islamaumaroc

يحيى بن يوسف

  دعوة الحق

150 العدد

ذهبت نفسه حسرات على الأيام التي كان يرفع فيها كيس القمح بيد واحدة ويحمله إلى داخل المنزل، ويثير الرعب في أشد القلوب ثباتا، وأصلب النفوس عودا، ويقضي حياته في المشاكل وخوض حلبات المقاتلة والعراك.
أجل، لقد بات عمي مكوار أخيرا في أرذل العمر، وهو يجيب اليوم أجوبة مختلفة على كل سؤال يوجه إليه عن سنه، لأنه لا يعرف متى ولد، فقد أتى إلى هذه الدنيا في الأيام التي لم يكن يحسب  فيها للإنسان حساب، ولذلك كان ميلاد المرء لا يدعو إلى الاهتمام بحيث تستخرج به شهادة ميلاد، فإن عم مكوار يخال أنه في مثل قدم السماء والأرض، وأنه لا أول له لطول الزمن الذي قضاه في الحياة، وتبدو له أيام طفولته وشبابه وكهولته بعيدة، بعيدة لكثرة ما تراكم عليها من الأسابيع والشهور والأعوام، بل إنه لا يذكر مطالع شيخوخته فقد أصبحت هي أيضا بعيدة بعيدة...
وحينما تختفي قوة الإنسان الجثمانية لا يجد بدا من أن يستعيض عنها بقوة أخرى، وخصوصا إذا كانت أسباب العراك والخصام التي كانت تذهب في كثير من الأحيان إلى حد العناد والتحدي والاعتداء أيضا، أما القوة الماضية فكانت تتمثل في سخريته اللاذعة التي بات يستخدم فيها لسانه ووجهه وحركة كتفيه وذراعيه وبدنه جميعا.
قال عم مكوار لنفسه بعد أن تأمل ما آلت إليه أمور الحياة في مرارة ساخرة:
تالله إنها لفاجعة، أحفادي وأبناء أحفادي وربما أبناء أبنائهم يجرون في الشوارع كالأبالسة، لا يرهبون رصاصا ولا مدفعا ولا طائرة، والعم مكوار قابع هنا في بيته كأن لم يرفع يده بالأمس... ويقتحم عليه الجنود عقر دراه ليفتشوا غرفها ويتلفوا أثاثها ويفزعوا سكانها، والعم مكوار لا يأتي حراكا، وإنما يقلب عينيه بين الجنود وأسلحتهم ويتأمل ما هم فيه من جهد، فإذا علت وجهه بسمة ساخرة نظر إليه أحد الجنود شزرا فعاد العبوس إلى وجهه سريعا وهو أكثر سخرية من البسمة الزائلة...
إن في تلك الزوابع التي كانت تسير أمامه وفي أثره أجيالا قد تحولت إلى صوت خافت أبح ونظرات منطفئة، وخطوات متهالكة، وعزم كسيح.
فماذا بقي في الحياة مما يستطاب؟ شيء واحد، السخرية، فلولا السخرية وحدها لانقطعت أسبابه بأسباب الحياة، فقد استعاض عم مكوار بقوتها عن كل سلطان ونفوذ وقوة...
 فكيف يعمد الغلمان إلى قوة سواعدهم لمنازلة هؤلاء الغزاة الفاتحين، ولا ينازلهم هو بالقوة الباقية التي يعتز بها، ولما لم يسعفه الرد أخذ يتساءل: أليست هذه بلاده كما هي بلادهم؟ أليس هو أولى بالدفاع عنها منهم لأنه مدين لها بالحياة كل هذه الأدهر الطويلة، ثم أليس من الخجل أن يلزم عقر داره والمعركة دائرة على أشد ما تدور المعارك احتداما وقوة...؟

