islamaumaroc

الحاج طرزان

  دعوة الحق

150 العدد

كان عريض المنكبين، يتوسطهما رأس كبير الحجم، تلتصق به أذنان كبيرتان مفرطحتان، يقوم في وسطه أنف أفطس، وعضلات مقتولة، أبرزها يدان يعتبرهما قبض وبسط ينضبطان  بخطوات رجلين لا تستطيع اليسرى منهما الخطو إلا إذا أذنت لها اليمنى، فتصعد من تأثير خطوهما جاذبية آلية نحو الرأس ليلتفت مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال وعند كل التفاتة من الالتفاتتين تبدو  نظرة  شرزاء من عينين سوداوين  تشوبهما  خضرة  بظلال من لون أزرق،  وترتفع حنحنة تارة تكون هادئة معتدلة وتارة أخرى تعلو وهي متطرفة ثائرة، وذلك في حالة ما إذا لم يلتفت الأنظار إلى السيد  بوشعيب  وهذا هو الاسم الأصلي، أما الآخر  فهو الذي صار علما له الغليان طرزان.
ورغم ما يبدو في معالم هذه الصورة مع إيحاء بالرعب والخوف. على أقل تقدير، فإن السيد بوشعيب كان على العكس من ذلك سمحا وديعا لطيفا بشوشا وهي صفات لا يتجرد عنها أو لا يتناساها إلا فغي حالة من حالات المعارك أو الطواريء.
والسيد طرزان من مواليد مدينة أزمور أو مدينة  مولاي بوشعيب الرداد- كما كان يطلب من الغير أن يسميها، نزح إلى مدينة الدار البيضاء في أواخر الثلاثينات، نزح إليها وهو يحمل سمات جسمانية نشاب يصلح لأن يكون ملاكما جيدا، وبالفعل فإن تلك السمات دفعته إلى اقتحام ميدان الملاكمة، فأخذ يجرب  حظه  فيه وسرعان ما أظهر نجابة بل ونبوغا في هذا النوع من الرياضة، ثم سرعان ما أخذ يقتحم حلبات الصراع في مباريات مع الملاكمين الصاعدين،  ثم سرعان ما أخذ تفوقه يزداد ويتسع وانتصاراته تتوالى على خصومه، وكانت الضربة القاضية هي القاضية في كل مباراة يجريها السيد بوشعيب طرزان، فكان مما لا بد منه بد أن يتردد اسمه كثيرا ويذيع في المدينة وعبر أحيائها المختلفة، وكان مما لابد منه بد أن يلتفت إليه الأنظار، بشجاعته  بل ويرغمها إرغاما، إلى  الالتفات إليه كلما مر يجي من الأحياء  وحصل الشرف لهذا الحي بمرور السيد طرزان في إحدى طرقاته أو دروبه، حتى أصبح العذارى، وهن يومئذ ماولن قيد الحجاب  يتسابقن إلى النوافذ ليظفرن بنظرة ولو من خلال شقوقها من هذا البطل العظيل والوسيم.
 وبمرور السنوات أخذت حالة السيد بوشعيب  تزداد في الرزق على قدر ما كانت يداه تزداد بسطة في توجيه الضربات القاضية لخصومه العديدين.
ولئن كانت المباريات التي كان يجريها حينا بعد حين تتأرجح من حيث ريعها بين حالتين من الصعود والهبوط، بتحكم من الرواد الزبناء فإن منازلة مع خصمه العتيد اليهودي" حاييم لا فوررس" كانت دائما تجري على مستوى يمكن تشبيهه بما يعار اليوم من أهمية لمباراة فرايزر وهو فمان ومحمد علي وغيرهم من أبطال الملاكمة اللامعين...
ولقد أبي مريدو " حاييم" هذا ومناصره ومحبوه من أبناء قومه إلا أن يضيفوا إلى اسم حاييم صفة" لا فورس" التي تعني ما تعنيه من وقة وشدة بأس.
