islamaumaroc

حول قضية التعريب

  دعوة الحق

150 العدد

لقد وصف القرن التاسع عشر حقا بأنه قرن الاستعمار الحديث حيث نزحت خلاله طائفة من الدول المتقدمة ماليا و تكنولوجيا إلى الاستحواذ على مناطق شاسعة، و مدت نفوذها على إمبراطوريات واسعة أملا في ضمان مورد لها لا ينضب من المواد الخام، و إيجاد منافذ تتحركها لتصريف إنتاجها الصناعي، تلك هي الدوافع الحقيقية التي حملت الدول المصنعة الآنفة الذكر على تسليط نفوذها على هذه الشعوب الضعيفة، و أن كانت تعلن في الظاهر أنة الذي دفعها إلى مد يدها لتلك المناطق إنما هو رغبتها في مساعدتها على النهوض بأعبائها و العمل على تمدينها و تحضيرها.
ومهما يكن الأمر فقد امتد العمر بالاستعمار خلال العهود الأولى من القرن الحالي، و كان المغرب من بين البلاد الحرة التي ابتلت بإزاء هذا النوع من الاستغلال منذ عام 1912 حتى إزاحته عن كاهلها بعد كفاح مرير، و استشهاد و صبر كان يضرب الأمثال لأمم المومنة بكيانها و كرامتها، و ذلك عام 1956 بقيادة المغفور له الزعيم الأكبر جلالة الملك محمد الخامس ـ قدس الله ثراه، و جهل الجنة مثواه.
ومن منطق الأمور ـ والاستعمار يتقن المنطق و يعرف أين و كيف يستعمله ـ أن يعمل جاهدا على تثبيت أقدامه حيث يحل، و من سبله إلى ذلك أن يحرم أهل البلاد المغلوبة على أمرها من تكوين الإطارات وخاصة منها ما كان فنيا، و أن يجعلهم يستشعرون الحاجة إليه و يطلبون معونته في أخص شؤون معاشهم و هما منه بأن في ذلك ما يوهن العزائم و يضعف الهمم في مناهضته.
كما يعمد الاستعمار في هذا السبيل إلى الغزو الثقافي يدعم به السيطرة السياسية و الاقتصادية، و غايته من ذلك أن يلون الأفكار و العقائد، و ينحرف بالعواطف و الاتجاهات حتى يحقق له في بلاد المنكوبة به قدما راسخا بواسطة التغلغل في عقول الناس و أفكارهم و قلوبهم.
وهكذا ترد الشعوب المستعمرة إلى حالة الأتكال المادي و الروحي بحيث يصعب عليها بمرور الوقت أن تخلص نفسها من هذه الشبكة الخبيثة التي أحكمت حلقاتها بدقة متناهية.
وكان المغرب حتى أوائل القرن العشرين بلدا جرا مستقلا، لم تدنسه أيدي الغاصبين، بحيث استعصت قناته على الغزاة و الطامعين كيفما كان مشربهم، و كانت عروبته و تزال بفضل الله و القائمين بأمره من سلالة هذه الدولة العلوية نقية أصيلة في شكلها و جوهرها حتى راحت تؤثر في غيرها قبل أن تتأثر بما حوله من الشعوب.فلم يجد المستعمر ـ وقد دانت له بلادنا بصورة مؤقتة ـ إلا أن يشفع ذلك بالسيطرة الثقافية، يحاول بذلك أن يطمس تراثا اجتماعيا عربيا عميق الجذور،هو جماع جوهر المغرب روحا و ترابا، فيحل محله ثقافة أجنبية، يفرضها بخيله و رجله، ثم يذهب به الوهم إلى أنه بذلك سيفلح في تغيير النفوس من داخلها و أعماقها.

إن القضية المنطقية الأولى التي يجب أن لا تعزب عن الأذهان هي أن المغرب بلد عربي مسلم و لا يمكن أن يكون غير عربي مسلم، و من ثم فمن المحترم الذي لا فكاك منه أن لا يستقيم أمره إلا على النهج العربي الأصيل.

