islamaumaroc

شاعر العاطفة الناعمة فوزي الرفاعي

  دعوة الحق

144 العدد

تلطف الشاعر الرقيق فوزي الرفاعي فقدم لي ديوانه لأرى فيه رأيي قبل أن يذاع على نطاق واسع وانها لثقة غالية جدا أعتز بها وربما عجزت عن تقديرها وانه لوفاء منه لصديق لم يقابله منذ سنين طويلة. وان من أبرز صفات شاعرنا هذا الوفاء النادر الذي لا يقف عند حدود فهو لا يكتفي بالوفاء للأصدقاء والأهل والأحباب، بل قد يتجاوز العلاقات الاجتماعية الإنسانية إلى النبات والجماد فيذكره اذا غاب عنه ويحن اليه بشوق عجيب، قد يبلغ حد التلهيف. وهل الشاعر الحق الا كذلك ؟! قال المتنبي:
خلقت الوفا لو رجعت الى الصبا
             لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وفوزي من هذا النمط الوفي. ترك اللاذقية طفلا وعاد اليها كهلا فاصطحب زوجته وأولاده إلى البيت الذي نشأ فيه، وطاف بهم كل ركن من أركانه باحثا معهم عن طفولته، واستند الى النافذة التي طالما اعتنق شباكها وراح يسبح في ضياء القمر ساعات يحلم بالجن والملائكة والسموات ... ويختزن من الإلهام الشعري في ما وراء الوعي وتحت الشعور ما حرك شاعريته طول حياته من بعد واجلس طفله الذي كان في مثل عمره ذاك، على هيئة الجلسة التي كان يقتعدها فيها، وصوره واحتفظ بالصورة رمزا لماضيه الطفولي العذب. ووقف في ظل شجرة المشمش التي غرسها بزرة وبكى وقال:
وددت لو أنني قبلت تربتها
            فبين جدرانها طابت ليالينا
قد طفت أرجاءها والدمع يغلبني
            والدمع يفصح عن حال المجينا
أمشى بابهائها مشي الكئيب ومن
            حولي طيوف من الذكرى تناجينا
حيث التفت أرى الماضي تمثل لي
            وزهر أيامه كادت تنادينا
هنا سريري، هنا أمي، هناك أبي
            هنا جلسنا، هنا رحنا، هنا جينا
وهناك نافذتي يا طالما شهدت
           عيني ساهرة والناس غافونا
تلك السويعات الهمت القريض بها
         من وحيها في الدجى صيغت قوافينا
يا دوحة غرستها أنملي فإذا
         بها تطاول أشجار البساتينـــــا
كانت نواة فأضحت وهي وارفة
         فينانة كلما تهتز تزهينــــــــــا

لها بقلبي حنان فهي غرس يدي
              طيف الطفولة فيها لاح يصبينا
وحن إلى دمشق وقاسيونها وبرداها وغوطتها، وقد عاش فيها بضع سنوات يتلقى علومه الجامعية، وذكر كل مكان قضى فيه وقتا ما. فهل بعد هذا من وفاء؟!
وتجلس إليه تستمتع بحديثه الطلي، وتراقب حركات يديه وعينيه من خلف النظارات وتصغي إلى صوته الخافت، فتحس كأنه كتلة من شعر رقيق ناعم تموج أمامك كما يموج الضياء، فيا عجب كيف تعلق به هذا العدد العديد من النساء وأحببنه حبا دافقا، والمرأة ـ في العادة ـ ترفض الرجل الناعم اللين ولا تعجب الا بالفحول ؟! هنا يمكن سر فوزي الشاعر وفي نظري أن هذا السر يقوم على دائم ثلاث هي:
1 ـ ما ينطوي تحت جناحي هذه الرقة الظاهرة من رجولة خفية تدركها المرأة ببداهتها الذكية، وما يتدفق من وراء العينين الذابلتين من جاذبية حلوة يغلفها حنان رجولي يشعرها بدفء الملجأ فتأنس إليه وتستكين.
2 ـ نبله النبيل في علاقته يهن يوحي إليهن بالاطمئنان في كنفه. ولئن قال الشاعر القديم:
إني امرؤ مولع بالحسن اتبعه
               لا حظ لي فيه إلا لذة النظر
فقد قال فوزي:
اني لأقنع منك بالنجوى ومعسول الكلام
وبما أراه على الشفاه الحمر من حلو ابتسام