والواقع أن " حاييم لا فوررسّ" كان بالفعل كتلة من لحم وعظام يصعب أي ملاكم ومهما بلغت درجاته في المهارة أن بزحزح صاحبها إلا أن السيد بوشعيب طرزان استطاع مرارا أن يزحزح" لافورس" ويتفوق عليه ولكن بإحصاء النقط فقط.
والفضل في ذلك- على حد تعبير السيد طرزان- يعود إلى " رضاة الوالدين" مع هذا التفوق  فإن بوشعيب ظل طموحا إلى ينتصر على " لا فورس" بالضربة القاضية، لا ليهزمه فقط،   ولكن ليثار لفلسطين، كما كان يحلو أن يعلق على ذلك، وكان السيد طرزان بوشعيب آراؤه في السياسة الخاصة، وهو لم يومن أبدا بهزيمة الألمان، كما أن من رايه أن هتلير ما يزال مختفيا في جزيرة واق واق، وهي جزيرة لا توجد إلا في خريطته هو التي توجد فيها القارات طبقا لما نسمعه من كتاب " بدائع الزهور في وقائع الدهور"، وأن عقد الحماية عقد مرور سرقوا  الطابع السلطاني ووقعوه، وبما أنني كنت  من الزبناء الأوفياء للمقهى الذي كان قد فتحه السيد طرزان بعد أن فتح الله عليه بواسطة لكماته القاضية، فقد لاحظت أنه متغيب عن المقهى ولمدة يومين، ولما سألت عنه قيل لي: أنه ذهب إلى رؤية الوالدين وزيارة مولاي بوشعيب الرداد قبل مقابلته الحاسمة خصمه العتيد حاييم لا فورس، وهي مقابلة كان يتطلع إلى أن ينتصر فيها عليه بالضربة القاضية ليحقق بذلك حلما طالما راوده وليقدم الدليل على تضامنه مع فلسطين.
وبهذه المناسبة جرى حوار فيما بين بعض  الزبناء مع أبناء حي " للا تاجة" وسكاته وكانت مائدة  الحوار تضم الفقيه المدني المؤذن والإمام والحزاب، والخياط السيد حسن، والسكليس إبراهيم وصاحب الامتياز في المقهى، أبا محمد، بتشديد الباء من فضلكم، وتناول الحوار موضوع المباراة الحاسمة، فأدلى كل برأيه، فالفقيه المدني كان يرى أن السيد طرزان تقف معه رضاة الوالدين وأنه لا  محالة منتصر، بينما يرى السيد حسن الخياط أن خصمه ثقيل الحجم يمكن أن ينبش عليه بالضربات،  إلا أنه من الصعوبة بمكان إسقاطه على الأرض بواسطة الضربة القاضية، أما نظرية إبراهيم السكليس،  فإنها كانت تتسم بنوع من تكنولوجية ذلك الوقت فالجسم ذو الحجم الكبير لا أهمية له، وإنما المهم هو الصنعة والدقة في تصويب الضربات.
ثم انتقل المحاورين إلى موضوع آخر كان هو موضوع " عيد العرش" ذلك أن الثلاثة ورابعهم السيد طرزان كانوا يؤلفون لجنة مكلفة بالتزيين وجمع. الاكتتابات اللازمة لذلك.
 وخلال أحاديثهم دخل المقهى المقدم " الرامي" وهو مقدم الحي الذي كان ينظر نظره متحفظة خصوصا وأنه كان من المقربين إلى الكومندار حاكم سيدي بوسمارة، فأمسكوا عن الكلام، وكأنما إدراكهم صباح شهر زاد،  فسكتوا عن الكلام  الغير المباح... وكان المقدم " الرامي"  يعلم هو أيضا موقف الجماعة فيه فلم يزد على أن تبادل معهم السلام، ثم استعجل أبا محمد بتحضير كأس من الشاي ليأخذه  ويعود  إلى مراكز المقاطعة.
 وكان من عادة السلطات الاستعمارية أن تكون نشيطة في مثل هذه المناسبة في استراق السمع ومحاولة استكشاف ما يجري من استعداد للاحتفال   بعيد العرش، إلا أن الوطنيين كانوا من جهتهم يضعون التراتيب في سرية تامة بحيث لا يعلم  تفاصيلها سوى المكلفين  الخصوصيين الذين كانوا يكونون في كل حي من الأحياء هيئة أركان حرب.
