islamaumaroc

الشاه ولي الله الدهلوي: موجز عن حياته وأفكاره

  دعوة الحق

144 العدد

لقد اشتهر عالمكير بالخدمات الجليلة والمساعي المشكورة التي قام بها لإعادة مجد الإسلام وتقوية حكم المسلمين في الهند، والحقيقة أن عالمكير كان رمزا لسيادة الشريعة الغراء بعد ان أصبح الدين الحنيف عرضة للإهمال والتحريف بسبب الجهل وظهور البدع والفتن.
لا يخفى أن الإسلام انتشر في الهند بفضل المبشرين من الصوفية الذين كثيرا ما أكدوا الجانب الروحي على حساب الفرائض الدينية والعلوم الشرعية، وكانت النتيجة ان بقي الإسلام ضئيلا غير فعال في حياة المسلمين الجدد، وبدل أن يغير الإسلام عوائد الهنود المعتنقين للدين الحنيف ويطبع حياتهم النفسية والخارجية بطابعه الخاص، أصبح هو مشوبا بالأفكار الهندية، مما أدى إلى ظهور الملاحدة والمبتدعة الذين حاولوا التوفيق بين الإسلام والديانة الهندوكية، وطبعا كانت هذه الحركة ـ حركة إذابة الإسلام وصهره في بوتقة الأفكار الفلسفية الهندية ـ سببا لاضعاف قوة المسلمين السياسية وانحلال دولتهم، الا أن فئة العلماء الأتقياء الغيورين على عزة الإسلام والمدافعين عن الشريعة الغراء لم يكونوا قد انقرضوا تماما ولم ييأسوا ولم يستسلموا بل نهضوا قبل فوت الأوان لتطهير الفكر الإسلامي من ادران الفلسفة الهندية، وعلى رأسهم الشيخ أحمد السرهندي الذي فضح الصوفية وذكر أولي الأمر بواجبهم نحو الاسلام والمسلمين.
على كل حال كان عالمكير رمزا لإحياء الشريعة الإسلامية في الهند من جديد بينما كان أخوه داراشكوه يتزعم النزعة الأخرى نحو إدماج شخصية المسلمين في البيئة الهندوكية، وأخيرا وقع الصراع بين الأخوين للقبض على زمام الحكم وذلك في أواخر عهد شاهجهان، وكان الإخوان في الحقيقة يمثلان القوتين المتعارضتين: الواحدة لفرض سيادة الشريعة الإسلامية وإخضاع الهندوس لحكم المسلمين، والأخرى لإهمال أوامر الشريعة الإسلامية وتبني الأفكار الفلسفية المحلية ارضاء للهندوس وتوددا اليهم عسى أن يكفوا عن معارضتهم للحكم الإسلامي.
نعم! اصطدمت القوتان المتعارضتان ووقعت الحرب السافرة بين عالمكير ودارشكوه وشاء الله أن ينتصر عالمكير على اخيه وليطهر دين الله تطهيرا من شوائب الوثنية والافكار الاجنبية وينفذ الشريعة الغراء حسبما أمكن ويصلح اداة الحكم ويقوي الجيش ويهزم المتمردين عليه ويقمع أعداء الاسلام فكان عهده من أزهى عهود الإسلام في الهند.
مات عالمكير رحمه الله في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي فأصيبت الدولة المغولية بنكسة على إثر وفاته وظهر للعيان أن صرح المجد الإسلامي لا يمكن أن يقوم ويستقر على كتف ملك حازم مثل عالمكير فقط، بل لا بد من الوعي الإسلامي الصحيح بين عامة المسلمين، وذلك لا يتأتى إلا بإصلاح نظام التعليم وترويج العلوم الإسلامية والاعتناء بتربية جيل جديد يتزود من العلم النافع ويتحفز للعلم الصالح ويتفانى في سبيل خدمة الإسلام وإصلاح حال المسلمين ـ تلك هي المهمة الكبرى التي انبرى لها الشاه ولي الله الدهلوي، فانه هو الذي بذل مجهودات جبارة لإحياء العلوم الإسلامية وأسس مدرسة تخرج منها علماء جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم كما أنه اتخذ خطوات جريئة لبث  تعاليم الإسلام بين الجماهير المتمرغين في الجهل والمحرومين من التوجيه الديني الصحيح، وكذلك وجه النصح للأمراء والحكام داخل البلاد وخارجها بغية دعم روح الائتلاف بين المسلمين، ومع أنه لم ينجح في الحقل السياسي إلا أنه هو الذي أنقذ الأمة الإسلامية في الهند من الانهيار الخلقي إلى جانب الانحلال السياسي.
