islamaumaroc

الشباب وقضية الدين

  دعوة الحق

144 العدد

كل كبار السن في العالم، أو معظمهم، ينظرون إلى الجيل الصاعد نظرة فيها كثير من الريب والنقد .. نظرة الريب لأن فتيان العالم وفتياته أصبحوا في سلوكهم ووجهتهم في الحياة أبعد ما يكونون عن المحيط الديني الذي عاش فيه آباؤهم في مثل سنهم على الأقل ... ونظرة النقد لأن الشباب صار يرفض الخضوع لكل سلطة كما لو لم يعد في العالم إلا هم، وكأن الدول والأمم تنازلت عن حقها في التوجيه والتسيير لتترك لهم وحدهم هذا الحق.
كذلك يفكر الكبار؛ وبوجه خاص، الذين يتجهون في مقارنتهم نحو الماضي أكثر مما يلتفتون إلى الحاضر والمستقبل.

فماذا يقول الشباب؟
سل أي فتى أو فتاة في العالم قد أخذت بنصيب من العلم عن رأيها في الكبار لتقول (أو يقول) لك: إنهم جيل قد ولى عصره إلى غير رجعة والكلمة اليوم للشباب الذي يحمل روحا ثورية ويريد أن يقضي على الأوضاع الجامدة التي تحكمت آلافا من السنين في سلوك الناس باسم الدين والروح الأبوية ...

