islamaumaroc

الفِرق في الإسلام

  دعوة الحق

144 العدد

أصبح المؤرخون في عصرنا هذا يؤمنون أكثر فأكثر أن الفرق الدينية تمثل صفحة جد مهمة في تاريخ الإسلام وأن هذا التاريخ لا يمكن أن يفهم على حقيقته إذا لم تنل تلك الفرق حظها من الدرس والبحث، ذلك أن تلك الفرق لم يكن لها دور ديني بحث، بل كانت لها أيضا مساهمة في الحياة السياسية تكون، تارة بارزة وتارة خفية، ولكنها تبلغ في بعض الأحيان من التأثير والفعالية ما يجعل منها العامل الأول في حياة الأمة بأسرها. يضاف الى ذلك أن الفرق كانت تغذي الحياة العقلية. يضاف الى ذلك أن الفرق كانت تغذي الحياة العقلية في مختلف مظاهرها فيتجلى أثرها في الفلسفة وفي علم الكلام وفي التاريخ وفي الفقه الخ ... فالفرق بهذا المعنى لم تكن مجرد تصورات وتأملات نظرية انطلقت من بعض العقول المتفرغة، بل هي جزء من التاريخ، ومن التاريخ الحي.
هذه الأهمية حدت بعدد من كبار المستشرقين الى أن يخصصوا خير مجهوداتهم لموضوع الفرق. وبالأمس برز جواد زيهر بدراسته عن العقيدة والشريعة في الإسلام فأناروا جوانب أخرى في هذا الموضوع الكبير الذي لا يمكن أن يضطلع بدراسته شخص واحد ولا حتى جماعة من الأشخاص بل هو يتطلب جهودا متواصلة لأجيال من العلماء، نظرا لاتساع المادة وتعدد مصادرها.
وهذا لا يعني ان المؤرخين القدامى أهملوا موضوع الفرق أو تغاضوا عنه. بل انهم اهتموا به وخصصوا له التآليف العديدة مثل كتاب الملل والنحل للشهرستاني، والفصل لابن حزم والفرق بين الفرق للبغدادي الخ ... وكتب هؤلاء هي المصادر الأساسية التي تعتمد عليها كل الأبحاث والدراسات الحديثة. ولكن النقطة التي يجب أن تسترعي الآن انتباهنا أكثر من غيرها هي الفرق في المنهاج بين الجانبين. فقد تقدم المنهاج التاريخي كثيرا منذ العهد الذي كان يكتب فيه الطبري والمسعودي وابن الأثير، وأصبحت لعلم التاريخ، في عصرنا هذا، مقاييس وآفاق ومجالات لم يمكن يتصورها القدامى. وعلى هذا، فالدراسات الحديثة تناولت المعلومات التي أتى بها القدامى، لكنها رتبتها ترتيبا جديدا وربطت ما بين عناصرها برباط السببية والتفاعل واهتمت بظاهرة التوازن بين العمل الفردي والعمل الجماعي وبين العوامل الروحية والعوامل المادية. فجاء التاريخ، في صورته الحديثة، مرآة أكثر صقلا ووضوحا وأكثر وفاء للحقيقة.
وهذا هو الانطباع الذي نخرج به حينما نطلع على كتاب (( الفرق في الإسلام)) لهنري لاووست. فهو كتاب جامع في الموضوع يمكن قارئه من نظرة  مجملة على الفرق وتطورها خلال القرون الاربعة عشر التي قطعها الاسلام من تاريخه وهذه النظرة رغم كونها مجملة، فهي مدفقة ومركزة وقابلة للتوسيع والتفصيل، مما يجعل الكتاب صالحا في آن واحد لجمهور القراء وللعلماء المختصين اذ يجدون فيه توجيهات ونظرات طريفة مفيدة للبحث.
وليس من السهل ولا من المفيد تلخيص كتاب من هذا النوع، لأن كل فصل من فصوله يتطلب أحاديث ومناقشات متعددة. وأحسن من كل هذا هو أن نقف الآن وقفات قصيرة على بعض الاستنتاجات التي وصل إليها المؤلف.
فهو، أولا، يربط بين تاريخ الفرق وتاريخ الإسلام العام ربطا محكما ويبين كيف أن الخلاف بين تلك الفرق أساسه ليس دينيا، وانما هو سياسي قبل كل شيء. فمسألة الإمامة وتسيير الأمة الإسلامية كانت هي مدار النزاع الأول الذي قام بين المسلمين منذ عهد الخليفة عثمان. وهذا ما جعل الفرق تكتسي في القرن الأول للهجرة صبغة أحزاب سياسية لها مذهبها وشعاراتها ومطالبها. ولكنها أحزاب لم تكن تقنع دائما بالاساليب السلمية، بل كانت تلجأ من حين لآخر بالعنف والقوة، كما نرى في مثال الثورات الشيعية على يد الحسين ابن علي، والمختار بن عبيد الثقفي وزيد بن الحسين وغيرهم.