ولد الشاه ولي الله قبل وفاة عالمكير بأربع سنين في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي بدهلي  في أسرة نبيلة تنتمي إلى عمر الفاروق من جهة الأب والى الامام موسى الكاظم من جهة الأم، كان ابوه الشاه عبد الرحيم احد العلماء الكبار الذين اشتركوا في تدوين الموسوعة الفقهية المسماة (( الفتاوي العالمكيرية )) الا انه كان بالطبع نفورا من بلاطات الأمراء فأبى أن ينخرط في الخدمة الحكومية وآثر العزلة في بيته والعكوف على التدريس في المدرسة الرحيمية التي لعبت دورا هاما في تربية النشء الجديد وبث الوعي الإسلامي الصحيح بين الطبقات الشعبية .
اذن لا غرابة في أن يتأدب ويتخرج الطفل (ولي الله) على ابيه وعلى العلماء الآخرين حوله، وقد فرغ فعلا من تحصيل العلوم المتداولة من التفسير والفقه والفلسفة والهيئة في الخامسة عشرة من عمره ثم بدأ في التدريس حتى خلف أباه في كرسي الرئاسة بالمدرسة الرحيمية التي كان أبوه يشرف عليها ويرعاها.
الا أن حب الاستزادة من العلم والاطلاع على أحوال العالم الإسلامي في الخارج جذبه الى الإقامة في الحرمين الشريفين بعد تأدية فريضة الحج حتى أخذ سند الحديث وإجازة كتب الإثارة من الشيخ أبي طاهر الكردي المدني الذي كان تقديره لمزايا تلميذه لا يقل عن تبجيل التلميذ واحترامه له، لنستأنف ذلك من وراء قول الشيخ المدني عن الشاه الدهلوي (( انه كان يسند عني في اللفظ وكنت أصحح المعنى منه)).
وصادف ان الشيخ أبا طاهر الكردي كان ينزع النزعة نفسها التي ورثها الشاه ولي الله من أبيه، فقد ذكر عن الشاه عبد الرحيم أنه كان يشغل همه في رفع الخلاف بين الفقهاء والصوفية والتوفيق بين العلوم الشرعية والرياضات الصوفية لتقوية مدارك العلم ومحركات العمل في وقت واحد وتوجيه قوى العلم والعمل معا الى هدف واحد، وكان الشيخ أبو طاهر الكردي أيضا يكد فكره للتلفيق بين الحديث والمذاهب المختلفة، وذلك عن طريق النظرة الشاملة إلى سيرة النبي (صلعم) كلها بدل التوقف عند وقائع فردية أو أحكام جزئية، والحقيقة ان الشيخ أبا طاهر إنما كان يمثل الاتجاهات الفكرية السائدة في مركز العالم الإسلامي إذ ذاك، فان فكرة الإصلاح الديني كانت قد اختمرت في البلاد المقدسة، وكانت الدعوات قد انطلقت من الأقطار الإسلامية المختلفة الى تطهير الدين من أدران البدع والتخفيف من حدة الخلافات المذهبية في الأحكام الجزئية والتخلي عن التعصبات الطائفية، فوجد الشاه ولي الله من العلماء الذين اتصل بهم أثناء إقامته بالحرمين الشريفين تأييدا لفكرته وتقوية لنزعته الى تجديد العلوم الإسلامية بغية الإصلاح الديني وتوحيد صفوف المسلمين في ميادين العمل المختلفة ـ وقد أيقن الشاه ولي الله بضرورة العمل الجدي في هذا الصدد إلى حد أنه رأى رسول الله (صلعم) في المنام يكلفه بهذه المهمة الشريفة ويبشره بالنجاح في إصلاح حال الأمة، فكانت النتيجة أنه رفض ما تقدم به إليه أقاربه من النصح بإطالة مدة إقامته بالحجاز هربا من الاضطرابات في الهند، وآثر الرجوع الى وطنه ليساهم حسب طاقته وجهده في إصلاح الأحوال.