ومع أن الرفاق الثلاثة كانوا قد اتفقوا على معالم الخطة ووسائل تنفيذها فإن أمر البث فيها بصفة نهائية  كان يتوقف على تأشيرة الحاج طرزان وعليه فلابد من انتظار عودته.
وتشاء الصدف العجيبة أن يكون موعد مقابلة الحاج طرزان مع خصمه العتيد، في ليلة عيد العرش أي في ليلة السابع عشر من شهر نوفمبر.
وعاد الحاج طرزان بعد غيبته أسبوعا كاملا، عاد هو مزود من أخرة برضاة الوالدين، وببركة الولي الصالح بوشعيب الرداد، وعاد ليواجه المهتمين، ليقوم بدوره الواجب في القضيتين، فكان عليه إذن أن يستعد للعراك  في الحلبتين،  قضى صباح يومه في التدريب ثم رجع في المساء لتحضير اجتماع هيئة أركان  الحرب المكلفة بإعداد حفلة عيد العرش   في هذه المقاطعة، وما أن دخل الحاج  طرزان إلى مقهاه حتى لاح له ظل المقدم الرامي بقامته الفارعة وجبته البزيوية المخططة، وكان من عادة المقدم الرامي أن يرتجف كلما وقعت عيناه على الحاج طرزان، وكان أخشى ما يخشاه هو أن يضطر إلى مصافحته لأنه كان لا يسحب يداه من هذه المجاملة إلا  بعد أن تكون أصابعه قد التصقت مع بضعها ولكأنها خرجت من آلة ضاغطة بادر المقدم الرامي إلى إفشاء السلام بقوله:
- مساء الخير أعمي الحاج.
- مساء الخير يا عزرائيل.
- اتق الله يا عم الحاج.. أنا لست عزرائيل.
- أن لم تكن أنت هو فأنت ابنه.
- عزرائيل لا ابن له يا عمي الحاج.
- ومن أخبرك بذلك.
- هذا ما ورد في الحديث الشريف.
- اسكت قبحك الله أنت تعرف الحديث الشريف، أنت لا تعرف سوى حديث الكومندار.
- اتق الله يا عم الحاج.
- سنحتفل بعيد العرش في هذه المرة أيضا، وإن لم يعجب الكومندار الحال فليشرب البحر.
- اخفض صوتك يا عمي الحاج، فأولاد الحرام كثيرون والله العظيم.
-  يا عمي الحاج  إنني معكم بقلبي، وبودي أن أشارككم ولمن الله غالب!..
آه يا يباع؟  والله لا أثق بك.
- اتق الله يا عمي الحاج، الإسلام في القلب.
- قالوها قبلك، يا عمي الرامي.
هكذا انتهى هذا الحوار بين الحاج طرزان والمقدم وهو حوار تعودا عليه وعلى لهجته معا منذ سنوات، منذ أن فتح الحاج طرزان مقهاه وتولى الرامي وظيفة مقدم الحي.
وفي المساء انعقدت هيئة أركان الحرب، المكلفة بمهمة الإعداد والإشراف  على معالم الزينة بعيد العرش، قال الراوي وجرة خلالها حورا هذا مخلصه:
- الفقيه  المدني: دعيت اليوم بواسطة المقدم الرامي إلى مقابلة الكومندان، وهب الثلاثة الواحد  تلو الآخر ليقول: أنا كذلك وآخرون، وكان أول سؤال وجهه إلي هو: إلى أي حزب انتمي؟ فأجبته بأنني أنتمي  إلى حزب " سبح" وقد انتفض غاضبا وقال: كيف؟ أتسخر مني؟ فقلت جازما يا مسيو روسو هذا هو الواقع.
كيف لا تسخر مني وأنت تسمي حزبا لا أعرفه وأنا الخبير بأسماء الأحزاب السياسية كلها واتجاهاتها وزعمائها بل وخباياها، فهناك حزب الاستقلال، وحزب الشورى والاستقلال، وحزب  الوحدة، ولا يوجد حزب يحمل هذا الاسم الذي ذكرته  فقدم لي تفسيرا عن حزب " سبح" هذا.