من هذا كله يبدو أن التعريب مشكلة نشأت وترعرعت خلال نصف قرن من الزمان، وهي وقت عينه مشكلة الساعة التي لا مناص من مواجهتها في حزم باتر و ابتكار يفضي بنا إلى حلول في هذا الميدان متينة على أسس سليمة متينة.
هذه الوثيقة التي أخذها على أنفسنا تحريرها حول قضية التعريب يمكن اعتبارها عرضا موضوعيا للحلول المقترحة في الموضوع سواء ما كان منها يوحي بالتعريب الشامل الناجز أو التعريب الجزئي في مضمار التعليم، و ستذكر في السياق الحجج المؤيدة، والمفندة لكل من هذه الحلول، ثم نردف ذلك برأينا مشفوعا بمختلف الوسائل و الأدوات المعينة على تحقيق الحل المجدي،و لنختم الآن هذا القسم التصديري من وثيقتنا هذه بموجز للدوافع التي تحتم التعريب بصورة طبيعية تراثنا القومي وأوضاعنا كمجتمع عربي له كيانه ووجوده،وله ماضيه و مفاخره، وله كرامته وعزته، ثم إنه ضرورة محتومة لمواجهة هذا الإقبال المنقطع النظير على التعليم في هذا العهد الحسني الزاهر، مع الاقتناع باستحالة مواجهة هذا الإقبال من الدارسين والمتعلمين اعتمادا على  الأساتذة الأجانب وحدهم، لأسباب كثيرة ليس هذا مقام شرحها والتعليق عليها.وهو ضرورة محتومة وخاصة في التعليم الابتدائي الذي نرمي إلى تكوين المواطن العارف بلاده المخلص لها،والواقع أن جميع البلاد الحرة تأبى أن تجعل هذا التعليم الشعبي ذا الأثر البعيد في إرساء قواعد وطنية أبنائها و قوميتهم نهبا لمؤثرات ثقافية دخيلة،ذلك أنه تعليم يجب أن يكون و أن يبقى بالنسبة لنا عربيا مغربيا خالصا لا تشوبه شائبة، و ليس أدعى إلى الدهشة و العجب من أن تترك البلاد ناشئتها ـ كما يلاحظ ذلك في بعض البلدان الأخرى ، عرضة لتوجيه أجنبي يتولاه غرباء يعملون على تشكيل طبائع المواطنين الصغار فيها على نحو لا يتفق مع أصول تلك البلاد الثقافية وروح مجتمعها و آمالها في الحاضر و لا مستقبل.
وبعد، ما هي يا ترى أنواع التعريب الذي لا يزال موضوع نقاش وأخذ ورد فيما يرجع إلى الصورة التي يجب أن يكون عليها؟ يقسم المختصون و ذوو المعرفة في هذا الميدان مسألة التعريب إلى قسمين اثنين: تعريب جرئي و تعريب شامل، إلا أن الذين لا يقنعون بهذا النوع أو ذاك يردقون هذا التقسيم بنوع ثالث يقطعون عليه اسم التكوين المزدوج، فلتمعن النظر في كل من هذه الحلول لنرى ما لها من مزايا وما تجره وراءها من عيوب و مساوئ،و ذلك بعقلية مجردة، لا تحزب فيها و لا تحامل على طائفة دون أخرى ممن يميلون إلى هذا اللون أو ذاك من التعريب.فأما التعريب الجزئي، فيقصد بد ذلك التعريب الذي يعطي النصيب الأوفر من ساعات الدراسة للغة الأجنبية على حساب لغة البلاد التي تقنع من مجموع نصاب الدراسة بالقدر  القليل،و الواقع أنه لا زال التعليم في بعض البلدان الإفريقية حتى الآن يأخذ بهذا النوع من التعريب. و لمؤيدي هذا النوع من التعريب حججهم في تحبيده و الإشادة بمنافعه: من ذلك قولهم بأن تعليما هذا نهجه يفتح أمام المواطنين آفاقا للاطلاع على النتائج الثقافي الأجنبي الذي ما كانوا يتعرفوا عليه لو أنهم كانوا يجهلون اللغة الأجنبية التي أبقوا عليها. ومن الحجج التي يعتمدها أصحاب هذا الرأي قولهم ينقص الإطارات الفنية المهيأة تهيئا كافيا لتدريس المواد العلمية باللغة العربية، و منها أيضا افتقاد العربية للمصطلحات و التعبيرات العلمية الدقيقة الدالة على مقومات العلوم الحديثة و مظاهر الحضارة المتقدمة.