وبعد رجوعه إلى دهلي بدأ الشاه ولي الله يمارس مهام منصبه كرئيس للأساتذة حتى اشتهر صيته وكثر عدد الطلاب حوله، الا ان همه كان منصرفا الى التجديد واحياء الدين والنهوض بالأمة الإسلامية نهضة كي تقوى على قمع الأعداء قبل فوات الأوان والاستمرار في حياة العز والكرامة.
وبعد طول التفكير وصل الى النتيجة ان السبب الرئيسي لما كان يعانيه المسلمون من فرقة الهواء وفساد الأخلاق والذل والهوان هو الابتعاد عن الروح الإسلامية ولن يصلح حال المسلمين الا اذا صلح حال العلماء، لذلك ركز جهوده على ادخال تعديلات شاملة في طرق التعليم ومناهجه، بل جدد العلوم الإسلامية نفسها حتى ضمنت تنمية قوى الاجتهاد والخلق والابتكار وعرض الحقائق الدينية عرضا يتلاءم مع روح العصر.
أما مصنفات الشاه ولي الله فكثيرة الا ان أهمها بدون شك (( حجة الله البالغة)) وموضوعها علم  أسرار الدين الباحث عن حكم الأحكام ولمياتها وأسرار خواص الأعمال ونكاتها، وقد شرح المصنف الموضوع في المقدمة فقال (( قد يظن أن الأحكام الشرعية غير متضمنة لشيء من مصالح وأنه ليس بين العمال وبين ما جعل الله جزاء لها مناسبة، وأن مثل التكليف بالشرائع كمثل سيد أراد أن يختبر طاعة عبده فأمر برفع حجر أو لمس شجرة مما لا فائدة فيه غير الاختبار، فلما أطاع أو عصى جوزي بعمله، وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير، ومن عجز أن يعرف أن الأعمال معتبرة بالنيات والهيئات النفسانية التي صدرت منها كما قال النبي (ص) (( انما الأعمال بالنيات)) وان القصاص شرع زاجر عن القتل كما قال الله تعالى (( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)) وأن الحدود والكفارات شرعت زواجر عن المعاصي كما قال الله تعالى (( ليذوق وبال أمره)) وان أحكام المعاملات والمناكحات شرعت لإقامة العدل فيهم إلى غير ذلك مما دلت اليات والأحاديث عليه ولهج به غير واحد من العلماء في كل قرن فانه لم يمسه من العلم الا كما يمس الابرة من الماء حين تغمس في البحر وتخرج، وهو بان يبكي على نفسه أحق من ان يعتد بقوله)) ثم يمضي فيقول: (( لم يزل العلماء المجتهدون يعللون الأحكام بالمصالح الا انه لا يحل أن يتوقف في امتثال أحكام الشرع اذا صحت بها الرواية على معرفة تلك المصالح لعدم استقلال عقول كثير من الناس في معرفة كثير من المصالح ولكون النبي (ص) أوثق عندنا من عقولنا، ولذلك لم يزل هذا العلم مضنونا به على غير أهله ويشترط له ما يشترط في تفسير كتاب الله ويحرم الخوض فيه بالرأي الخالص غير المستند الى السنن والآثار، وظهر مما ذكرنا أن الحق في التكليف بالشرائع ان مثله كمثل سيد مرض عبيده فسلط عليهم رجلا من خاصته ليسقيهم دواء فان أطاعوا له أطاعوا السيد ورضي عنهم سيدهم وأثابهم خيرا ونجوا من المرض، وان عصوه عصوا السيد واحاط بهم غضبه وجازاهم أسوأ الجزاء وهلكوا من المرض، والى ذلك أشار النبي (ص) حيث قال راويا عن الملائكة أن مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة)).
فعلى هذا الأساس مضى  الشاه ولي الله يبين حكمة الشرائع ويتعرض للمصالح المراعاة في جميع العبادات والأحكام مما يزيد القلب أيمانا واطمئنانا ويعين في الاجتهاد والتفريع.