- المسألة بسيطة يا مسيو الكومندار أنه حزب متكون مني ومن مجموعة من الفقهاء الذين يقومون بتلاوة القرآن صبحا وعشيا وفي يوم الجمعة من كل أسبوع، وبما أن القرآن يتكون من ستين حزبا فقد قررنا أن نطلق على هيئتنا اسم حزب " سبح" تمييزا لها عن هذه الأحزاب التي ذكرها السيد الكومندار، فهمت هذا يا سي عبد الله، والسيد عبد الله هذا كاتب في مركز المقاطعة وهو الذي يتولى القيام بدور الترجمان فيما بين الكومندار، والتفت  الكومندار إلى الترجمان السيد عبد الله وسأله هل  سمعت باسم هذا الحزب يا مسيو عبد الله.
-  لا أبدا، لم أسمع به إلا الآن.
-  إذن فسبحانه في قائمة الأحزاب، أما أنت يا هذا فإنني أعرف أنك " أحنش" إلا أنني سوف أظل لك بالمرصاد.
طيب، والآن فإنني أحذرك من قضية ما يمكن أن تقوم به من أعمال أن البعض من سكان هذا الحي يدعون التجار إلى الاحتفال بعيد العرش وعدم تعليق  الراية الفرنسية، إلى جانب الراية المغربية فحذار أن تكون من هؤلاء الدعاة المشوشين، هيا انصرف إلى حال سبيلك. والتفت الفقيه المدني إلى إبراهيم السكليس وقال: وأنت ماذا قال الكومندار؟ نفس السؤال إلا أنني صرحت له بحقيقة إنتمائي فاكتفى  بأن وجه إلي نفس التحذير، وأنت يا سي حسن؟ 
- نفس السؤال، أما عن إتنمائي فقد اكتفيت بالقول أنني مغربي.
- ثم جاء دور الحاج طرزان فارتسمت على وجهه ابتسامته المعهودة التي ألف الناس أن يتصورا فيها  أو تصور هي إليهم تعابير ساخرة، وقال بتؤدته المعهودة:
-  حتى أنا دعاني الكومندار إليه، إلا أنني لقنته درسا لا يسنله- وقد تلفظ الحاج طرزان هذه الجملة بفرنسية ملاكمة- فبعد ما أن وضع علي  نفس السؤال واجبته بأنني أنتمي إلى حزب الملاكمين ضحك وقال:
- أو تنكر كلما حال عيد العرش إلا كنت من السباقين إلى الاشراف على حفلات هذه المقاطعة؟ فقلت نعم: وما في ذلك؟
-  فقال: أولا تعلم أن عيد العرش هذا لم يعد  " فيجطة" وإنما أصبح مناسبة لتحدي السلطة العمومية؟
- قلت واية سلطة تعني، فالسلطة هي السلطان وممثلوه، فكيف يمكن أن تتحدى السلطة السلطان  وهي التي تسمح بالاحتفال بعيد العرش وتشارك فيه وفي كل سنة أراكم يا سيادة المراقب تطوفون على الحفلات بصحبة الباشا والخليفة والمحتسب والمقدم الرامي كذلك.
-  قال: ليس هذا ما أعنيه بالضبط، إنما  أعني أن هنالك مشاغبين، وأرجو ألا يكون من بينهم من يتخذون من هذه الحفلات مناسبة لإلقاء الخطب والتنديد بسلطات الحماية.
قلت أنا لم أسمع شيئا من هذا التنديد وكل ما  أسمعه هو أن الخطباء أن كانت هنالك خطب تمجد المغرب ودولة المغرب، وتطالب بسيادة الدولة المغربية فهذا هو الذي تسميه سيادتك تحديا؟
- قال: إنني لم أرسل في طلبك لا جري معك حوارا سياسيا وإنما لكي أنبهك وأحذرك إلى أن الرايات المغربية لا بد وأن تكون بجانبها الرايات الفرنسية، وبما أن لديك مقهى عموميا فإنني أتمنى ألا تخالف هذا الأمر الذي أصبح معه مضطرا إلى  اتخاذ التدابير اللازمة.