ويقول معارضو هذا الضرب من التعريب أن فيه حكما جائزا على اللغة العربية بالعقم و الجهود، كما أن فيه حكما باتا على العربية بأن تبقى على حالها الذي تصوره عليها من لا يؤمنون إيمانا بحيويتها و قابليتها للتطور و النمو، و معنى ذلك أن يبطل الاجتهاد، و يتوقف نمو العربية و يسود اليأس و يحكم على لساننا القومي بالعدم. هذا فضلا عن أن الصغير الذي يشب وقد تكون عقله و قلبه بلون ثقافة أجنبية ينزع إلى الالتصاق بها، و الاعتزاز بلغتها، و الاستهانة بلغة آبائه و جدوده، فيقرأ ما يراد له أن يقرأ من نتاجها وأدبها و علمها، و ينحرف كما يراد له  أن ينحرف عن جادة السلف، ثم يفقد ثقته و إيمانه بماضيه، و يزج ينفسه في مضمار ثقافة هو عنها بالأصل والعقل غريب ملفوظ، و عندئذ تكون النتيجة الحتمية امتدادا الحياة بجيل بل أجيال في هذا البلد الذي اختار هذا اللون من الثقافة و الاتجاه لا يشعرون بشعور أبناء وطنهم، و لا يؤمنون الإيمان الكافي القوي بماضي هذا الوطن و أمجاده ووجوده المتميز،وعند ذلك بحدث التفكك الاجتماعي و يفتقد التضامن الروحي و المشارب و الآمال و الأماني، و كل ذلك لا بد أن يحق ضرره بمجموع كيان الوطن الذي بفضل استعمال اللغة الأجنبية على لغته الأصيلة.
أما التعريب الشامل وهو النموذج الذي تصطفيه لبلادنا فقد تم بالفعل في بعض البلدان العربية التي توصلت بعد الجهد والعناء إلى تعريب مؤسساتها التعليمية جميعها بما في ذلك الابتدائية والثانوية وحتى العالية،  بعد أن كانت اللغة الأجنبية هي لغة التعليم في الثانوي و العالي على الأقل، أما عندنا فلا يزال التعليم الثانوي الرسمي بفرنسا و المعتقد أن تعريبه سينعقد بمر السنين إذا ما بقي على ما هو  عليه، بل سيصبح من المستحيل تحويل التدريس فيه إلى اللغة العربية إذا لم تؤخذ الاحتياطات اللازمة من الآن لإعداد الأطر المعربة بصورة تبعث على الاطمئنان.وقد سبق لنا أن أشرنا بتفصيل ـ إلى غير هذا المكان ـ إلى السبل التي يتحتم إتباعها رغبة في الوصول إلى تعريب موفق شامل يتصل مفعوله بالمجتمع والإدارة و المؤسسات التعليمية ابتداء من لغة عربية خصبة حية متطورة لا تفنى و لا تزاول.
و السؤال الذي يتبادر إلى الدهن، قبل كل شيء، هل هو من الخبر أن نطبق عندنا كما وقع ذلك عند غيرنا هذا النوع من التعريب المعروف بالتعريب الشامل؟ قد تم تعريبه وأعطى المشرفون عليه الدليل على أن اللغة العربية كسائر اللغات الحية أداة طبعة صالحة لتلقين الصغار جميع ما تحتويه برامج المدارس الابتدائية من علوم و فنون مختلفة.