وللشاه ولي الله مصنفات أخرى كثيرة كلها تهدف الى الفهم الدقيق المباشر لأصول الشريعة الإسلامية من القرآن والسنة، ومما يذكر في هذا الصدد أن العلماء في عصره انما كانوا يعتمدون على الفقه وحفظ المسائل الفرعية بدون ان يرجعوا إلى الأصول فلذلك كانوا جامدين متحجرين غير مسايرين لتقدم المجتمع، فكان من نتيجة الحركة العلمية الشاملة التي أسسها الشاه ولي الله ورسم معالمها عن طريق مصنفاته مثل (( الفوز الكبير في أصول التفسير)) و(( الانصاف في سبب الاختلاف)) و(( عقد الجيد في الاجتهاد والتقليد)) ـ كان من نتيجتها أن نشأ علماء مجتهدون واجهوا الأحوال الواقعية بحزم واناة، وقد أثمرت الحركة العلمية هذه فيما بعد ثمارا طيبة في حقل السياسة والجهاد بالسلاح حتى استطاعت الأمة الإسلامية في الهند أن تصمد لهجات السيخ والطوائف المعادية الأخرى وتكون فكرة لم تزل تختمر منذ ذلك الحين في إنشاء دولة إسلامية خالصة في أرض الهند ولا سيما المناطق الشمالية منها.
لقد كان الشاه ولي الله مولعا بالقرآن والسنن وعني بوجه خاص بالموطأ للامام مالك الذي شرحه شرحا وافيا في كتابه المسمى (( المسوى)) الا انه كان موقنا بأن عماد النهضة العلمية الدينية هو اللغة العربية لا غير، وفعلا أسهم بنصيب وافر في الأدب والشعر، وهاكم أنموذجا من شعره في مدح النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
يؤيد دين الله في كل دورة
              عصائب تتلو مثلها من عصائب
فمنهم رجال يدفعون عدوهم
               بسمر القنا والمرهفات القواضب
ومنهم رجال بينوا شرع ربنا
               وما كان فيه من حرام وواجب
ومنهم رجال يدرسون كتابه
              بتجويد ترتيل وحفظ مراتب
ومنهم رجال فسروه بعلمهم
             وهم علمونا ما به من غرائب
ومنهم رجال بالحديث تولعوا
              وما كان منه من صحيح وذاهب
على الله رب الناس حسن جزائهم
                بما لا يوافي عده ذهن حاسب

موقفه من التصوف
ولد الشاه ولي الله في عصر كانت الأمة الإسلامية فيه مصابة بانقسام في الآراء وتشتت في الأهواء، تتجاذبها أفكار وميول متضاربة، فبينما كان التعصب للمذاهب الفقهية مصدر الخلاف والخصام، كانت الصوفية ربما تتمادى في التهاون بهيئات الأعمال وتسخر من الفقهاء وتروج الأفكار الأجنبية وتدعو إلى عدم التمسك بالعقائد الخاصة وعد الاعتزاز بالفوارق والشعائر الدينية، وكان الخلاف بين الفقهاء والصوفية قد بلغ المدى أيام الشيخ أحمد السرهندي المعروف بـ (( مجدد الألف الثاني)) بالهند، فانه قاد حملة شعواء ضد طريقة الصوفية وعوائدهم وأفكارهم الخاصة بهم، ولا سيما قولهم بوحدة الوجود الذي من شأنه أن يضعف الإيمان بالحق والغيرة عليه ويهون على المرء قبول الأفكار الأجنبية من تقديس مظاهر الكون وتحريم ما احل الله من الطيبات وتعذيب الجسد بغية تنمية الروح واعتبار جميع الأديان سواسية في الوصول الى الحق ـ لقد نجح الشيخ أحمد في مهمته إلى حد بعيد بحيث بدأ الناس يحذرون من الصوفية ويستنكرون البدع في حلقاتهم الا ان الصوفية لم يقض عليهم تماما، بل مازال الخلاف