islamaumaroc

دراسة في لامية العرب للشنفرى

  دعوة الحق

144 العدد

اذا كانت الأمم والشعوب تحرص على تراثها القديم، فان الحرص وحده لا يكفي، بل يجب بالاضافة الى ذلك دراسة هذا التراث واعادة تقييمه وابراز معالم الجمال الفني فيه سواء في المضمون أو في الشكل، واذا كان الخلود لا يكتب لتراث كيفما كان الا اذا كان أصيلا تتوفر فيه أسباب الخلود على مر العصور، فلا شك أن تراثنا العربي القديم يأخذ بالكثير من تلك الأسباب التي جعلته يجابه ويقف في وجه كل التحديات والثورات التجديدية، وهكذا استطاع الأدب الجاهلي مثلا أن يخلد ويصمد أمام ثورات التجديد في العصر العباسي وما صاحبها من نزوات.
واذا كنت قد تناولت هذا الموضوع بالذات عن الشنفري صاحب (لامية العرب) الذي سبق للأستاذ الكريم عثمان بن خضراء أن تناوله على صفحات هذه المجلة الغراء (( دعوة الحق)) زاد الله في عمرها وجازى الساهرين عليها خيرا، فان ما دفعتني الى ذلك مرده الى عدة أسباب، منها:
1 ـ اهتمام الأستاذ الكريم في مقاله المنشور بعدد يناير 1971 من هذه المجلة القيمة بحياة الشنفري أكثر من غيرها.
2 ـ إيماني بإعادة أبراز سر الخلود والأصالة في تراثها القديم ليكون فهمه وهضمه وتمثله منطلقا للتجديد والابتكار.
3 ـ كون النصوص خير معين على فهم الأديب ونفسيته.
4 ـ ما يلاحظ من أعراض الكثير من الشباب عن الالتفات الى هذا التراث، وتطلعه لكل جديد وخصوصا ما يأتي من الغرب وان كان يتعارض مع قيمنا ومفاهيمنا وبيئتنا، دون التزود من ثقافتنا الأصيلة بما يجعله يجابه ويقف في وجه كل دخيل.
5 ـ ما يلاحظ أيضا في تلامذة المدارس من نفور من أدبنا القديم، لأن الكيفية التي يدرسونه بها تقتصر في جل الأحيان على الشروح السطحية التي تحاول أن تحل وتشرح ما يعتبر في نظرهم ألفاظا وعبارات غربية وحشية، وتهمل جوانب الجودة والأصالة في ذلك التراث الا نادرا، وبذلك تكون الاستفادة من تلك الدراسات سلبية، وهي أيضا تشجع على البحث السطحي وترغب في الكسل.
وأملي في هذه المحاولة أن أساهم في اعادة النظر في نص شعري قديم هو قصيدة الشنفري اللامية التي قال عنها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وسلم:
(( علموا أولادكم لامية العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق)).
وهي التي مطلعها: 