كان علينا وقد آلت مقاديرنا إلى أيدينا، أن ننظر في ميراث العقود الخمسة السابقة، و أن ندير شأنها بما تحتويه الحلول المنطقية لمشكلاتنا ونصب أعييننا على أصولنا التي لم تهن و لم تضعف رغم مقاومة الجاحدين، بل بقيت على سلامة  جوهرها الثمين. ولذلك استطعنا أن نحق في كل الميادين ـ و في ميدان التربية و التعليم على الأخص ـ اقتضت من بلاد أخرى لها ما لنا من الأوضاع عشرات السنين. و صرنا نزيل شيئا ما علق بشخصيتنا من عناصر دخيلة باعتبارنا بلدا عربيا إسلاميا، هذا مع الإقرار بأننا نقدر حق قدرها ضرورة دراسة اللغات الأجنبية و حتى اللغات الميتة كاللاتينية و اليونانية و غيرهما. و قد يبدو لأول وهلة أتن مشكلة الثقافة الدخيلة يمكن أن تزول بعصا سحرية بين عشية و ضحاها و لكن الأمر أعقد من أن ينجز بواسطة قرارات متيسرة أو أحكام متعجلة.

و الواقع أن الذين يريدون إرهاق قوى الأحداث بإرغامهم على الأخذ بلغتين اثنتين خاصة في السنوات الأولى من حياتهم إنما يثقلون كاهلهم بدون جدوى، ذلك أن عقل الصغير الدائب على حب الاستطلاع والتعرف على الأشياء بدافع فطري يعتريه لا محالة الأشياء أو المفاهيم الأخرى المتصلة بها، و يترتب  على هذا التعدد اضطراب في التفكير و تدخل في المعاني و غموض في الفهم و الإدراك، و بالتالي فلا يستطيع الطفل، و قد توزعت قواه، أن يجيد لغة الغير أن هو أخلص في تحصيلها.
أما الازدواجية التي يفكر فيها بعضهم كحل وسط لمعالجة مشاكلنا اللغوية،فقد تصح بالنسبة لشعب صغير أو ضعيف و في نطاق محدود كما وقع ذلك بالنسبة إلينا في عهود الاستعمار الماضية. يضاف إلى ذلك" أن الأبحاث النفسية و الغوية دلت كلها على أن الولد الذي يزاول أكثر من لغته القومية وهو دون العاشرة، تضعف طاقته الاستيعابية فتتفرقط قواه، و لا يعود قادرا على حصرها، ذلك أنه يتأرجح بين لغتين، ولغة الأم لا تقبل ضرة تحت  سقف بيتها ـ واحدة يتكامل بصورة تلقائية، وواحدة يتكلمها بجهد في اللسان والفكر مما يضيع عليه وقتا كبيرا، و يجعله يتذبذب بينهما... و هكذا يتوزع الولد بين أمتين، بين تاريخين بين عبقريتين، إذ لكل إنسان عبقرية خاصة".
 و بناء على ما تقدم فلا يمكن أو ينتظر من طفل عربي مثلا أن يجيد تحصيل لغة أجنبية حتى يصبح كأهلها في طلاقتهم، إنما يستطيع ـ و هذا المقصود من تعلمها ـ أن يكون على دراية كافية بها، تؤهله لأن يجني خير ثمارها بما تمكنه معرفة تلك اللغة من الاطلاع على ما يرغب فيه من علومها وفنونها وآدابها لمصلحة قومه و بلاده ونفسه بل و لفائدة لسان بلده ذاته، أما أن يحلم في أن يصبح ذات يوم من الكتاب العباقرة في تلك اللغة الأجنبية أو مفكيرها فذلك ما لا يتأتى أبدا كما تلد على ذلك البراهين العقلية والمنطقية و النفسانية في كثير من بقاع الأرض.