بينهم وبين الفقهاء على أشده الى أيام الشاه ولي الله، ومن المصادفات أن أسرة الشاه ولي الله كانت معروفة بالجمع بين التصوف وعلم الشريعة، وكان هو يسلك مسلك الجمع والتقريب بين الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة بدل التعصب للبعض والعداء للبعض والعداء للبعض الآخر، كان يسلك هذا المسلك بصورة عامة، فلا غرو أنه حاول التقريب بين الصوفية والفقهاء بوجه خاص لأنه ورث التصوف وعلم الشريعة كليهما عن آبائه، لذلك نراه أولا يتجه الى تطهير التصوف وإزالة الشوائب عنه فيحذر الناس من رجال السوء الذين يتخذون التصوف حرفة ويتحلون الكرامات والخوارق ويستغلون الاوهام والخرافات ويبتدعون البدع ويخالفون الشرع في عبادتهم ومعاملاتهم فيضلون ويضلون، فاذا خلص التصوف مما يأباه العلماء وينكره الفقهاء، تمكن الشاه ولي الله من اعطاء صورة حقيقية واضحة للتصوف الإسلامي، ثم دافع عنها أمام العلماء والفقهاء حتى أزال شكوكهم ومخاوفهم وأثبت أن التصوف انما هو طريقة لتقوية محركات العمل الصالح ودعم البواعث النفسية للإخلاص  والتضحية في سبيل الخير، ومن ناحية أخرى أكد الشاه ولي الله أن لجميع الأعمال هيئة وروحا معنوية وأن الهيئة المنصوص عليها والمعمول بها لا يستغنى عنها أبدا في سبيل الاحتفاظ بالروح المعنوية، ولذلك كان العلماء والفقهاء على حق في الاهتمام بهيئات الأعمال الشرعية وتنفيذ الأوامر والنواهي كما وردت بها السنة، فهكذا اقنع الشاه ولي الله الصوفية بضرورة التقيد بالشرعية فيما يتعلق بهيئات الأعمال وأوضاع السيرة الخارجية كما حمل العلماء والفقهاء على الاعتراف بقيمة الروح المعنوية للعمال الخارجية والاعتبار بالكيفيات القلبية والدوافع النفسية لها ـ فالغرض أنه حاول الجمع بين تطهير النفس وجلاء القلب وتزكية العواطف من جهة والتزام الشرع والعمل بمقتضى القرآن والسنة فيما يتعلق بالهيآت الخارجية من جهة أخرى، وكانت النتيجة ان استقر في الأذهان أن هناك نوعا من التصوف يتلاءم مع مقتضيات الشرع وروح الإسلام وان الشريعة لا تأبى الأخذ بوسائل تقوية روح الإخلاص في تأدية الواجبات الدينية، فحذر الناس من رجال السوء من الصوفية وكف العلماء والفقهاء عن الطعن في التصوف ما دام لا يؤدي ذلك الى اهمال الشرع والاستخفاف بهيئات الاعمال ـ ثم ان الشاه ولي الله لم يكتف برفع الخلاف بين الفقهاء والصوفية، بل عمد الى الائتلاف بين الطرق الصوفية المختلفة أيضا، فقد كانت طرق الجشتية والسهروردية والقدرية والنقشبندية كلها تتبارى وتتسابق في ما بينها للأخذ بقلوب الناس وكان اتباع كل الطريقة يتعصبون لها وينكرون غيرها مما ادى الى الفرق والتطاحن بدل الاتفاق والوئام ، فأظهر الشاه ولي الله عدم التعصب بطريقة دون أخرى ولم يتحرج من الذكر بالخير للأقطاب جميع الطرق ـ على كل حال مال الشاه ولي الله الى التصوف بحكم البيئة التي نشأ فيها الا أنه وفي التطرف في هذا الصدد لتعمقه في العلوم الشرعية واطلاعه على مؤلفات ابن تيمية وربما لتأثره من آراء محمد بن عبد الوهاب التي كانت تدوي بها أرجاء العالم الإسلامي اذ ذلك.