أقيموا بني أمي صدور مطيكم
                      فاني الى قوم سواكم لأميل
واذا كان بعض الباحثين يشكون في نسبتها للشنفري، فاني سأتجاوز هذه النقطة لأن القصيدة في روحها جاهلية. وقد أثبت الكثير من الباحثين أيضا أنها للشنفري أحد الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي.
و ((الشنفري)) لقب غلب على الشاعر ثابت بن أوس الازدي اليمني الذي عاش في القرن الخامس وأوائل القرن السادس الميلادي في شبه الجزيرة العربية، وسواء أطلق عليه ذلك اللقب لغلظ في شفتيه ـ وهو محتمل، فقد ورث السواد عن أمه الحبشية ـ أو لحدته، فالمهم أنه لقب له وقد ورد في أحد أبيات لاميته في معرض حديثه عن الحرب ذكر لهذا اللقب:
فان تبتئس بالشنفري أم قسطل
                           لما اغتبطت بالشنفري قبل أطول
ويعتبر بعض الباحثين لامية الشنفري من أقدم الشعر الجاهلي والواقع أنه ليس من المعقول أن تكون كذلك بل هي من أقدم الشعر الجاهلي الذي وصلنا.
ولكي نفهم القصيدة فهما جيدا يجب أن نلاحظ أنها لا تمثل الا فترة من حياة قائلها، وهي الفترة التي تلت ثورته على قومه الذين تربي بينهم ثم رحل عنهم كما أعلن ذلك في مطلع لاميته، والتجأ الى الصحراء ليبدأ مرحلة جديدة من حياته هي ما يعرف بالصعلكة، فاذا به وسط جماعة ممن دفعت بهم ظروفهم الى مثل ما حصل له، فاتخذهم رفاقا، وأخذ عنهم أساليب اكتساب العيش الذي يعتمد على السلب والنهب. ويذكر الرواة أن الشاعر الصعلوك (( تابط شرا)) هو أستاذ الشنفري في هذا المجال.
وهكذا أخذ الشاعر الذي لم يستطع تحمل الذل والاهانة يتحين الفرص للانتقام ممن ظلموه وجعلوه  ينتقل من حياة اللين والاستقرار الى حياة البؤس والتشرد والحرمان والاجرام. واذا به يقدم لنا نفسه شاعرا أبيا كريم النفس في قوله:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
                         وفيها لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما في الأرض ضيق على امريء
                          سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
وفعلا فقد وجدناه ينأى عن الأذى ويتيه في أرض الله الواسعة، ولكن ظروفه القاسية اضطرته أن يبحث عن قوته واو تعرض وعرض غيره للأخطار، فيذكر بصراحة نتائج أحدى غاراته قائلا:
فأيتمت نسوانا وايتمت ولدة
                        وعدت كما ابدات والليل اليل
وبصراحته المعهودة وواقعيته يذكر أيضا ما زرعه في نفوس الناس من هلع وخوف في مثل قوله:
وأصبح عني بالغميصاء جالسا
                        فريقان: مسؤول وآخر يسأل
فقالوا: لقد هرت بليل كــــلابتا
                        فقلنا: اذنب  عس أم عس فرعل
فلم تك الا نباة ثم هومـــــــت
                        فقلنا: قطاة ربع أم ربع أجدل
فان يك من جن لابرح طارقا
                      وان يك انسا ماكها الانس تفعل
والشنفري لا يفوته أن يذكر وقت غاراته، فقد تم كل ذلك في ليلة باردة ممطرة مظلمة، جعلته يشعر بالرعدة والخوف بالاضافة الى لم الجوع يلوي أمعاءه، فغادر ملجأه مقهورا يشعر بالمرارة والنقمة والتجلد معا، كل ذلك يندفع ويبرز من كلماته اندفاعا قويا يعلن عما في نفسه بصراحة يود من ورائها نقل كل ذلك الينا:
وليلة نحس يصطلي القوس ربها
                           واقطعه اللاتي بها يتنيل
دعست على غطس وبغش وصحبتي
                            سعار وارزيز وجر وافكل
واذا كان يعبر عن جلده في الليلة المظلمة الباردة الممطرة التي يشعر فيها بألم الجوع الحاد، فانه لا يفوته أن يصف حالته وصبره في شدة الحر والظمأ حيث لم تستطع حتى الأفاعي تحمل ارتفاع الحرارة في الصحراء، ولكن شاعرنا يخرج ولا شيء يستره الا بعض الاثواب الممزقة وهو يقول:
ويوم من الشعرى، يذوب لعابه
                           أفاعيه في رمضائه تتململ 