لكن هذا الصراع الذي احتد في عهد الأمويين نراه يدخل في طور آخر من النضج في عهد العباسيين. فقد خف الضغط المسلح التي كانت تقوم به الفرق المتمردة وبدا أصحاب المذاهب من شيعة ومعتزلة وخوارج ومرجئة يعتمدون على سلاح  الفكر ويقرعون الحجة بالحجة فنشأت عن ذلك مناقشات بين رجال الدين على اختلاف نزعاتهم، ووجدت نوع من الحرية الفكرية ساعدت على تبادل الأفكار وعلى البحث في فلسفة اليونان، وفي التراث الفكري المتبقي عن الحضارات القديمة من هندية وفارسية ورومية ومسيحية ويهودية ونبطية وسريانية. وأدى الجدال العقادي، بهذه الصورة، إلى إخصاب الثقافة العربية الإسلامية وتوسيع آفاقها ومصادرها، كما يظهر ذلك واضحا في كتب الجاحظ وابن قتيبة.
والاستنتاج الثاني الذي أريد أن أقف عنده هي العوامل التي أدت، في النهاية، بعد أطوار وتقلبات عديدة، الى انتصار مذهب السنة والجماعة على غيره من المذاهب.
ولربما كان هذا هو أهم حدث في تاريخ الإسلام بأسره، نظرا لاستمرار أثره إلى يومنا هذا وللمفعول المتنوع الذي كان له في تاريخ الدولة الإسلامية كدولة وكحضارة وكثقافة. ولعل من يجهلون التاريخ يعتقدون بكل بساطة أن انتصار مذهب السنة كان أمرا طبيعيا، محتوما لا محيد عنه.
والواقع ان المذهب السني وجد نفسه، حينما وعى بنفسه، وسط مذاهب أخرى لها جذور راسخة في المجتمع الإسلامي ولها أنصار وأتباع. فلقد تأخر ظهور المذهب السني كمذهب محدد في مبادئه وتعاليمه واضح في اتجاهاته الى القرن الثاني مع قيام المذاهب الفقهية الكبرى من حنفية ومالكية وشافعية. نعم، لقد كان المسلمون الأولون من صحابة وتابعين يطبقون السنة بصورة تلقائية، ولكنهم لم يكونوا يشعرون بأنهم يكونون مذهبا معينا، ولم يكن لديهم منهاج مذهبي في تناول النصوص الدينية، بل كانوا يسيرون نوعا ما مع الطبيعة والسليقة، هذا في حين أن المذاهب الأخرى من شيعية وخارجية وقدرية وجهمية ومعتزلة كانت قد وضعت أصولها وأبرزت مضمونها وعبأت قواها.
وكل هذه المذاهب الأخيرة كانت متدفعة إلى الظهور السريع، نظرا للدوافع السياسية القوية التي نشأت في المجتمع الإسلامي، فكانت تعتمد على نظريات عامة مستمدة من روح الإسلام أكثر مما تعتمد على النصوص بتفاصيلها وجزئياتها. ولهذا، فهي لم تجعل همها من أول يوم هو دراسة النصوص واستقصاء محتوياتها وتحقيق مصادرها. وفي عكس هذا الخط، سار المذهب السني بالضبط. فهو لكي يتلافى الخلافات التي نشأت بين المذاهب الأخرى أراد ان يرجع الى النصوص الدينية المقطوع بصحتها فتطلب ذلك مجهودا عظيما في البحث عن الحديث والأثر استغرق زمنا طويلا وتعبأت له مجموعات من رجال العلم وطلابه. وهذا ما يفسر تأخر ظهور مذهب السنة في صياغته الكاملة. إلا أن هذا التأخر نجمت عنه نتائج حاسمة مع ظهور المذاهب الفقهية التي كان لها شأن وأي شأن في ترسيخ السنة وفي إمداد التعليم الديني بمادة خصبة   من تفسير وحديث وأحكام. وكذلك كان المجهود الذي بذل في سبيل جمع الحديث مع البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب الستة من العوامل التي فرضت احترام المذهب السني على جمهور المسلمين. وبالجملة، فالخطوات التي سار فيها السنيون كانت تلتزم بنوع من المنهاجية العلمية، بمعناها العصري، وفي نفس الوقت، بمراعاة النصوص في حرفها ونصها. وهذا كاف، وحده، لتفسير الانتصار الذي حققه مذهب السنة.