هذه هي الخواطر التي كانت تعتمل في صدر الشيخ وهو يغادر المنزل إلى الشارع بخطواته البطيئة الواهنة، ووقف عند الشارع مدة متوكئا على عصاه الطويلة وهو يخشى أن يسقط من فرط الوهن.
في هذه الأثناء مر به غلام يحمل سلة كبيرة فلم يتمالك الشيخ أن دعاه إليه حتى إذا ما اقترب خاطبه بصوته الخفيض:
- إلى أين أنت ذاهب يا غلام؟ ( فقد أصبح يهتم بكل حركات أفراد هذا الجيل الشيطاني الذي اعتاد أن يدعوهم بالأبالسة).
- إلى السجن يا جداه.
ولما كان كل عمل يأتيه هؤلاء الأفراد غير مفهوم لأول وهلة تساءل الشيخ في دهشة:
- تسعى إلى السجن على قدميك حاملا زادك ولا ريب؟
- بل أنه زاد أخي يا جداه، لقد سمحوا لنا اليوم لأول مرة منذ ستة أشهر بأن نحمل إليه طعاما، وأنت تعرف أن تناول طعام السجن وحده لمدة ستة أشهر مما يوهن العظم وينخر الشباب...
ففغر الشيخ فاه في سخرية من هذا الغلام الذي يتحدث عما يوهن العظم وينخر الشباب، وهو في ميعة الصبا... فهل تراه يزعم لنفسه أنه بلا ذات الشيخوخة...؟
ولم يتمهل الغلام وإنما تابع سيره في جذل ليحمل الطعام إلى أخيه السجين، ويراه لأول مرة منذ اعتقل في مسجد المدينة.
ذلك أن السلطة الفرنسية في المدينة المغربية الصغيرة قررت أخيرا أن تكون رحيمة.. وأن تسمح لعائلات المسجونين بزيارتهم بعد هذه المدة الطويلة، ولعل مما دعاها إلى ذلك اطراد فترة التوتر ورغبتها في عودة المياه إلى مجاريها بعد أن تم ما رمت إليه من إبعاد السلطان محمد بن يوسف من البلاد، فلن يكون غيرها الكاسب من وراء عودة الأشياء إلى طبيعتها فيسود الهدوء وتطمئن الأنفس، وينسى الرجل الكبير في منفاه.
قال الشيخ مخاطبا نفسه في إصرار وفضول:
بماذا يفضلني هذا الولد؟ أنا أيضا سأذهب إلى السجن، فلعل أن يكون من بين نزلائه شيخ في مثل سني لا أخ له سواي..
ولم يكن من اليسير على عم مكوار أن يصل إلى مكان السجن خارج المدينة بالرغم من أنه كان غير بعيد، ولكن عم مكوار إذا قرر شيئا فلا أحد يستطيع أن يصده عن قراره، بالرغم من الدبيب الذي طال، والتوقف الذي تعدد تمكن أخيرا من أن يقترب من السجن.
رأى هناك جمهورا غفيرا قد تجمع حول البوابة الحديدية الضخمة ذات القضبان الهائلة، ولما اقترب من الجمهور استطاع أن يتبين ساحة كبيرة من ورائها بوابة ضخمة أخرى، وبين البوابتين ازدحم الحراس والجنود.
اعتمد الرجل على عصاه وأخذ ينتظر مع الوقوف وقد سخر من معاملة الإنسان معاملة الحيوان، ولكنه تأثر بالرغم من سخريته، إن الحيوان يوضع في القفص لخطورة فتكه، أما هؤلاء المساكين فإنهم يوضعون في الأقفاص لشدة حبهم... إنهم يحبون بلادهم وملكهم، ولكن لا لزوم للتعجل وسنرى.
وفتح باب صغير وخرج منه ضابط مدجج بالسلاح وهو يأمر الناس بأن يصطفوا في طابور ويحملوا ما معهم من طعام تمهيدا لتقديمه إلى المسجونين بالدور، في الساحة التي تقع أمامهم، فاهتز العم مكوار اهتزازة خفيفة وهو يكتم ضحكة مريرة، وأخذ يسعى إلى مكانه من الطابور.