- قلت يا سيادة المراقب أريد أن أسألك سؤالا فهل تسمح؟
- فقال : " اليزي" أي تكلم، فقلت هل لفرنسا" درابوا" أعني راية، قال نعم: قلت هل ترفعونه  في عيدكم الوكني 14 جوبي، قال : أيه نعم، فقلت وهل ليزمكم أن ترفعوا رايتنا مع رايتكم؟.. قال: أنتم محميون، ونحن حماة لكم، فأنتم ملزمون برفع رايتنا، أما نحن فحماة أقوياء.
قلت يا سيادة المراقب أن القول ليس كل شيء خذني مثلا:  إنني ملاكم قوي صرعت أكثر من خصم بالضربات القاضية، وأحيانا يأتيني زكام بسيط  أو قرحة بسيطة، فلم أعد كما يسموني طرزان وإنما أصبح قزان، فقال دعنا من هذا كله وتدبر ما قلته لك عن الراية، هنا يمكنك أن تتصرف فقمت وانصرفت وخلال خروجي التقيت بالمقدم الرامي فتبعني وحياتي مسلما دون أن يمد يده لمصافحتي  خوفا على أصابعه، ثم قال لي: أنه مجرد تخويف.
فقلت: ومن أخبرك بأنني كنت موضوع تخويف، فقال أعرف ذلك بحكم  الحرفة، فقلت الله يعفو عليك منها حرفة يا سي الرامي.
والآن ما العمل؟.. فأجاب الثلاثة: ماريك أنت؟..
رأيي أن نزيد في التحدي ..
فانبرى صوت الفقيه المدني قائلا: إنني أرى يا سي بوشعيب أن تؤخذ الأمور بحكمة وحسن تدبير.. فما كان من الحاج طرزان إلا أن انتفض انتفاضة عبرت عن شدتها يد يمناه مقبوضة وقال:
- يا أيها الفقيه كلما تحدثنا معك في موضوع، إلا وأكثرت علينا من استعمال الحكمة وحسن التدبير؟ القوة القوة يا فقيه ولوج بيده اليمنى المنقبضة بصورة سرعان ما أطلقت لسان الفقيه بتلاوة  قل أعوذ برب الفلق. وبتداخل إبراهيم السكليس  فقال:  أن حسن التدبير يمكن أن يكون في بعض الظروف نوعا من سلاح القوة.
  أما حسن الخياط فكان رأيه يتلخص في  وجوب وضع خطة يقع الاتفاق عليها وعلى كيفية  تنفيذها؟ فعقب إبراهيم السكليس على ذلك بقوله: لدي خطة؟ فبادر الثلاثة: ما هي؟..
- سنتظاهر برفع الرايات الفرنسية على أبواب المتاجر والمقاهي، حتى إذا أقبل الليل تسللت جماعات يجري تنظيمها للقيام بهذه المهمة، في جوف الليل لزعها من جميع الأماكن.
- فقال الفقيه المدني: إنها حقا خطة إلا أنها تتطلب الحكمة والاتزان وحسن التدبير.. فانتفض الحاج طرزان مرة أخرى ويده اليمنى مقبوضة مرة أخرى وصاح في وجه الفقيه: أرجعت إلى قاموسك الفقهي؟ فرد الفقيه قائلا: أن الفيران قد استطاعت أن تخرب سد مأرب بالحكمة وحسن التدبير.
فرد الحاج طرزان بقوله: هذا زمن الرجال وليس هو الفيران كفانا تخريفا، يا فقيه، والتفت إلى إبراهيم وأين هي الجماعات إنها موجودة في ك لدرب، في كل حي، وكل ما تحتاج  إليه هو أن نتفق على كيفية التوزيع والتوقيت.
- وهل لديك برنامج معين في الموضوع، قالها الثلاثة بصوت واحد.