حبنا لم يكن سوى حلو نجوى
        وشكاة وبث فرط الحنين

ارتوي بالبسمة الحلوة
       تجلو الهم عنــــــــــــي
وبسحر من رقيق القول
       والصــــــــــوت الأغن

عاشق للحسن أستوحي خيالاتي وفني 
         ولتكن ذكراي في قلبك حبا أخويا
يا منى النفس حبنا أعجب الحب
       وأنقاه عفة في التسامــــــــــــي
وسداه الأبا ولحمته الطهر 
       وما مثل حبنا في الأنـــــــــــام

ضمنا الليل في الفراش على الطهر 
       وصدق الوفا وحلو الوئــــــام
 اذن الصبح والعيون سهارى
       كيف نغفو وشملنا في التئــــام
وخلونا ولم يكن بيننا الشيطان
       حاشا فنحن فوق  الظنـــــون
لم يدنس غرامنا الاثم بل عشنا علـ
       ـى الطهر والعفاف الثميــــن

3 ـ براعته في تسجيل علاقته بهن وامتداح جمالهن الجدي من طرف خفي، والمرأة قد تفعل المستحيل لتخليد جمالها، حتى القبيحة منهن لتعتقد أن فيها جمالا خفيا يضاهي اتساق فينوس. وقد أدرك الشاعر بحدسه هذه الحاسة الخاصة في المرأة أكثر من هذا؟ ! ومن الغريب أنه ربط علاقة حب بالمراسلة بينه وبين فتاة مصرية افتتنت به واعجبت بشعره وغامرت فجاءت الى سوريا وحدها وقضايا اياما في دمشق وحمص وحلب، وهي تعرف انه متزوج وأنه أب، ولما عادت الى موطنها كتبت اليه كتابا رقيقا يفيض باللوعة وختمته بقولها: (( لقد كنت نبيلا معي كل النبل يا فوزي)).
ذلك أنه لم يتجاوز حدا رسمه لنفسه منذ مطلع شبابه قال:
لم يدنس غرامنا الاثم بل عشنا علـ
                  ـى الطهر والعفاف الثمين

نحن كنا في الحب مثل الراهبين 
                  قنعنا فيه بنجوى العيون
وحفظنا الهوى تقيا طهورا
                 واعتصمنا بكل خلق متين
وهذا الديوان صفحة واحدة من حياة الشاعر وناحية من نواحيه، سجل فيها أحداث الشباب والحب، وفوزي الشاعر فياض الحيوية زخار العاطفة، كم مرة عزم على التوبة من الحب، وأبي هيكل الحب أن يتخلى عن أخلص عبادة في محراب الجمال. قال:
أنا عبد الجمال أخضع للحسن 
                واعنو للحب يملأ قلبي
أنت يا رب قد خلقت فأبدعت 
                وأغويتني فما الذنب ذنبي
كلما رمت متـــــــــــــــــابا
               في الهوى عز متابــــــي