ثم أخذ يتتبع ما جرى بعين يقظة.
فرأى بالرغم من كلال بصره على الجانب الآخر من الساحة عند البوابة الأخرى جمهورا غفيرا آخر، فقال لنفسه إن وضعيتهما واحدة، فمن المعتقلون يا ترى نحن أو هم؟..
وواصل تتبعه للحوادث.
كان الرجل من الزوار عندما يأتي دوره يتقدم إلى الحارس الشرس ويهمس إليه باسم الشخص المطلوب إلى وسط الساحة فيتقدم إليه زائره ثم يحييه ويقدم إليه ما حمله من طعام، ثم بعد ذلك يعود كل واحد منهما إلى مكانه.
وكان الحراس الثلاثة يرفعون أصواتهم بالاسم عاليا في صلف وقوة حتى يذكروا الجانبين ببأسهم وطغيانهم.
وهنا خطرت لعم مكوار فكرة ارتج لها صدره بضحك مكتوم، حتى أن الناس التفتوا إليه في استغراب، فما عرفوا أن في مثل هذا المكان ما يدعو إلى الضحك، ولكن معظمهم عرفه فزال عنه الاستغراب.
ودلف الشيخ في الطابور، وهو يكظم ضحكه في جذل بالغ وكان جذله يزداد كلما ازدادت الأصوات المنادية بالأسماء ارتفاعا، وكان اطمئنانه يتضاعف كلما اقترب دوره.
عرف أنه مقدم على عمل خطير ولكن ظرافته والأثر الذي سوف يتركه ودقة إحكام خطته هونت من كل خطورة، وماذا عساهم فاعلون؟ يقتلونه؟ إنهم لن يستطيعوا بقضهم وقضيضهم أن يحرموه من أكثر من أسابيع أو شهور من كل ما بقي له في الحياة على وجه اليقين.
وتمكن في آخر الأمر من أن يسيطر على الضحك والوهن والانهيار، لكنه لم يتمكن من ذلك إلا قبل أن يأتيه دوره مباشرة.
تقدم إلى الحارس مطاطيء الرأس ذابل العينين واهن الأطراف، وهو يتوكأ على عصاه في جهد، ثم رفع وأخذ يضيق ما بين عينيه الذاويتين متفرسا في وجه الحارس، كأنه يتأمله دون أن ينبس، فساد الناس الوجوم وأخذوا يترقبون تصرفات الشيخ.
قال الحارس:
- هام، ما اسم السجين الذي تطلبه؟
فقال الشيخ بصوت خافت شديد البطء، وهو يفتعل ضعف الذاكرة.
- اسم الشخص الذي أطلبه..؟
-  نعم، ما اسمه؟
- أسرع أيها الشيخ فإن الوقت يضيق
وهناك امتعض الشيخ كأنه يستهجن نسيانه ثم أشرق وجهه بغتة كأنه تذكر، وأردف:
- تذكرت يا ولدي.
اسمه ...اسمه... يحيى بن يوسف.
- ما أسمه؟
- يحيى بن يوسف... يحيى بن يوسف... يا ولدي
فرفع الحارس الأول صوته بأعلى ما يستطيع، كما لو ينتقم من ضعف صوت الشيخ.
- يحيى بن يوسف!
ورد الثاني.. يحيى بن يوسف!
ورد الثالث:
يحيى بن يوسف!
وهنا شده حراس السجن، إذ لم يخرج من الصفوف السيد يحيى هذا، وإنما خرج منها شيء آخر أشبه بالرعد، وهو هتاف المساجين وهم يرددون على أثر صوت الحارس الثالث:
يحيى بن يوسف!
فرد الزوار برعد مماثل
يحيى بن يوسف!
وتعالت الأصوات من كل مكان، يحيى بن يوسف، فبهت الحراس دون أن يعرفوا ما يجب عليهم أن يعرفوه.
أما الشيخ فقد استغل الفوضى التي سادت الجموع على أثر تردد هذا الهتاف العظيم، فتسلل وهو يعتمد على عصاه الطويلة ودب دبيبا إلى المدينة، وكان يتوقف من آن لآخر ليرسل نفسه على سجيتها فينفجر بضحكك لم يتمتع بمثله صدره منذ زمن بعيد.
         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here