islamaumaroc

البعث الجديد…والميراث العتيد

  دعوة الحق

150 العدد

خواطر يمليها الواقع، وتنطق بها الأحداث من الإنصاف لحاضرنا ومستقبلنا أن تقول: مرت قرون وأحقاب نشأ فيها أجيال خاملون راكدون. لم يخلدوا أثر مجيدا، ولم يتركوا عملا حميدا، بل ولدوا أمواتا وذهبوا وكأنهم لم يشموا رائحة الوجود، وهذا الركود هو الروح الساري في الأعقاب، ويتوارثونه جيلا بعد جيل، حتى عصرنا الذي نعيش فيه.
وإذا ذكرنا العصور الذهبية التي نشط فيها المسلمون الأولون، وما قاموا به من عمل باهر، وما تركوا من أثر خالد- علماؤهم وأمراؤهم- لصعدنا الزفرات  الحسرات على تلك الأزمنة التي أشرقت بنور العلم، وازدهرت بتفكير الحكماء، وتدبير الأمراء...
فخلف من بعدهم حلف وقفوا على أعتاب القديم، وقالوا، حسبنا ما وجدنا من تراث نباهي  به الأمم، ونفخر به على مر الزمن، دون أن يعملوا عملا يبررون به استحقاقهم للحياة، وانتسابهم إلى بني الإنسان وكأنهم ما خلقوا ليعملوا، ولا وجدوا لينتجوا ثمرات تخلد أزمنتهم، وتحيي تاريخهم- فلو قلنا أن هذه القرون والأحقاب الماضية التي مرت بين زمن النهضة القديمة، وبين زمننا هذا- لم تكن إلا فترة أهل الكهف ولم يظهر فيها مسلمون  على مسرح هذه الحياة* لو قلنا ذلك- ما كنا  مغالين ولا مجحفين، ولم تتجاوز بنا أقلامنا في التعبير عين الحقيقة والواقع، لأن مسلمي تلك القرون لم يثمروا ولم يفيدوا الإنسانية شيئا،  بل كانوا يعيشون ليزرعوا ويأكلوا، وذلك مبلغ نشاطهم، وثمرات حياتهم، وإلا فأين ما خلدوه  من أمجاد ومآثر؟...
نعم كانت لبعضهم حياة فكرية، في الجدل العقيم، والنقاش السقيم في المذاهب الفقهية أو الكلامية، وبلغ التعصب لها أشده، وأسرفوا في ذلك إسرافا بعيدا، حتى كان منهم من لا يصلي وراء من يخالفه في مذهبه، ومنهم من لا يزوج ابنته لفلان، ومنهم من لا يقبل قضاء  فلان مثلا لأنه يخالفه في مذهبه. وهكذا بلغت بهم العصبية المذهبية حتى " اتسع الخرق على الراقع" أن صح التعبير- وكان لذلك أسوأ الأثر في المجتمع الإسلامي حيث احتكموا إلى القوانين الوضعية التي أصبحت نظاما معمولا به في القضاء  والتشريع والمعاملات.. وصادف اختلافهم هذا ما عانته الدولة الإسلامية من تصدع وانقسام " فزاد الطين بلة"..
وهكذا بدأت دولة الأشباح تدب على الأرض الإسلامية، وتنتقل في ربوعها بين الظل الظليل، والخضرة والسلسبيل، حتى أطل الاستعمار برأسه، وما لبث أن ركب أكتافهم، وجثم على صدروهم آمرا ناهيا، وابتعد المسلمون شيئا فشيئا عن دينهم، وغفلوا عن كتاب ربهم، وسنة نبيهم...
وإذا تتبعنا أخبار المسلمين في تلك العصور الكالحة السواد، الشديدة الظلمة فإننا لا نصدق أنهم أحفاد أولئكم الأبطال الميامين الذين محوا الكسروية الفارسية، والقيصرية الرومانية، بل  ونتردد في نسبتهم إليهم...
ولذا فإن تبعة هذا التخلف تقع على الجامدين الذين كانوا سبب ما ابتلي به المسلمون من تدهور وانحطاط، وما أصيبوا به من فقر وفاقة، ولا ريب أن تأخر الأمم يرجع إلى انحلال الروابط الاجتماعية وتدهور المثل الأخلاقية وتفشي الجهل والاستبداد.
والإسلام لا يرضى لأهله أن يعيشوا أذلاء متخلفين، ضعفاء محقورين، يلبسون شعار الدولة  والمهانة " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" فإذا وجدنا مسلمين ضعفاء عرفنا أنهم لم يقوموا بواجبهم المقدس نحو الإسلام كرسالة إنسانية سامية، وكنظام اجتماعي كامل " أن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم، قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن الأرض واسعة فتهاجروا فيها". وفي الحديث الشريف : " المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف".
فالذين عاشوا في القرون الماضية لم يكونوا خلفاء الله في الأرض، وكذلك لم يكونوا مسلمينبالمعنى الحقيقي الذي ينشده الإسلام ويدعو إليه... من الإجحاف أن نحمل الجيل المعاصر مسئولية التأخر والتخلف  وقد حمل على أكتافه تركة مثقلة بشتى المشكلات الفردية والجماعية، فنطلب غليه أن يقفز طفرة واحدة إلى القمر، لأن الجيل الذي دفعه إلى الحياة لم يؤهله للوثوب فقد كان خاملا راكدا..
نشأ هذا الجيل بين أمم خلافة تقذف بالآيات الكونية تثرى،  وبالمعجزات الفنية تتوالى حتى أدهشت العقول وحيرت الافهام، ولو ظهرت هذه المنشآت  في العصور الحجرية السالفة لفتنوا بها،  وانقلبوا على أعقابهم يقولون: أن هذا من عمل المردة والشياطين، ونسبته إلى بني الإنسان ضرب من الوهم والخيال وأنه لمن المستحيل أن ينتج العقل البشري هذه المخترعات التي ملأت السهل والجبل وغزت الأمم شرقا وغربا..
ومع هذا فإننا متفائلون بمستقبل زاخر بالآمال مليء بالتطورات التصاعدية للشعوب الإسلامية، إذا نرى في رحابها قوى ناشئة تتفاعل، وفي أرجائها طاقات فنية تتعاظم، ولذا فإن تطور المسلمين في القرن العشرين سيتقدم بهم إلى الإمام بخطى سريعة حتى يغير وجه التاريخ، ويصعد بالمجتمع الإسلامي إلى الغاية التي ينشدها..
ويساعدنا على هذا التفاؤل أن العقول قد تنبهت بعد أن كانت مغلفة وتفتحت البصائر بعد أن كانت مغلقة، وانطلقت حرية الفكر والرأي  والقول، وحرية العمل للرجل والمرأة على السواء، وأقبل  الجيل المعاصر ينهل من العلوم والمعارف ما يشاء، وأخذ يعالج المشكلات الموروثة، ويحل العقد المزمنة وبدا يعب دوره الإيجابي في رفع المستويات، والنهوض بالأفراد والجماعات لتتطور الشعوب الإسلامية، وتساير عصر المدنيات الحديثة، وتتمشى جنبا إلى جنب مع الدول الناهضة، وتحاول  التغلب  على متطلبات الزمن، ورغبات التجديد في العصر  الحديث..
ومن هنا يبدأ الإسلام في كتابة صفحات من التاريخ ناصعة البياض يبدد بها ظلام القرون السالفة، ولا يدحر الظلام إلا النور، ولا يمحو السواد إلا البياض.. وذلك ما نتمناه، وإنا لمنتظرون..
والليالي من الزمان حبالى
مثقلات يلدن كل عجيب

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here