كلما خلتني سلوت سقاني
            من جديد الهوى بكاس دهاق

لئن كان الهوى ذنبـــــــا
           فاني وافـــــــــــــــر الذنب

فهل صحت توبته الأخيرة وإلقاؤه سلاحه أمام السيدة الكريمة زوجته، وتمزيقه شباكه وتخليه عن الشعر والغزل؟ وأن هناك عاملا آخر في التوبة حين قال:
لم يعد لي في الحب أي نصيب
             طاش سهمي فيه وولى زماني
كلما مر بي من الغيد سرب
             هاج قلبي واشتد في الخفقان
 الصبايا الملاح وا لهف قلبي
             لم تعد في الملاح من تهواني !!
أغلب الظن أنه لا يتوب عن عبادة الجمال، فهو ان تخلى عن التغزل بالوجه الصبوح والعين الفتاكة والصدر المتموج، فقد تعلق بجمال التناسق في المجتمع، وبجمال الأخلاق الكريمة، وبجمال التعامل الحسن، وبجمال التربية ... وعاد الى ما بدأ في مطلع شبابه عام 1925 حينما نظم قصائده المشهورة: الجمال المصطنع، والجمال المزيف،  والى الدير .. الخ. واهتمت به الصحف والمجلات آنذاك كمجلة الحديث في حلب، وأثار ضجة في المجتمع. فهذا الديوان اذن لا يعرض الا وجها واحدا من حياة الشاعر، ولا يفتح أمامنا الا أحد صفحات حياته ليتقدم به الى قرائه والمعجبين به وهم كثر ـ والمعجبات ـ وهن أكثر، خطوة خطوة، فيطلعون على تطور أسلوبه خلال السنين، وطريقة تناوله الموضوعات الشعرية مع العمر، وتجواله في رحاب الفن يلتقط من هنا زهرة، ومن هناك زهرة، هذه يشمها شما. وتلك يضمها بلهفة، ويلتقط احداها بطرف اصبعيه، ويخطف الأخرى بملء كفيه، وهو في كل حالاته ضاحك بسام مشرق العاطفة نير الفكرة قد يقلد السابقين ويحتذي أساليبهم ويستعير صورهم حتى لتكاد تقول: أيعيش شاعرنا عصره هذا حقا؟، أيعيش الشاعر في عصر الراديو والتلفزيون والاقمار الصناعية والفضاء والالكترون والطيارات والصوارخ عابرة القارات والذرة والغواصات وعجائب الكيمياء واللدائن والبترول واستبدال اعضاء رئيسية بالية في جسم انسان حي، وتعوضه عنه قلبا وأوردة وشرايين بلاستيكية ... أيعيش الشاعر كل هذا التقدم الحضاري الذي سبق الخيال، ويقول هذا الكلام؟!.
أين هو من كل هذا الفيض الحضاري العجيب حين يتحدث الى حادي التياق كأنه ما زال في الصحراء، ويشبه القد الاملود بالرمح، وفتكة العيون الجميلة بالسهم، وتمنع الحبيبة بدلال الغزال، وتلويها بين يديه بالغصن الرطيب يتأود تحت هبوب نسيم رقيق  ... وما شاكل ذلك من صور وضعناها في متحف الشعر الوسيط منذ نصف قرن؟!.
نعم ان في هذا كثيرا من الحق ولكن فيه كثير من الإجحاف والظلم كذلك، فلو اتبع الشاعر توثبات العصر ولا حق تطورات الفكر لتفلسف على طريقة الهيبيين ونظم الشعر على أسلوب التكعيبيين ولتغزل على طريقتهم فقال :


جمالك يا حبيبتي فتان
قدك اسطوانة مخصورة كالقطرميز
ذراعاك مخروطيان تلعب في نهايتهما أصابع كدود الربيع
فخداك هرمان قائمان على قاعدة مسطحة
عيناك يا حبيبتي لوزتان مقشرتان
ينحني عليها جفنان كبيت القوقعة في مستنقع
انفك يا حبيبتي مثلث حاد الزوايا، مربع كل ضلع منه
يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين
لسانك يا حبيبتي أحمر تلهب المدفاة في غرفة مظلمة ... الخ.
فهل تصغي الحبيبة للشاعر وتنتظره حتى يتم قصيدته الاسطوانية المخروطية الهرمية اللهبية .. أم تتركه مستمرا في القائها وتجري مسرعة الى الهاتف فتستدعي رجال الاسعاف والمطافيء العقلية؟! أنا لست مع الشاعر ـ على أي حال ـ في اللجوء الى هذه التشبيهات الصنمية، ولكني لست من رعاة الأخذ بكل جديد وارد علينا من الغرب كما هو، وشاعرنا ـ في ديوانه هذا ـ رومانطيقي النزعة شبه نفسه أو شبهته إحدى المعجبات به بالشاعر الفرنسي الكبير لامارتين، قالت:
وأنت لامارتين في حبه
         وشعرك الهوى والجمال
والرومانسية نزوع مفرط نحو العاطفة حتى لتكاد تبلغ به حد الميوعة، والشاعر الرومانسي ينظم قصيدته في وحي ساعته ويكتبها كما أوحيت إليه، ثم لا يعود عليها بالتفلية والتنقيح لئلا يفسد الدفقة العاطفية التي أوحتها.
ويتميز شاعرنا بتصور الجو الذي أحاط بالقصيدة تصويرا يكاد يكون فوتوغرافيا أو سينمائيا يعيش معه قارئه فيراه كيف لف ذراعه بذراع الحبيبة، وأطال الى عينيها النظر والتقارب الراسان للتهامس حتى اوشكا على التماس، وتلاقت الأنفاس الحارة وخفق القلب ...
كم تناجينا بهمس خافت
              نتحاشى عاذلا أن يسمعا
لم يكن بين خدينا وقد
              قرب الرأسان الا أصبعا