ولا يخطرن على بال أحد أن الكنديين الذين يتكلمون ـ كما هو معروف ، الفرنسية و الإنكليزية أو السويسريين الذين يستعملون ثلاث لغات هي الفرنسية و الإيطالية و الألمانية و لا سكان منطقية الألزاس بفرنسا، و هم يتكلمون معا الفرنسية و الألمانية و يمكن اعتبارهم دليلا على أن في استطاعة المرء أن يلم إلماما كاملا بأكثر من لغة واحدة، ذلك أن الذين يتتبعون بالدرس النزيه الوضع الغوي في هذه  البلدان كلها يرون بكامل الوضوح أنه بالنسبة لكل محيط  لا بد أن تكون الغلبة للغة معينة على أخرى، فالكندي مثلا الذي يتحدث الإنكليزية بطلاقة في منطقته الخاصة يستطيع كذلك أن يتكلم اللغة الفرنسية بصورة عابرة فقط، لكنه لا يمكن أن يلك بها إلماما من يمكنه أن يكون من كتابها المرموقين، و ما قيل في الكنديين يقال في سكان سويسرا، بمعنى أنه لا بد في كل من مناطقها من طغيان لغة معينة على اللغتين الأخريين: فالمنطقة المجاورة لإيطاليا يتحدث أهلها الإيطالية بصورة فائقة و يستطيعون مع ذلك استخدام الفرنسية والألمانية في مقالاتهم اليومية دون ما يطمعون في أن يكون لهم شأو بعيد في أي منهما، كما أن سكان الألزاس يستعملون الألمانية و الفرنسية على حد سواء في التعبير عن شعورهم و أفكارهم و ما يتصل بحياتهم اليومية بصفة عامة لا تعطى الأفضلية للغة على  أخرى. و هو دليل على صحة مل قيل من أن وجود لغتين أو أكثر تتقاسم أفكار طائفة من الناس و شعورهم هو عدم تفوق هؤلاء جميعا في لغة واحدة، و أكبر دليل على ذلك هو أنه لا جد كاتبا عبقريا واحدا يمكن أن ينتسب إلى إحدى هذه المناطق التي يتكلم أهلا لغتين أو أكثر. و من أجل هذا كله ينبغي معالجة الوضع اللغوي المرتبك الذي يوجد عليه بلد ما من حيث وضعه اللغوي بكامل الاحتياط و التدبر حتى تزداد وضعية البلد المذكور من الوجهة اللغوية خطورة بالنسبة لما هو عليه.
وتزداد مشكلة التعقيد الناشئ عن الازدواج اللغوي حينما تضاف إلى اللغتين الأوليتين، اللغة الأصيلة واللغة المكتسبة، لغة ثالثة يتعلمها الطفل في الواقع و يغفل عنها أصحابها هذا الرأي، و نعني بها لغته الدارجة التي يحصلها في الدار و في  الشارع، و هي لغة تختلف قليلا أو كثيرا  عن لغته القومية الفصحى، و تختلف بالطبع أكثر من ذلك عن اللغة الأجنبية التي يطالب بتعلمها، فتصبح العقدة من تم أعصى و أعنى، و يبذل الطفل المسكين مجهودا كبيرا إذ يتكلم في سعيه الاختيار المعنى المناسب والملائم من وسط مجموعة من الألفاظ المضطربة في ذهنه. و ما أجدر أن يبدل هذا المجهود و يقضي ذلك الوقت في التفكير البناء الخلاق لا في التنقيب و البحث عن الألفاظ فيما اختزنته ذاكرته. ثم إن تعلم الطفل للغة أجنبية على قومه و أهله لا يعني في الحق و الواقع مجرد تحصيل مفردات و تعبيرات جديدة، بل إن وراء المفردات صبغا و تشكيلا عقليا ووجدانيا لمصلحة اللغة الجديدة و أهلها و ثقافتها وتاريخها،مما يتعارض مع الهدف المتوخى من تكوين المواطن الواعي المخاص في هذه المرحلة الأولى من التعليم. و الغريب أن الأجانب لا يكلفون أنفسهم عناء تعليم لغة غير لغة بلدهم إلا أن تكون لهم مصلحة في ذلك، و يكونوا قد وطدوا الطريق من قبل لإقرار لغتهم الأصيلة في العقول على أساس متين، ثم إن المدارس عموما تجعل اللغة الأجنبية في تلك البلاد اختيارية هذا بالنسبة للتعليم الثانوي طبعا. فيأخذ التلميذ منها طوعا ما يراه لنفسه و يراه أهله و بدع ما لا يريد، أما في المرحلة الابتدائية فلا يدور بخلدهم البتة أن يرهقوا أبنائهم تحت مجهود يؤدي بهم إلى تعلم لغتين اثنتين في آن  واحد، إلا ما كان في بعض الحالات النادرة و النادر لا حكم له كما  يقول الفقهاء.