نصبت له وجهي ولا كن دونه
                          ولا ستر، الا الا تحمى المرعبل
فلماذا يصر الشاعر على أن يصف نفسه وما يقوم في مثل هذه الأوقات بالذات؟ بل ولماذا يصر على أن يصف أوساخه وقذارته بواقعية متناهية، في مثل قوله يصف شعره وما علق به من أوساخ مثل ما يعلق بشعر الحيوانات من بعرها وبولها فيجف عليها، وقد مر العام ولم يتخلله مشط ولا نقي من قمل:
وضاف اذا هبت له الريح طيرت
                   لبائد عن أعطافه ما ترجل
بعيد بمس الدهن والفلي عهده
                   له عيس عاف من الغسل محول
ولماذا يكرر الشاعر الحديث عما يلاقيه من الم الجوع في مثل قوله:
أديم مطال الجوع حتى أميته
                   واضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت
                  خيوطه ماري تغار وتفتل
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا
                 أزل تهاداه التنائف أطحل
غدا طاويا يعارض الريح هافيا
                  يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
فلما لواه الجوع من حيث أمه
                 دعا فأجابته نظائر نحل
ان الشاعر في هذه القصيدة يفخر بكثير من هذه الصفات التي يأبى أحدنا أن يتحلى بها، ولكنه متشبث بها يكررها ويؤكدها في ثنايا قصيدته، فهل هناك ما يبرر ذلك؟
الواقع أن فهم ذلك يتوقف بالدرجة الأولى على فهم الدافع الذي دفعه الى نوع الحياة التي أصبح يمارسها، والسبب الذي جعله يتغنى بمثل تلك  الصفات، كما يتوقف ذلك أيضا على فهم نفسية الشنفري وما يضطرب في نفسه من عواطف مختلفة، فهو رجل كريم النفس أبي يأبى الظلم والهوان والذل كما رأيناه يصرح بذلك في بداية هذا البحث، وكما يكرر هذا بصراحته المعهودة في مثل قوله:
ولولا اجتناب الذام لم يلف مشرب
                   يعاش به الا لدي ومأكل
ولكن نفسا مرة لا تقيم بي
                  على الضيم الا ريثما أتحول
اننا أمام رجل شجاع قوي الجنان يتحدى كل ما يعترض طريقه من عقبات وأخطار في سبيل الانتقام لنفسه ورد الاعتبار لها، واشباع حاجياته التي حرمها، ناقم على من كانوا سببا في ذلك، وما يتبع هذه النقمة موجه طبعا اليهم وليس الى غيرهم، ولذلك فهو يأخذ حقه بيده ممن ظلموه في وقت لم يكن في الصحراء العربية قانون ولا وازع قار يلجأ اليه المظلوم، إذ كانت الغلبة للقوي، وهذا ما نفهمه وما يعبر عنه بصراحة في قصيدة أخرى له يتحدث فيها عن إشباع نهمه وانتقامه من بني سلامان الذين يقال أنهم هم الذين سيوه صغيرا ثم أهانوه، يقول:
جزينا سلامان بن مفرج قرضها
                    بما قدمت أيديهم وأزلت
وهكذا يستطيع القارئ لشعر الشنفري أن يفهم جذور القضية التي تشغله وتثقل كاهله بأنواع الهموم التي تنتابه فيحاول أن يتخلص منها، ولكنها تهجم عليه من كل الجهات فلا يجد الا أن يعترف مدفوعا بواقعيته التي يرمي من ورائها الى أن يفهم القارئ أو السامع قضيته فهما صحيحا ليصبح بالتالي إلى جانبه يعطف عليه لأنه مظلوم، عوض أن ينفر منه ويتحامل عليه لما يقوم به من أعمال، أو يتقزز من أوساخه وقذاراته، انه يشكو الهموم قائلا:
والف هموم ما تزال تعوده
                   عيادا كحمى الربع أو هي أثقل
اذا وردت أصدرتها ثم انها
                   تثوب فتأتي من تحيت ومن عل

الا تشعر بالتعاطف مع الشاعر المظلوم الذي كان ضحية جريمة لم يعلم منها شيئا، ولم يساهم فيها بشيء؟
أتدعوه الى السكوت عن الظلم، ونحن نعلم أن في ذلك ضياعا للحق الذي كان الانسان ولا يزال يبحث عنه، اندعوه الى الصبر والجلد، وهو يصرح لنا أن صبره تجاوز الحدود في مثل قوله:
فأما تريني كابنة الرمل ضاحيا
                 على رقة أحفى ولا أتنعل
فاني لمولى الصبر اجتاب بزه
                 على مثل قلب السمع والحزم أنعل
أم ندعوه إلى أخذ الثأر وذلك ما فعله رغم هذا الصبر؟ لأن نفسه العربية أعز وأكرم وأنبل من أن تتحمل الضيم والإهانة، سلاحه في ذلك: قلبه الشجاع وسيفه وقوسه:
واني كفاني فقد من ليس جازيا
                 بحسنى ولا من في قربه متعلل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع
                 وأبيض أصليت وصفراء عيطل
واننا لا نملك الا أن نتعاطف مع الشاعر في حملته على الظلم والإهانة والتقاليد البالية الهدامة، وإذا بنا لا ننفر من تلك الصفات الذميمة التي يفخر بها، بل ذلك ما ننتظره من رجل يعد العدة لمعركة الشرف، وهو يرى أن الموت أحلى من العيش في الذل والهوان .
وهكذا نجد الشنفري صورة للرجل العربي البدوي الذي علمته بيئته الإباء والعزة ونقاء النفس والقلب، وصورة للنفس للإنسانية الأبية العزيزة في كل زمان ومكان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here