ويرافقه في رحلته المتخفية عن العيون ومعه حبيبته المصرية من دمشق الى حمص ويراه لاجئا من الغيث المنهمر الى مطعم بعيد عن الانظار، ويدخل معه حلب متواريا بجنح الليل كاللصوص ...
كم مشينا وقاسيون مطل
            فوقنا مثل شامخ الاعلام
بردى حولنا يصفق في الروض
           وينساب في الربى والاكام
وذراعي يلف خصرك والخد على
          الخد وبين الثغرين كل انضمام
 أين حمص  والغيث يهمي علينا
          والورى كلهم غدوا في منام
كل ما حولنا يجلله الصمت
          وما غير وطأة الأقدام
ويدانا تشابكت وكلانا
          يستحث الخطى بجنح الظلام
ولجأنا لمشرب نطلب الدفء
          عسانا نصيب بعض الطعام
ثم سرنا والبدر يطلع في الأفق
           ينور فيه اصفرار السقام
ايه شهباء قد دخلناك في الليـ
           ـل دخول اللصوص بين الغيام
نتحاشى العيون من ان ترانا
           وندارى مخافة اللـــــــــــوام
نطأ الأرض في احتراس لئلا
              يسمع الوطء حارس في الظلام
يهتك الستر عن خفي هوانا
             وافتضاح الهوى من الآثام
وأوينا إلى الفراش وثيرا
            والبواطي ملآنة بالمدام  
ارشف الكأس واثني
          باللمى منك والحشا في اضطرام
لست أدري بأي هذين سكري
           بالشراب الحلال ام بالحرام!؟
وهذه الميزة يكاد يتفرد فيها بين الشعراء الرومانسيين السابحين على ضفاف الواقعية ولا يتبذل ولا يسف كما أسف أحد الشعراء المعاصرين فقال:
وشربت شايا في الطرق
           ورفوت نعلـــــــــــي
هذا مع العلم أن الرفو لا يكون إلا للثياب وان النعل يرفع ويخصف ويطابق. واذا أخذ عليه أنه لم يلتزم كما التزم سواه بالتطور الاجتماعي الواقع، ولم يتحدث عن الاشتراكية والشيوعية والبورجوازية والامبريالية والطبقية، ولم يصف الجماهيرية والثورية والجوع والعرى والجهل والطين والدم والاستبداد والديكتاتورية والديمقراطية والإقطاعية، ولم يستخدم ألفاظ الرجعية والتقدمية والتأخرية والانبطاحية والانفلاشية ... وما شاكلها، فلأن هذا الديوان ليس إلا واحدا من دواوين الشاعر فصلها لدواع فنية على أبواب، وجعل هذا الديوان وصفا لشبابه وحبه منذ نصف قرن حين لم يكن كل هذا التطور قد ولد ولا حلم به المجتمع ولا حبلت به الأحداث. وكانت سيطرة الرومانطيقية على الأدب طاغية طغيانا مبينا يتزعمها المنفلوطي وإضرابه، وله في كل بلد عربي أتباع حتى الذين درسوا اللغة الفرنسية آنذاك كانوا متأثرين وموسه وغوته وبليكو ومن شابههم، وكان شاعرنا في مطلع شبابه يشدو قليلا من الفرنسية ويطلع على