islamaumaroc

السفير عبد الله بن عائشة -2-

  دعوة الحق

146 العدد

 أعمال عبد الله بن عائشة:
 اشتهر عبد الله بن عائشة في التاريخ المغربي بنجاحه في ميدانين متناقضين كأشد ما يكون التناقض، (أولهما) في ميدان الحربية البحرية، و(الثاني) في ميدان الدبلوماسية المغربية.. أما الميدان الأول فهو يتطلب شخصية صريحة وقوية، مندفعة مغامرة، وأما الميدان الثاني فلا بد أن يكون الناجح فيه متوفرا على كثير من خصال اللباقة والتبصر والاندفاع... وقد استطاع السفير المغربي، والأميرال الموفق، أن يجمع بين العملين ويوفق فيهما معا.. كان في الميدان الأول قائدا بحريا ممتازا يتحلى بالشجاعة وقوة الشخصية وحب المغامرة، ولطالما روع السفن البحرية سواء الحربية أو التجارية بهجوماته المتوالية الناجحة رغم ما كان يتعرض لذلك من أهوال وإسار، وقد تحدث كثير من المؤرخين الأوربيين عنه بصفته (قرصاني خطير)
 والمؤرخون الغربيون لا يتورعون عن تسمية أسطولنا الجهادي بأوصاف القسوة والتعسف، وقد تناسوا جميعا أن هذا الأسطول كان يتحلى بكل صفات المروءة والشجاعة، وأنه كان أسطول جهاد ولم يكن أسطول اغتصاب وعدوان.. ولا شك أن الأندلسيين الذين طاردتهم محاكم التفتيش المتعصبة استقروا بالسواحل المغربية ليتخذوا منها مراكز للهجوم على المعتدين المسيحيين، ومن هناك نشأ هذا الأسطول المجاهد الذي كان يغامر بالساحل الأوربي مهاجما تارة، ورادّا للهجوم تارة أخرى... وفي غمرة هذه التجارب تعلم عبد الله بن عائشة حيث كانت السفن الجهادية مدرسته الأولى التي اقتبس من رجالها أساليب الحربية ومعرفة الطرق البحرية، كما تعلم اللغات الأوربية التي كانت مألوفة عند هؤلاء المغامرين ... وأظهر ما في شخصيته من بطولة وشجاعة وقدرة على خوض الغمرات، وتمرس بعادات الأوربيين وتعرف على قضايا الأوربيين ولغتهم وأساليبهم في الحرب والسلم.
 واحتفظت سجلات التاريخ الأوربي في النشاط القرصني باسمه لدى ذكرها للمغامرين المغاربة في الساحل، حيث كان اسم عبد الله ابن عائشة لامعا بين هؤلاء المشهورين، ففي سنة 1684 ذكرته الوثائق الإنجليزية في صراع أسطوله مع بعض السفن الإنجليزية، وكان عبد الله بن عائشة من الناجين من الغرق.. ثم نسمع بذكره وهو يروع ساحل البوغاز وقاديس والساحل الفرنسي، ويتعقب السفن الفرنسية المتوجهة إلى أمريكا، وقد كانت أعمال هؤلاء المجاهدين تروع الساحل الأوربي، وتنعكس أصداء ذلك في عواصم أوربا لما لها من أثر فعال في الاقتصاد والمجتمع، إذ أن عملية السفن الجهادية تقتضي مصادرة السفن وأسر المسافرين، مما يؤثر على الاقتصاد الأوربي بسبب خسارات المصادرة، ويؤثر على المجتمع الأوربي أيضا لما يتركه الأسرى من  عائلات تضغط على حكوماتها للتعجيل بالفداء وإنهاء الإسار.. وهكذا كان (المجاهدون) يجدون في ذلك فرصة للتخفيف عن أسرى المسلمين مما يلاقون من عناء ومحنة، ويضغطون على اسبانيا التي طردتهم من ديارهم وألقت بهم خارج أوطانهم .. ولا شك أن تألق اسم عبد الله بن عائشة في ميدان الجهاد لفت نظر الدولة المغربية إليه لأن أعماله وشهرته في المغرب ودول أوربا مما كان يخوله أن ينال حظوة واعتبارا لدى الحكومة المركزية التي كانت تعتمد على عمل هؤلاء في صيانة الساحل المغربي والدفاع عنه، فلم تكن البلاد متوفرة على مدارس بحرية إلا هاته المدارس الساحلية التي يتكون فيها المجاهدون في تجاربهم المتوالية بالبحر، ويتمرسون على  أساليب القتال مع السفن المعادية في عرض الساحل وأنحاء البحار... ولهذا فقد عين أميرالا للبحر أي قائدا للأسطول المغربي، ونجد اسمه متألقا في البحرية المغربية وهو يعترض المراكب، ويدوخ الأساطيل المعتدية، كما نجد اسم عبد الله بن عائشة مع الرئيس فنيش يعربان عن نشاط بحري كبير ويعترضان سفنا فرنسية في طريقها إلى أمريكا، وإلى سنة 1687 واسمه ما يزال بين رؤساء البحر، كما أن الوثائق تذكر اسم ولده الذي كان يتولى قيادة السفن الحربية، مما يدل على أن ابن عائشة أصبح أميرالا بعد أن تجاوز الشباب إلى الكهولة... وفي هذه المرحلة من حياته ترك الحركة الجهادية إلى الحياة الديبلوماسية، وكانت رغبة رؤساء الدول الغربية ملحة أن تنتهي حياة الجهاد في البحر أو ما يسمى في تاريخ الأوربيين بالقرصنة، و"البيراط"، وكان الملك لويس الرابع عشر أكثر هؤلاء حماسا لإنهاء هذه الأخطار نظرا لزعامته بين ملوك أوربا، وما تتحمله بلاده من عناء المشاكل القرصانية، ويظهر أن تعيين المولى إسماعيل لعبد الله بن عائشة حتى يضطلع بهذا العمل يرجع إلى ما كان يتمتع به السفير المغربي من شهرة ذائعة في البلاد الأوربية، وقدرته على التحكم في الموقف الذي كان يعتبر أحد أبطاله المشهورين دون نزاع أو خلاف .. ومن ثم عينه المولى اسماعيل سفيرا إلى الملك لويس الرابع عشر الذي يعرف (عبد الله بن عائشة) .