نعم: أن وافقتم على المبدأ فاتركوا لي أمر التنفيذ، ولن يكون إلا ما يسركم، فقال الحاج طرزان إنني أوافق وأتحمل المسؤولية باسمك يا ابراهيم، ثم التفت إلى الفقيه ابن المدني: هذا  هو حسن التدبير سوف تتسلل الجماعات لواذا إلى  الأحياء والدروب طبقا للخطة المرسومة وسيكون معها زراويط على سبيل الاحتياط، ولم الزراويط؟،  قالها الفقيه بن المدني بانفعال شديد، فرد عليه الحاج طرزان  بقوله: هنالك وقت للكوازيط وآخر  للوراويط، هل فهمت، ثم داعبه بضربة خفيفة على كتفه رفع الفقيه يده إليها ليتلمس مكانها، وتكلم إبراهيم السكليس: وما جد في الأمر في قضيتك ومباراتك مع حاييم لا فورس.
- الأمور تسير وستجري المقابلة مساء يوم 19 نوفمبر وإذا تحققت لي أمنية الضربة القاضية فإن هذا العيد سيتحول إلى عيدين، أليس  كذلك يا فقيه؟
أن لعلم الملاكمة أصله، وكل فن يعرفه أصحابه، وعلى كل حال عليك بحسن التدبير يا سي بوشعيب، بهذا، رد الفقيه، فعقب الحاج طرزان على ذلك قائلا: حسن التدبير، حسن التدبير، إلا تعرف غير هذه اللغة؟ ورفعت الجلسة، وما أن خرج الأربعة من غرفة صغيرة داخل المقهى حتى لاحظوا المقدم الرامي وهو يتظاهر بالتفرج على  الشارع بإحدى عينيه بينما تقوم  الأخرى بحراسة  باب الغرفة، وأمامه كوب من الشاي، ولكأنه في ذلك الوضع الذي صوره الشاعر العربي في قوله:
ينلم بإحدى مقلتيه ويتقي
بأخرى المنايا، فهو يقظان نائم
فما أن وقعت عيناه معا على الجماعة حتى بادر قائلا: مساء الخير يا سي بوشعيب، فرد الحاج طرزان: ببرود واقتضاب: " السلام على من اتبع الهدى، ثم دع بقية أفراد الجماعة وعاد إلى غرفة العجائب والأسرار، كما كان يسميها ، زبناء المقهى وروادوه.
وفي صباح سابع عشر من شهر إبريل تشكل موكب المراقب الكزمندار، للقيام بحركة تفتيشية في إحياء المدينة فلاحظ خلال جولته  أن بعض المتاجر لا تعلق سوى راية فرنسية واحدة  إلى جانب أربعة مغربية، فما كان منه إلا أن أخذ يساوم أصحابها على زيادة اثنتين أو واحدة على الأقل، وكانت النتيجة على حسن المتخاطبين، فمنهم من أذعن، ومنهم راوغ منهم من وعد خيرا، ولم  تنته  هذه الجولة إلا بعد غروب الشمس وحلول المساء.
وفي جوف ليل بهيم تتخلل ظلماته لمعات من نور ظل قمر يحاول الظهور على استحياء دب أفراد الجماعات المكلفين بنزع الراية الأجنبية وتزرعوا هنا وهناك متسللين زاحفين مارقين قافزين وكأنهم سرب من الغزلان يطاردها الصياد.
وفي خلال ساعات معدودات كانت العملية قد تمت كما رسمها عضو هيئة أركان الحرب إبراهيم.
وما أن صحت المدينة من نومها حتى كانت الرايات الحمراء الخضراء منصوبة وحدها ولكان الجان مر من هنا كما قيل، وكان من الطبيعي أن يتطاير الخبر إلى الكومندار، إلا أن اتخاذ إجراء  مغاير في غمرة الأفراح كان يشكل تدابيرا لا تحمد عواقبه بأي حال من الأحوال، فلم يكن بد من أن سرها المراقب في نفسه إلى أن يمر اليوم.
وبالفعل فإن سلسلة من بطاقات الاستدعاء قد وزعت في ذلك اليوم على عدد من الوطنيين.