الشاه ولي الله في الميدان السياسي  
عاش الشاه ولي الله في عصر الانحلال السياسي والتدهور العلمي وأبت همته العالية أن يقتصر على ناحية دون أخرى من نواحي الإصلاح، بل رام نهضة شاملة سياسية وعلمية في وقت واحد، انما تاكد من ان الدعامة الأولى للنهضة هي تجديد العلوم الشرعية وإحياء المعارف الإسلامية، حتى يقوم بنيان السياسة على أساس متين من الوعي الإسلامي العام ـ ويمكننا القول بأنه لم يكن يطمح إلى الزعامة السياسية، بل كان مقتنعا بأن يؤدي واجبه نحو الأمة الإسلامية كعالم من العلماء ورثة الأنبياء، ولذلك انصرف الى التدريس والتصنيف، وربما كان يأمل أن انتشار التعليم بين الطبقات العمة سينتج عن نبوغ قادة الفكر وإبطال العمل الذين يجاهدون في سبيل الله لإصلاح الأحوال السياسية والأخذ بزمام الحكومة كوسيلة لاسترداد مجد الاسلام الغابر، والحقيقة ان أمله قد تحقق، وغرسه قد نما وأثمر في مدة غير طويلة، الا انه لم يكن ليصير على ما شاهد وجرب من الأحداث والخطوب والتدهور السريع في الأوضاع الاجتماعية والسياسية في حياته، فان رجال الطبقة العليا من الأمراء والملوك وذوي الثروة والحياة من الإقطاعيين كانوا كلهم متهالكين على اللذات المادية، يعيشون عيشة ترف وبذخ من غير مبالاة بمصير البلاد أو بمستقبل الإسلام والمسلمين ضد الأعداء في الداخل والخارج ـ هذا وقد وقف العلماء موقف المتفرج من تلك الأحوال، يلتقطون فتات الخبز من موائد الأغنياء ولا يتورعون من استغلال الدين لمصالحهم الشخصية التافهة، وكان من الطبيعي في مثل تلك الأحوال أن ينحط المستوى العلمي فيقل مراجعة الأصول ويكثر حفظ الفروع كما يعقم التفكير والاجتهاد ويزداد التعصب والتقليد، فركز الشاه ولي الله جهوده على تعديل مناهج التعليم وتنشئة جيل جديد من العلماء البارعين في الاجتهاد والمرشدين الى سبل الخير في جميع ميادين الحياة، إلا أنه لم يصرف نظره تماما عن المآسي والمهازل التي كانت تمثل أمامه على المسرح السياسي، فلم يكن من دأبه أن ينتظر الزعامة الجديدة لإصلاح الأحوال السياسية بعد فوات الأوان، بل بذل كل ما في وسعه لوضع حد للفساد قبل أن يتسع الخرق على الراقع، انما كان جل اعتماده في تغيير الأوضاع السياسية على لسانه وقلمه، وبما انه لم يرد أن يثير العداوة والبغضاء بين الطبقات، ولم ييأس تماما من الخير في طبقة الملوك والأمراء حتى ليشن حربا شعواء عليهم ويقود الثورة ضدهم، بدأ بتوجيه النصح الى كل من آنس فيه رشدا من الملوك والأمراء المعاصرين له، فبعث برسائل مطولة الى الأمراء ونواب الملك أمثال النظام أي العامل بالدكن (منطقة الجنوب) ونجيب الدولة، يوقظهم من سباتهم وينبههم على أخطائهم ويقول لهم كلمة الحق ويصدع باوامر الشرع ويذكرهم بواجبهم، وينير امامهم السبل لأنقاذ المة الاسلامية من الوضع المؤلم الذي كانوا هم ورطوها فيه، وقد كان لمساعيه صدى في أوساط الأمراء والحكام، ولاسيما لأنه لم يسألهم عليها أجرا، ولم يطلب تنحية أحد منهم من منصبه، بل ضمن لهم البقاء اذا هم أخذوا بأسباب القوة وتفانوا في سبيل الاسلام وأصبحوا يدا واحدة ضد الأعداء في الداخل والخارج، الا ان الشاه ولي الله قدر في نفسه أن الأمر فيما يتعلق بالأمراء المحليين قد أصبح عسيرا وان الماء قد بلغ الزبى فرمى ببصره الى الخارج عسى أن يجد من الملوك المسلمين من يهب لنصرة الاسلام في الهند، فاختار من بينهم أحمد شاه الابدالي وعقد عليه الامال واتصل به ليطلعه على ما يلاقيه المسلمون من ذل وهوان في الهند وما هم فيه من التشتت والضعف وما ينتظر لهم من الويل والثبور، فكان أحمد شاه الابدالي عند حسن ظن الشاه ولي الله كانت عنده فكرة واضحة عن دور العلماء في الحياة القومية، فان مهمتهم الأولى هي الدرس والتدريس وترويج العلوم الشرعية وبث التعاليم الإسلامية بين الشعوب لتهيئة الجو اللازم للعمل بالروح الدينية الخالصة في جميع ميادين الحياة، وبالتالي تقديم النصح وكلمة الحق أمام الأمراء والقواد ودعوتهم إلى العمل لإعلاء شان الإسلام وتقوية المسلمين، أما المناصب الإدارية والقيادة العسكرية فليس من شأن العلماء وربما يخل بوظيفتهم الأولى ـ تلك هي الخطة التي سار عليها الشاه ولي الله في الإصلاح السياسي الى أن اضطر أتباعه الى التدخل في السياسة تدخلا مباشرا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here