 ابن عائشة في بلاط لويس الرابع عشر:
جاء في كتاب "مصادر التاريخ الفرنسي" (ج 17) نقلا عن وثائق تاريخية فرنسية أن السفير المغربي بفرنسا عبد الله بن عائشة وصل إلى باريس يوم خامس يبراير سنة 1699، وقد جاء ليخطب الأميرة "دو كندي" (De condé) إلى السلطان المولى إسماعيل .. فنزل في مدينة بريست (Brest) ثم توجه إلى باريس صحبة "سانت أولم" Saint olem  و"لاكروى" le petit de la croix، وتجول في عدة مدن فرنسية كالرين ونانت، وعدة مدن أخرى، ولما وصل إلى العاصمة استقبله لويس الرابع عشر بحفاوة بالغة، وألقى السفير المغربي أمام الملك (لويس الرابع عشر) كلمة عبر فيها عن ارتياحه للعناية التي لقيها في فرنسا ورغبة بلاده في توطيد الصداقة بين البلدين، والتوقيع على معاهدة بذلك.. ويذكر المؤلف أن هذه السفارة أثارت ضجة في فرنسا وكانت مثار عدة تعاليق من مختلف الاتجاهات السياسية والمجتمعات الفرنسية، وقد كلل مسعى السفير المغربي بالتوفيق والنجاح..
 وقد كان السفير عبد الله بن عائشة في فرنسا محل احترام وإجلال، وأعجبت نساء الطبقات العليا بلباقة السفير المغربي وبداهته وإعجابه بالمرأة الفرنسية وما تتحلى به من لطف وذكاء، وإنها كانت معاهدة الصداقة بين البلدين أخذت طريقها للتحقيق فإن خطبة الأميرة لم تتم نظرا لاختلاف العوائد والتقاليد بين المغرب وفرنسا، وقد حاول المؤرخ المغربي المولى عبد الرحمن بن زيدان إنكار هذه الخطبة بتاتا، ولكن الوثائق التاريخية تحول دون الشك في ذلك، زيادة على أن التاريخ المغربي والتقاليد المألوفة والأحكام الشرعية لا تمنع ذلك..
 وقد رجع السفير للمغرب حيث استقر بالرباط وحيث توفر على ثروة مادية كبرى مما جعل خليفة المولى اسماعيل بمكناس (الذي تولى الحكم مدة غيبة المولى إسماعيل بالحدود الشرقية) يطلب من عبد الله بن عائشة قدرا كبيرا من ثروته، ولما امتنع عن ذلك نكل به وجلده، ورغم ضغط زوجة ابن عائشة على زوجها ليعطي ما طلب منه حتى  يتفادى التعذيب فإن السفير المغربي ظل مدة يعاني من الألم الذي أجحظ عينه وآذى جسمه، ويذكر الأب (Busmot) الذي توجه لمكناس لفداء الأسرى سنة  1707 أن ابن عائشة أفاده بتدخله لمكانته في البلاط الإسماعيلي بمكناس.
 وظل ابن عائشة يعاني آلاما بدنية نتيجة التورم والالتهاب بعد التعذيب بالطوق في عنقه مما جعل لحمه يتعفن وينتن كما لاحظ بعض الذين زاروه في أخريات أيامه، حيث توفي سنة 1712 كما يذكر "و.انتروين" في مقاله عن السفير المغربي..
وإذا كان المؤرخون المغاربة قلما يتحدثون عن هذه الشخصية اللامعة في عصرها فإن المؤرخين الغربيين تحدثوا عنه كثيرا لما كانت له من شهرة في عصره بأوروبا.. وقد خصص الكاتب  R.Antroygnes مقالا في المجلة البحرية (Revue Martime, août 1931) التي كنت تصدر بفرنسا حيث عرف بنشاطه البحري، كما أن بعض الشعراء الغربيين المعاصرين له وصفوا جمال "دو كندي" وطلب يدها.. ولم يفت أصحاب الوثائق أن يتحدثوا عنه كما أن المصورين رسموا صورته في المسرح الفرنسي وهو يتتبع باهتمام بعض التمثيليات الكلاسيكية صحبة السفير المغربي محمد تميم.. ولدي عدة وثائق تاريخية للمراسلات الدبلوماسية التي تولى كتابتها أو المحادثة فيها سفيرنا اللامع..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here