وفي اليوم التاسع عشر كانت هناك مبارزتان يواجههما الحاج طرزان، واحدة مع حاييم لا فورس والأخرى مع المراقب.
وكان الترتيب الزمني يقضي بممارسة الأولى، ففي الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم توجه إلى مقر المقاطعة حيث وجد أكثر من عشرين شخصا واقفين وجميعهم كانوا على موعد الكومندار، وكان الحاج طرزان من السابقين الأولين لمقابلة المراقب، ودارت الأسئلة حول عملية " الثورة البيضاء" التي أطاحت بالرايات الفرنسية في الليلة السابقة، فكان  شعار  الجميع " قدم الميم ترتاح" يعني ما رأيت، ما نظرت، ما عملت،  ما عرفت  إلى آخر المترادفات، وسمح للمدعوين بالانصراف إلى أن يقع النظر في القضية من جديد، وانصرف الحاج طرزان إلى إعداد المبارزة الثانية، بأخذ قسط من الراحة  والاستجمام.. وفي المساء كانت المساق تلتف بالساق أمام سينما " مدينة" – بالميم المكسورة- من فضلكم، والأعناق تشرئب حو كوة بطاقات الدخول.
وحلت الساعة الحاسمة، قرعت الأجراس. وابتدأ الصراع داخل الحلية يحيط به جو صاخب من الصياح والهتاف، وجرت عملية جس النبض بتبادل الضربات فيما بين الخصمين، ثم اشتد وطيس المعركة في الشوطين الثالث والرابع، وفي الخامس أخذت رجلا حاييم لا فورس تزيغ زتزيغ وأخذ ذلك  الجسم الهائل يتمايل فتتمايل  معه أصوات المتفرجين،  وخلال لحظة خاطفة وبضربة من  اليمنى  أعقبتها اليسرى انبطبح حاييم لا فورس، وكأنه  ثور صرع بعد شدة هياج وأخذ حكم المباراة بعد الحساب: واحد  اثنان ثلاثة أربعة إلى أن  اتم العشرة، فلم يظهر على حاييم، أي أثر لبقية من الفورس وبادر الحاج طرزان  إلى رفع يده، وهو يردد: عاشت المغرب، عاشت فلسطين.
وخرج الحاج طرزان من الباب الخلفي للسينما متبعا بالهتافات، لقد حقق أمنيته الغالية بفضل رضاة الوالدين وبركات المولى بوشعيب الرداد.
وفي صباح اليوم التالي تلقى دعوة بالحضور أمام محكمة الباشا حيث وجهت إليه هو وخمسة عشر من أبناء الحي تهمة التشويش وعدم الإبلاغ وحكم عليه بثلاثة شهور حبسا  نافذة المفعول.
ودخل الحاج طرزان السجن رفقة أصحابه لقضاء  المدة المحكوم عليه بها، إلا أن وجوده في السجن، أثار العديد من المشاكل لإدارة السجن، ذلك أنه أصبح نقطة اتصال فيما بين سجن أغلبية وسجني  العاذر وعلي مومن وذلك بالإضافة إلى سلطته الواسعة على جميع السجناء.
لم يخرج  الحاج طرزان من السجن إلا بعد أن  كون عدة خلايا قامت  بدور طلائعي  إبان حركة المقاومة المسلحة.
قال الراوي: ومرت سنوات غابت عني خلالها أخبار الحاج طرزان ورفاقه وأخبار المدينة وأحياؤها.
وتشاء الصدف أن تجمعني فيما بعد بعد ذلك برفاق قدامى من حي سيدي بوسمارة ولما سألتهم عن أخبار الجماعة كان جوابهم لقد توفى الحاج طرزان بعد أن تصوف وتبتل، وتبعه حسن الخياط، بينما  الفقيه المدني ما يزال منخرطا في حزب " سبح" يؤذن  ويقيم الصلاة ويقرأ الحزب، وإبراهيم السكليس ما يزال في حرفته القديمة يصلح الدراجات. أما المقدم الرامي فقد توفي بسكتة قلبية كانت هي القاضية، وتلك الأيام تداول بين الناس.


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here