إنتاجها الأدبي شعرا ونثرا بطريق الترجمة ويفضل النظرات والعبارات وماجدولين والفضيلة وتحت ظلال الزيزفون والبؤساء ... على كل ما سواها. أما أسلوبه فهين لين لا تشعر معه بأي تعقيد، ولا يقابلك منه أي لفظ غريب او تركيب معقد، بل قد يتساهل أحيانا فيقع في خطأ لغوي حين يستخدم اللفظ في غير ما وضع له أصلا، أو غلط صرفي أو نحوي اعتمادا على ما يتسامح به الشاعر دون الناثر، أو على حد المثل القائل: ((ليس على المطرب أن يعرب )) أما نحن فنقول:  بل عليه أن يعرب وأن يدقق في اعرابه ليضيف الى جمال الصورة جمال الاطار، والى حلاوة الشراب نقاء الكأس. وفوزي أجدر من يقدر هذا خصوصا وأنه شاعر بالطبع لا بالتكلف، وهو ذو إحساس مرهف بموسيقى الكلمة وإيقاع الوزن العروضي وملاءمته الصورة. ولو تتبعت ديوانه هذا لألفيت أكثره على البحر الخفيف (( 22 قصيدة)).
والبحر المتقارب والبحر البسيط (( كل منها 9 قصائد)) وأكثر قوافيه من حروف الشفتين كالميم أو حروف الغنة كالنون. وينوع القوافي فيجعل كل مقطع على حرف يناسب معانيه كأسلوب الموشحات الأمريكية واللبنانية بين الحربين. على أن له قصائد طويلة جدا تجاوز بعضها الستين بيتا على حرف واحد، وهذا ما يدل على قدرة ادخارية على حفظ المفردات وقدرة انتقائية في تخيرها ووضعها في مكانها المرموق، وانه لم يقسم قصائده الى مقاطع عن ضعف، بل عن نظرة فنية خاصة بالتوشيح.
وهو يكثر من نداء التحسر (( ايه)) ونداء التوجع والتفج (( آه)) (( أواه)) حتى لا تكاد تخلو قصيدة من هذه التنهدات الحسيرة وكأنها دموع تترقرق في عينين خضراوين، وينادي الله صارخا ضارعا متفجعا (( يا الهي)) ويتلهف باكيا حزينا (( لهف روحي، والهف نفسي، يا لهذى اللقيا .. وتوجعه الذكرى فيعدد لحظاتها الصافية: كم قطفنا زهر المنى، كم على قربه بنيت الاماني ما لقلبي؟ ما لعيني؟!..))
والشاعر لم يتعمد ذلك تعمدا، بل كان ينساق على لسانه من حيث لا يشعر، الم أقل لكم أنه شاعر رومانطيقي، تذكرني بعض قصائده بالشاعر الفرنسي موسه أكثر مما تقربه من لامارتين. ولو كان فوزي يتقن إحدى اللغات الأجنبية لاستقى من معينها ما جعله في جملة الخالدين.
والقصيدة على عمومها لوح فني شديد التماسك واضح التلوين صارخ بالحركة متموج بالنور والظلال لا يمكن تغيير بيت من مكانه الا بتحطيم الصورة. وقد يجمع الفكرة جمعا مكدسا في بيت واحد فلا تبدو نافرة على المسطح العام بل قد ترفعه من جهة وتخفضه من جهة أخرى حتى يتراءى كأنه مجسم تجسما كقوله:
كل بنت قبل الزواج ملاك
            وهي تغدو من بعده ابليسا