لكن هناك عامل آخر ساهم في ذلك الانتصار لا يمكن إغفاله، الا وهو مساندة الدولة للسنة. نعم، لقد ترددت الخلافة العباسية أثناء عصرها الأول، في الاختيار المذهبي. فكان الخلفاء يتصلون برجال السنة والمعتزلة والشيعة على السواء. وقد وضعت المشكلة بصورة حادة في عهد الخليفة المأمون. فقد رأينا هذا الخليفة يبدأ عهده في خراسان يرفع شعار الشيعة وبالتقرب من العلويين وبتعيين على الرضا وليا للعهد. لكنه حينما يتحول الى بغداد، يتغير رأيه، فيميل الى جانب المعتزلة ويتخذ منهم بطانة. ويمعن في هذا الاتجاه الى أن يؤدي به الحال الى محاولة فرض نوع من التوحيد المذهبي على الامة، وذلك في الحادثة التي يسميها المؤرخون (( محنة خلق القرآن)).
والواقع انها كانت محنة بالنسبة لرجال السنة الذين اضطهدوا فيها وعذبوا، وبذلك اكتسبوا نوعا من الحرمة والتقديس في عين العامة، كما يشهد على ذلك النفوذ المعنوي الذي كان يحظى به ابن حنبل، مثلا. لكن العباسيين بعد هذه الفترة من التردد، سرعان ما رجعوا في عهد المتوكل، الى السنة، بصورة تكاد تكون نهائية. فقد وجدوا، من جهة، أن السنة هي مذهب الأغلبية من المسلمين، كما تبين لهم، من جهة أخرى، بعد التروي والاطلاع ان تعاليم ذلك المذهب هي أوفق لدولة الخلافة ونظامها الهرمي، سيما وأنها تدعو الى المحافظة على وحدة الأمة وإجماع المسلمين وطاعة أولي الأمر منهم والى نبذ كل دواعي التفرقة والاختلاف. وكل هذه عوامل جعلت مذهب السنة يصبح هو مذهب تادولة الإسلامية، في كل مكان، باستثناء الخلافة الفاطمية وبعض الإمارات القرمطية.
أما الاتجاه الشيعي  الذي سارت فيه الدولة الصفوية بإيران، فقد كانت له أسباب قومية وسياسية.
ولكن هذا السند الرسمي الذي تمتع به المذهب السني لم يفقده حيويته وقابليته للاجتهاد والتجدد.
فقد ظهر فيه مع توالي العصور، رجال أحرار ذوو شخصية وشهامة يدافعون عنه وينشرون تعاليمه مثل ابن حزم والغزالي وابن الجوزي وابن تيمية وابن عبد الوهاب ومحمد عبده. كما ظهرت فيه نزعات مختلفة، منها ما يميل الى جانب التشدد مع الحنابلة، وما يميل الى جانب المرونة والتسهيل، مع الحنفيين ومنها ما يتشبت بالظاهر ومنها ما يريد أن يكتشف وراء ظواهر النصوص حقائق عميقة، كما ترى في مثال الصوفيين من ابن العربي وابن سبعين وغيرهما، ومنها ما يتجه الى الدراسات الفقهية البحتة، كما نرى في مثال المدرسة المالكية التي كان لها الشان المعروف في بلادنا.
كل هذا يدل على اهمية السنة كحدث تاريخي متسلسل الحلقات، عميق الأثر. ولم ينس الاستاذ لاووست في كتابه الخطير ان يوفي المذاهب الأخرى من شيعة ومعتزلة وخوارج حقها من الدرس، مبرزا، على الخصوص، مساهمتها في إغناء التراث الثقافي الإسلامي بآثار ذات قيمة بالغة، وربما عدنا الى الحديث عن هذا الكتاب، في فرصة أخرى، نظرا لأهميته الخاصة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here