وقد أثبت علماء الاجتماع اللغوي ظاهرة الصراع بين اللغات و خاصة إذا اجتمعت في صعيد واجد بين اللغات و خاصة إذا اجتمعت في صعيد واحد أو تجاوزت أو تيسرت لها أسباب الاتصال. و يقول المستشرق الشهير  الأستاذ ماسنيون Massignon في هذا الصدد أنه إذا وجدت لغتان في بلد ما، فلا بد من اضمحلال واحدة منهما يوما من  الأيام، و الحق أن الصراع في سبيل البقاء قانوني في التطور يصدق على كل الحالات.
و غني عن البيان أن الانتصار لا يتم إلا بعد أمد طويل لا يخرج المنتصر من معاركه على الحالة التي كان عليها من قبل، فاللغة التي يتم لها الغلب لا تخرج سليمة من هذا الصراع، مثلها كمثل أمة دخلت حربا ضروسا و خرجت منها منتصرة تجر وراءها ما تجر من آثار من جراء شدة الكفاح و عنف  المقاومة، و هكذا فإن طول احتكاك اللغة الأولى باللغة الأخرى يجعلها تتأثر بها في بعض مظاهرها وبخاصة في مفرداتها وأساليبها و حتى الألفاظ الأصيلة للغة الغائبة ينالها بعض التحريف في السنة  المحدثين من الناطقين بها، أن  المغاوبين لغويا، فتختلف بعض الاختلاف في أصواتها و دلالاتها و أساليب نطقها عن صورتها الأولى.

من كل ذلك ندرك ما يحدث بلغة بلد من البلدان و قومها من خطر يهددها إذ تهاون أهلها في المحافظة على لغتهم و صيانتها من الغزو الثقافي الذي قد تعلنه عليها اللغة الأخرى و يحاولوا القضاء عليها، معتمدين في  ذلك على يتمتع به الشعب المحظوظ من تقدم حضاري مرموق.
ومع ذلك كله فلا بد من أن نذكر للقارئ الكريم، في هذا المقام، أن المعارضين في التعريب الشامل  الناجز إنما يستندون إلى حجج أوردناها في الفقرات السابقة،و منها ما يتعلق بنقص الأعداد الكافي لمواجهة مطالب هذا الانقلاب الغوي نظرا لعدم توفرها على الإطارات اللازمة في الوقت الراهن والكتب المناسبة،ثم هناك تخوفات تتبعث من خشية هؤلاء المعارضين مما قد يجره هذا الانقلاب من قلقلة واضطراب لا يمكن مداركة نتائجه بالوسائل التي نتوفر عليها حاليا فضلا عن الخسارة الثقافية الكبرى التي سيترتب عن الانصراف دون روية عن ثقافة و حضارة عاليتين إلى تحقيق خطة التعريب في جميع مراحل التعليم من أجل دوافع عاطفية ينبغي إلا تخل  في الاعتبار كلما كانت مصالح الشعب في الميزان.