ضمني الى أن تراني
          حصرت أضلعي وانت عظامي
أضمك للصدر حتى تكاد
           لفرط اعتلاق تئن العظام

رقد العاذلون وانفرط السامر وانفض مجمع اللوام

أما وقد عرفنا شيئا عن فوزي الشاعر، فمن هو فوزي الإنسان؟! أين ولد؟ وكيف عاش؟ وماذا صنع؟ وانه لتساؤل حق فلن يفهم الشاعر فهما حقيقا ما لم نتبين معالم حياته الخاصة وأفكاره ومستواه الثقافي وسلوكه..
سنختصر الطريق، فقد ولد فوزي مع مطلع هذا القرن في مدينة حلب، وكانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف المنساحة ما بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، يرأسها الخليفة محمد رشاد، وكان والده قاضيا شرعيا ينتقل بحكم وظيفته في البلاد. ووعي فوزي منها مدينة اللاذقية وأحبها حيا ملأ عليه أحلام طفولته وعاش معه شعرا وصورا وموسيقى. وخرجت الدولة العثمانية من الحرب الأولى عام 1918 محطمة مهشمة مهيضة الجناحين وتناثرت منها ولايات ومناطق أصبحت دولا مستقلة قام بعضهما على أسس جغرافية كمصر وليبيا في افريقيا، واليمن والعراق وسوريا والسعودية في آسيا بعد كفاح مرير ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والطلياني لم يتم تمامه الا عشبة الحرب العالمية الثانية عام 1945 .
وراجت في المشرق الأدنى شعارات مختلفة بدات من اقليمية ضيقة وحطت على الوحدة العربية الشاملة. وخسر العرب بعض المعارك كانسلاخ لواء الاسكندرونة عن سوريا واستيلاء إسرائيل على فلسطين، وضياع بعض الأراضي العربية بعد عام 1967 ، ولكنهم أحرزوا نصرا كبيرا كذلك في تفتح الوعي الوطني ثم العروبي والاتجاه نحو الوحدة عملا عام 1958 وعام 1971 وفتحت الجامعات وزاد عدد البعثات الدراسية، وتفتحت آفاق الثقافة، حتى لنكاد نعتقد بأن الحركات التطورية العربية أسرع سرعة من المخططات.
وكان فوزي يرصد ذلك بقلب المثقف المؤمن ويختزنه اختزانا فنيا ولا يطلع عليه الا أخص أصدقائه. أنهى تعليمه العالي 1928 وحصل على اجازة في الحقوق من جامعة دمشق. وعين قاضيا في المحاكم المدنية، وما زال يتطور ويترقى ويتنقل في أرجاء البلاد السورية حتى بلغ سن التقاعد عام 1960 فأحيل على المعاش وعاد الى مدينة حلب مقره، وما فتئ يقرأ ويكتب وينشئ وينظم الشعر مد الله بحياته ومتع القراء العرب بدواوين متلاحقة بعد هذا ان شاء الله. تزوج فوزي وأنجب بنين وبنات أحسن تربيتهم بمعونة زوجته السيدة الفاضلة الكريمة التي لا مثيل لها بين السيدات الا نادرا في القدرة على تفهم روح الشاعر، والويل للشاعر اذا لم تفهمه المرأة. والويل للمرأة اذا حاولت أن تجعل من الشاعر إنسانا عاديا كسائر الرجال. انه كالآلة الوترية المنسوقة لا تمس وترا منها حتى ترن الأصداء من سائر المقامات جوابا وقرارا. انه الفحل الذي يشذ عن القطيع ليحلم وحده. ولا تستطيع فهمه الا امرأة عاقلة، وكان هذا من تمام سعادة الشاعر.
وفوزي ابيض البشرة نحيل أقرب الى القصر منه الى الطول تعلو أنفه الأشم نظارات تعدل أبصاره القصير، أما بصيرته النفاذة فهي في تزايد مستمر وتطاول كل يوم. يمشي هادئا ويتكلم هادئا، مع أنه عصبي المزاج الى حد الثورة. يعجبه من فنون الأدب كتب الرحلات ومكتبته عامرة بكل ما طبع باللغة العربية في هذا الفن واذا لم يزر الا مصر وتركيا فقد ساح في جميع أقاليم الدنيا على صفحات هذه الكتب وعرف من دقائقها ما لا يكاد يعرفه الا قطانها المثقفون.
قضى كل حياته قاضيا وللقضاء حرمته ووقاره، فاضطر اضطرارا إلى طي هذا الديوان الغزل قرابة نصف قرن حتى أتيح له من يشجعه ويستحثه على نشرة وإظهاره للناس فرضي على شيء غير قليل من استحياء المتواضع ووقار القاضي.
وهذا الديوان بين أيديكم أيها القراء الأعزاء، أترونه كان محقا في طيه واخفائه؟!

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here