لماذا تغيرت الأوضاع؟
في الماضي وإلى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين كان جيل الكهول الشيوخ يكون نسبة عالية في جل أمم العالم، فكانت الأغلبية والحالة هذه لجيل الرزانة والمحافظة على التقاليد ... وبعد هذه الفترة ارتفعت نسبة الشباب تدريجيا مع التقدم الصحي حتى صارت في الأمم النامية والآخذة في النمو، وحتى المتخلفة، تتجاوز خمسين في المائة غالبا، فصارت الكلمة والحالة هذه للشباب في كثير من الميادين ...
إن كلمتهم تسمع في إنكلترا والسويد وفرنسا كما تسمع في أندونسيا ومصر وأمم كثيرة، وهناك وعي حقيقي بمسؤولية الشباب في المغرب أيضا ... وبينما كانت الثقافة في الأجيال الماضية تنحصر في طبقة محدودة من الشباب ليتفرغ الباقون إلى بعض الأعمال والمهن الثانوية فينسون أنفسهم في خضم الحياة ومسؤولية البيت، صار الشباب في العصر الحاضر يقبلون على العلم في مختلف أطواره وفنونه ويطمح عدد كبير منهم إلى صقل مواهبه وتنمية مداركه عن طريق التخصص.
ولم يكن الشباب في الماضي بحاجة إلى تكتلات ومظاهرات ليطالب بحق أو يفرض فكرة، فقد كانت حرية الفكر مكفولة في فترات كثيرة من التاريخ، وكانت هذه الحرية إما تلقائية أو محمية عن طريق الدين نفسه. وأهم من ذلك أن رجال الدين، وهنا تصميم لديانات مختلفة، كانوا يضربون المثل من نفوسهم في معظم الأحيان من حيث سلوكهم واستقامتهم وزهدهم في شهوات الدنيا أو اقتصارهم على الضروري منها حتى يقتدي بهم الشباب.  
ولكن تطور الزمن غير الأوضاع، فالعلماء في الإسلام الذين كانوا مشهورين بعزوفهم عن المناصب مكتفين بالتدريس والتأليف أو ممارسة بعض المهن الحرة المتواضعة أصبحوا، مضطرين أو مختارين، يتهالكون على كراسي الحكم والإدارة ويتنصلون من واجبهم في التوجيه والتوعية وضرب المثل ...
ورجال الكنائس جمعوا الأموال الطائلة وأاثاروا بتهالكهم على الدنيا استنكار المؤمنين الحقيقيين بالمسيحية، وأحدثوا بأفكارهم التقليدية رد فعل عنيف قسم المسيحية إلى طوائف ونحل.
والبوذية في الشرق الأقصى لم تتمكن في النهاية من لم شتات الأمم الخاضعة لها ولا تقوية الحماس الشعبي للنضال ضد الاستعمار حتى انطلق هذا الحماس من الشباب المثقف ثقافة حديثة، ثم صارت البوذية تعضده بكل الوسائل.
والشباب الإسلامي انصرف عن الدين في المجتمعات الحديثة:
1) لأن الذين بيدهم مقاليد الدين ترددوا بين التفتح على العالم المعاصر والتشبث المطلق بالماضي، وأمام هذا التردد اختار الشباب الطريق الأول لأنه أقرب إلى مزاجه وعقليته.
2) لأن رجال الدين على العموم لم يتطوروا في طريقتهم في التوعية ولم ينزلوا من غيابات الماضي إلى آفاق الحاضر.
3) لأن الكبار قلما يفعلون ما يقولون. لذلك فقد الشباب معظم ثقته فيهم، فالأب الذي ينصح ابنه بالصلاة وهو لا يصلي أو ينهاه عن شرب الخمر وهو يتعاطاه حتى يفاجئه ولده، أو يدعو بالثبور على من لا يتمسك بحبل الدين وليس بينه هو نفسه وبين الدين هو إلا صلة واهية، غير جدير بثقة أبنائه وغير صالح لأن يكون قدوتهم. لكن الواقع أن جيلا جديدا من الآباء بدأ يكثر عدده يوما عن يوم وهو الجيل الذي يساير أبناءه في أفكارهم ويفتح صدره لآرائهم. وأخيرا إن هناك من يشجع أبناءه على التحلل من الفضيلة  والروح الدينية مبتدئا من نفسه كأسوء مثل ...
لماذا إذا، هذه الأمزجة كلها تتعايش في عصر واحد ولكن في صراع خفي أو علني؟
إنها ثقافة العصر الحديث، بل ثقافات الأمم الحديثة، وهي على اختلاف مشاربها تمثل ثلاث معادلات متفاوتة:
ثقافة متناهية في الإطار المادي × روح ثورية عارمة = تحلل واستهتار بالقيم .
ثقافة حديثة في إطار تقليدي = تشبع مفرط بالحرية = استعلاء ورفض كل السلطة.
ثقافة حديثة مع تفتح معتدل × نظرة واقعية = حسن التفاهم .
وبالنسبة للمجتمعات الإسلامية نضيف معادلة رابعة:
ثقافة قديمة × قليل من المعارف الحديثة - روح الابتكار = حيرة ونزوع إلى الماضي.
ونقف في المعادلة الأخيرة على بيت القصيد .. أن التجربة الإسلامية في إطارها الحالي وبكل ما تتضمنه من نشاط ديني وثقافي واجتماعي وغيره لم تعد صالحة في جل مظاهرها .. فالشباب الذي يكون معظم أفراد المجتمعات الإسلامية يرى تمزقات مؤسفة تشهدها هذه االمجتمعات وليس بين يديه كامل المسؤولية ولا هو بقادر عمليا على أن يتولى كل المسؤوليات لأن الكثير منها يحتاج إلى طول خبرة.
ويشهد الشباب أن الإسلام قد فقد شخصيته كإطار للتوجيه السياسي وسائر مناحي التوجيه. وليس العيب عيب الإسلام نفسه بل عيب القوى السياسية التي تنطلق في اتجاهاتها عبر الجانب السياسي وحده.
ويتأثر الشباب الإسلامي إلى حد كبير بالصدى الذي يحدثه تطور الشباب في الأمم الغربية، وبما أنه لا توجد في هذه الأمم وحدة في التفكير ولا في الثقافة بل ولا حتى في العقيدة الدينية، فإن كل الخلافات العقائدية وكل المظاهر الحديثة في الحياة الاجتماعية واليومية تنتقل بكل مساوئها وبقليل من محاسنها إلى الشباب المسلم فلا تجد منه إلا تقبلا وسوى القليل جدا من الحماية والتحصن.
وينتحل الشباب المسلم عذرا لنفسه في كل ما يفعله ... ومن احتك منه بأمم الغرب وهم آلاف عديدة، قد وضعوا مشكلات بالغة الخطورة في حاضر الإسلام ومستقبله:
الزواج بالأجنبيات ... الهجرة والاستقرار بالخارج ... الأفكار المتطرفة في الميدان الاقتصادي والسياسي ... الانحلال الخلقي وضعف الحماس الوطني.
    ما مضمون الدين بالنسبة للشباب المسلم؟ هل هو العبادات المعتادة، أم هو التمسك بالأخلاق الحميدة التي جاءت في القرآن والسنة؟ أم طريقة التعامل الشرعي كما جاءت في نصوص الشريعة ... وهل هو تكتل ضد أي خطر يهدد مجموع الأمة الإسلامية؟ وهل هو تضامن عملي في السراء والضراء من خطب عاطفية يطول بها الوقت ويضيع كثير من الجهد.
إن الدين هو كل ذلك أو شيء من جوانبه، لأن القضية بالنسبة للشباب عميقة الغور، وهي قضية ضرب المثل في الاستقامة، والتخلق بروح التعاون والتضحية والنضال ضد الشر على جميع مستويات المسؤولية ... وعندما يكون أي مسؤول  في العالم الإسلامي يتحلى بهذه الصفات في إطار الإسلام فليس من شك في أن كلا منها سيؤتي ثماره لا بالنسبة للشباب فحسب، بل بالنسبة لمزايا أخرى تؤدي إليها، لأن الاستقامة تؤدي إلى الامتثال والشعور بضرورة أداء الواجب، والتخلق بروح التعاون يؤدي إلى التغلب على الصعوبات التي تعترض المجتمعات كأفراد، والتخلق بروح التضحية من شأنه أن يربي في النفس مزية المبادرة والابتكار، وهما صفتان قلما تشبعت بهما المجتمعات الإسلامية الحديثة، أما النضال ضد الشر فينطلق من رب الأسرة المسؤولة عن كل قطاع خاص أو عام في الدولة.
على أنه من العبث الدعوة إلى الفضيلة في مضمونها التقليدي المجرد وبالصورة الجامدة التي تلقاها الشباب قبل ألف سنة، وهي على الأصح لم تكن جامدة في وقتها ... فالدين في مظاهره المذكورة يجب أن يبدأ من المجتمعات الصغيرة: الأسرة، المدرسة، منظمات الشباب، النوادي، السينما والتلفزة ( دورهما يمكن أن يكون عظيما) .
والدعوة الإسلامية يجب أن يكون للشباب فيها كلمته العلمية والعملية، ولا أحسن من أن يكون قادة الشباب في هذا الباب من بينهم حتى يعطي القوس باريها ويضرب عصفوران بحجر واحد كما يقال.
والحقيقة أن قضية الذين بالنسبة للشباب المسلم المغربي أعمق من أن تدرس وتحل في مقال أو دراسة ... فإن للذين الإسلامي ارتباطا بأشياء كثيرة، بالثقافة والعلم والسياسة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلاقات الإنسانية، ويوشك أن يحل زمن يتولى الشباب نفسه إصلاح الأوضاع الدينية لا في الأمة الإسلامية فحسب، بل في كل الأمم التي انسلخت قليلا أو كثيرا عن تعاليمهما الدينية.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here