد خيبت ظنونه الأيام وصدمته الحوادث بالمحن. فها هو يتهافت على من يؤمل فيه الخلاص هؤلاء أولاد المنصور وأبناء عمه وأحفاده المتنازعون، على هذا يكون المنقذ؟ ربما،  ولكن هو هو قد فر أو سقط في الميدان، فليكن خصمه! وهكذا... وهاهو الدلائي وأبو الحسن السوسي وأبو محلي ويحيي الحاجي والعياشي وغيرهم كل هؤلاء  لهم أطماع، وكلهم أدعى لنفسه الملك ولقي من بايعه فملكه. فكانت الفوضى ضاربة الأطناب وخرت الدولة السيئة الحظ تحت أقدام أهل الدلاء.

أهل الدلاء والدولة الشريفة
فضل هذه الزاوية لم ينكره التاريخ فلقد لعبت هذه الزاوية دورا هاما في حركة التعليم بالخصوص، على حين أن كانت سوق العلم كاسدة أيام السعديين، ولكن نشاطها لم يقف عند هذا الحد بل تعدى النشاط السياسي. وربما تكون هذه الزاوية  معذورة في هذا التعدي للظروف الآنفة الذكر، لكن هذا يهمنا الآن. والمهم أنها جابهن الدولة السعدية في آخر أيامها وناصبتها العداء كغيرها، وبارزتها فانتصرت عليها واستولت على ما كان في يدها، وهناك كانت دولتنا الفتية في مستهل ميلادها..
هذه العائلة الشريفة لم يكن أول ظهورها في معترك المجد في هذه الأيام، بل كان ذلك أيام المرينيين حيث ضعفوا ضربات البرتغال القاسية، فاحتسب حياته المولى علي، المعروف بالشريف، وجاهد في سبيل الله. ولم يقف عند الجهاد بلاده بل توجه إلى الأندلس فكانت له مواقف حاسمة، ثم رجع إلى وطنه سجلماسة فكاتبه أهل غرناطة يستنجدونه برسائلهم وقصائدهم وزادوا على ذلك أن وعدوه بالمبايعة والتزام الطاعة الملك.
ولكنه زهد في ملكهم. كما زهد في أهل فاس- وقد سبق له أن عاش بين ظهرانهم- حينما وعدوه بتوليته عليهم!..
ظلت هذه العائلة مرموقة في وطنها سجلماسة، وكانت الدولة السعدية تتقرب إليها على رأسها أبو العباس أحمد المنصور، ولكنها لم تأبه لهذا التقرب.
 ومهما يكن فإن هذه العائلة كانت موفورة الجانب معظمة من أهل سجلماسة، وألفي في روعها أنها ستملك حينما كان جدها المولى علي بن يوسف ابن علي الشريف السابق في حياة أبيه قد مسح ظهره، وهو طفل، بعض الصلحاء وقال لأصحابه: ماذا يخرج من هذا الظهر من الملوك والسلاطين?..
كان بدء الظهور أن حصلت بين هذه العائلة وبين أهل تابو عصامت عداوة، فاستصرخ الشريف بأبي الحسن السوسي واستصرخ أهل تابو عصامت بأهل الزاوية الدلائية وذلك سنة 1043. وما أدرك أهل تابو عصامت ما بين الشريف وأبي الحسن السوسي من صداقة حتى انحازوا إلى أبي الحسن وتوددوا إليه سعيا في إفساد ما بينه وبين الشريف. وأخيرا نجحوا في مسعاهم ففسد ما بينهما، ولم يكن من أبنه المولى محمد إلا أن حكم السيف في رقابهم، وكان هذا أول تحقيق لما قاله الحسني، وآمن به الشريف فقر بما فعله أبنه عينا.
ولكن أبا الحسن احتال على الشريف حتى قبض عليه وحمله إلى السواس معتقلا، ففداه ابنه بمال كثير وأطلق سراحه.
ومن ثم ضاعف ما كانت عنده من عزيمة واستمال الناس إليه واستغل ما كانوا يحسونه من ظلم عمال أبي الحسن فيهم، فثار بهم في سجلماسة، وأخرج أبي الحسن فبايعه أهلها ملكا عليهم سنة 1.056. ثم صمم على أخذ درعة فانتزعها من يد  أبي الحسن، فعظم أمره وشاع ذكره. ولم يكن من أهل فاس إلا أن كاتبوه طالبين مجيئه إليهم ومبايعين له بالملك، كما فعل عرب المغرب. فأقبل حتى دخل ( فاس الجديد) متسلخ جمادى الثانية سنة 1.059 فبايعه أهل فاس الجديد والقديم. ظل هناك إلى أن التحم به أهل الدلاء فجلوه عن فاس وتوجه إلى وطنه سجلماسة وبقي في ملكه مقتصرا عليها وعللا درعة. إلى أن ثار عليه أخوه المولى الرشيد، وانتهى القتال بينهما بقتل المولى محمد تاسع محرم سنة 1.075 وتولية المولى الرشيد.
ولما ولي المولى الرشيد كان كأخيه ذا همة عالية فلم يرض لنفسه أن يجتزئ بسجلماسة ودرعة.
وتوجه إلى تازا فاقتحمها ثم إلى فاس وكانت إذ ذاك قد  اقتسمها الثوار، ففي كل ناحية منها قائم وصالح، فكان ابن الصغير حامي الأندلس ومن انضاف إليهم وكان أمر فاس الجديد في يد رجل يدعي بالدريدي، فاستولى عليها المولى الرشيد في ذب الحجة سنة 1.076.
هناك رأى أن يضرب ضربته القاضية على أهل الدلاء ثم على الشبانة الذين كان لهم شأن أيضا كما كان لغيرهم مما سبق، فبدأ بأهل الدلاء فكسر دلوهم، ثم ثنى بالشبانة أصحاب مراكش فانتزع منهم مدينتهم ومن هناك توجه إلى سوس وتوغل فيه فتم له بذلك تمهيد المغرب أو كاد، وتوفي رحمه الله في الحادي عشر من ذي الحجة سنة 1.082.
ثم بويع أخوه المولى إسماعيل وهو بفاس واليا عليه فنهض بأعباء الدولة وعد المؤسس الحقيقي لها حيث ضبط الأمور وقضى على محاربيه وخضد شوكة  الثوار وأخمد أنفاس من حدثته نفسه بالخروج عن رقبة الطاعة، فدأن له المغرب كله واتسعت رقعته  حتى تخوم السودان، وأرجع المهدية والعرائش وأصيلا  وطنجة إلى حظيرة المملكة المغربية.
وبالجملة فالمولى إسماعيل ومآثره تصافحك بها هذه الدولة الشريفة أول ما به تصافح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here