أما التكوين المزدوج الذي سبقت الإشارة إليه فيعتبر من طرف بعضهم محاولة للتعريب سابقة عن التعريب الشامل الذي عالجناه في الفقرة التي  انتهينا منها الآن، و يظهر أنه حل وسط يأخذ بكلا الرأيين ولا يدع لأحدهما أسبقية على الآخر، فهو يقرن الاهتمام بلغة البلاد باهتمام مماثل باللغة الأجنبية، و يسير على استحياء، تدفعه إلى ذلك الحاجة إلى اصطناع الروية و الحكمة و تجنب العجلة بغية مواجهة نصف قرن مضى ـ بالنسبة إلينا من التبعية اللغوية ـ بما ينبغي من الأناة و التدرج، لا سيما و أن الإطار الفني ينقصنا، و الكتاب العلمي يعوزنا، و اللغة ما زالت بحاجة إلى تطور و نهوض يؤهلها لمسايرة ركب الحضارة الراكض.. أما معارضو هذا النوع من  التعريب فيقولون بأنه يدعي حكمة زائفة، و يستند إلى مقدمات فاسدة و يفسح ـ و هو يدري أولا بري  ـ في عمر الغزو الثقافي الأجنبي، فيزيده رسوخا وتمتينا حتى تغزو إزالته صعبة أو مستحيلة، و يوهن من خطى البلاد نحو التعجيل بالتحرر الثقافي بدعوى الحكمة و الأناة من أجل سلامة الخطى...
على أن اللغة العربية ليست، و الحمد لله، قاصرة أو عميقة كما قدمنا، و لنا في حاضرها و تاريخها في العصور الوسطى خير دليل و أبلغه فلابد لها، و الحالة هذه، من أن تتبوأ في المجتمع المغربي المركز اللائق بها كلغة تخاطب تعليم و علم و فن و أدب، و لنا في تجربة كثير من البلاد العربية أسوة حسنة، فقد ننسى أحيانا أن تعريب  تعليمها من قاعدة إلى قمته بفضل ازدهار حركة الترجمة و التأليف فيها دفع إلى أن اللغة اصطنعت لها ألفاظا وتعابير عن طريق التعبير و الاشتقاق و الاستعارة مما زاد في ثورتها و ضمن لها أسباب الحياة و التطور مع  عجلة الحياة، و مما يجب التأكد منه هو أنه لن يكون للغة العربية هذا المصير في بلادنا حتى يقبل كافة المعلمين و الأساتذة على تدريس جميع المواد العلمية و الفنية بدون استثناء بواسطة اللغة العربية، مستفيدين من أعمال المجامع اللغوية و المراكز المهتمة باللسانيات. و لا شك أن هذه الألفاظ التي يعتمدها الأساتذة و المعلمون من تلك المجامع ستنصهر شيئا فشيئا في بوتقة الحياة العلمية، ثم تتكيف و تتبلور حتى تعود تعبر عن مفاهيم محددة واضحة نتيجة الضغط الذي يقع عليها بالطبع من طرف المجتمع متى كان هذا المجتمع مجتمعا صاعدا متطورا، و أغلب الظن أن الألفاظ الصالحة التي تأتي الذوق السليم لا بد أن تبقى و تروح و تحيا، أما الأخرى فإنها تذهب إلى بطون الكتب و المعاجم تستقر فيها حتى تكتب لها  الحياة مرة أخرى أو تذهب مع الرياح الأربع،" فأما الزبد فيذهب جفاء، و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".

عند هذا الحد من البحث يتأكد علينا أن نتساءل عن الوسائل الحقيقية التي يتعين على التكوين العربي السليم، و الجواب أن أولى هذه الوسائل وسائل نفسية، هي التي ترمي بالتأكيد إلى بعث الثقة وخاصاتهم على اختلاف مشاربهم و اتجاهاتهم، مع اليقين بأنها تحمل قابلة للتطور و ملاحقة الركب الحضاري في يسر.
لكن لكي نصل إلى هذا الحد من اليقين لا بد أن نشن حملة تعريبية في كل مكان، حملة شاملة تتصل بجميع الأوساط و الميادين، عن طريق المحاضرات و المناقشات و المناظرات في الأندية و المجتمعات والمحافل رسمية كانت أو غير رسمية. و لا بد مع ذلك من أن نزيد في تشجيع الجرائد والمجلات ومساعدتها على الظهور و الانتشار، كما أنه يجب أن نعمل على تنشيط حركة التأليف و الترجمة و النشر و الإعلام باللغة العربية في جميع مجالي الفن و العلم و الأدب، ذلك أن الثقة و الإيمان و اليقين حوافز تزيل الجبال، و نحن بحاجة إلى مثل ذلك للتغلب على  جملة من العقبات و العراقيل، بعضها وليد خيال سقيم لا يثبت أمام ذوي الهمم العالية.
فتستخير إذن بالله و لنقدم، دون وجل، معتمدين على من ثقتنا بيده، و على إيماننا و أنفسنا وماضينا وتراثنا و خيرة من سبقونا في هذا المضمار لتحقق نجاحا ملموسا تراه الأعين و تدركه العقول.
و هناك وسائل بشرية و مادية يتعين الاعتماد عليها قبل أن تكون واثقين من تحقيق عملية التعريب تعريبا صالحا لا غبار عليه، من ذلك ضرورة إعداد الإطارات الفنية من المعلمين والأساتذة الأكفاء و تزويد معاهدة التعليم في مختلف مراحلها، و أخصها بالذكر المرحلة الأولى، بالكتب المناسبة في كل علم وفن وأدب، و أن نوفر له الوسائل السمعية البصرية التي تتيح لمعلمين استثمار الدروس لفائدة التلاميذ.
وقد تضطر إلى أن نستخدم في كتبنا العربية بعض الألفاظ والتعبيرات المستعارة من لغات أجنبية، فليس يضيرها هذا شيئا كثيرا ما دامت تكتب و تشكل في صورة عربية خالصة. فالاستعارة كانت و ما زالت ظاهرة ملموسة في تفاعل اللغات الحية وليس فيها ما يشين.فقد أخذت العربية في العصور الوسطى عن الفارسية و الهندية و اليونانية و أخذت الإنكليزية عن الفرنسية و اللاتينية و الألمانية و هكذا.
وفي أثناء هذه العمليات يتعين على المختصين و اللغويين أن يضعوا القواميس و المعاجيم بناء على البحث و الاشتقاق و الاستعارة و التعريب بغية توحيد المصطلحات، فينظمون لنا المادة من جهة بينما تكون عمليتهم الأخرى، عملية التعريب، سائرة من جهة أخرى، ذلك أن الحياة دائرة لا تقف و لا تتلكأ ، دأب الحياة النشيطة العارمة. و ذلك معناه أيضا أنه لا سبيل إلى أن ننتظر حتى يتم وضع المعاجم المضبوطة و يتفق الرأي على المصطلح العربي السليم مائة بالمائة، فيتوقف الركب كله و تضعف الهمم. بل رب لفظة  أنعقد الرأي على سلامة أصولها اللغوية، تطلق بين الناس و ترسل في مجتمعاتهم و محافلهم، فتنفر منها الأذواق و يأباها الفهم و الذوق السليم، فلا تلبث أن تترك و تهمل و تصبح نسيا منسيا تحت رماد الإهمال، معنى ذلك أن يستمر الباحثون المتخصصون في اللغة من جانبهم بإخلاص و حماس، و أن يساوق ذلك نهضة تعريبية شاملة هادفة لا تتوقف، و بذلك ستعطي للغة العربية كسائر اللغات الحية المكان الذي يجب أن تحتله في جميع مرافق الحياة و علم و أدب و فن.

و مع ذلك فنحن مطمئنون على مستقبل اللغة العربية في كل بلد عربي و في بلدان المغرب العربي على الأخص و لا تخاف مزاحمتها من طرف أية لغة أو لهجة قد تلتقي معها على صعيد واحد، ما دمنا متشبثين بها، عاملين على استخدامها و نشرها باعتبارها أصدق سجل بتاريخ شعوبنا و أوضح معبر عن مظاهر حياتنا الاجتماعية و الاقتصادية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here