islamaumaroc

من مآثر السلطان المولى إسماعيل

  دعوة الحق

144 العدد

من المعلوم لدى المثقفين الباحثين أن للمغرب الأقصى - الذي كان في مقدمة الركب الحضاري خلال العصور السالفة، والذي صار اليوم في طليعة الدول النامية بفضل السياسة الرشيدة البناءة، التي نهجها قائده، وملهمه، ورائده، جلالة الحسن الثاني أدام الله نصره - تاريخا جليلا في شتى ميادين المعرفة، وحافلا بالأحداث الهامة، معظمه ما زال دفينا داخل المكتبات، العامة والخاصة منها، لم يكشف النقاب عنه بعد. وهو في حاجة ماسة إلى من يزيل عنه الستار، ويبرزه إلى الوجود، حتى يتمكن الجيل الصاعد بصفة عامة، وخاصة جيلنا، من الاستفادة منه.
ومن جملة هذا السجل الذي ما زال مغمورا لحد الآن لم يتناوله أحد من الباحثين: الحصون التي شيدها أبو النصر السلطان المولى إسماعيل المجيد العلوي (1) - قدس الله روحه - في أرجاء هذا البلد المعطاء عبر المدى هذا البلد الشاعرة ولكأنها مروج من الياسمين، والنرجس، والقرنفل، والتي تقدر حسب قول المستشرق الاسباني آسين بلاسيوس في محاضرته التي ألقاها بمليلية يوم (25 غشت عام 1933) على جماعة من القسيسين وبعض ضباط جيش الاسبان المهتمين بالبحث تحت عنوان: «حصانة المغرب الأقصى في عهد المولى إسماعيل السجلماسي (2) - « بإحدى وسبعين حصنا» (3)».

وقد ارتأينا تقديم هذه الدراسة المتواضعة إلى القارئ الكريم بصفة عامة وخاصة إلى المواطن المغربي  المثقف، النبيل، المقدام، المؤمن، بالمثل العربي القائل:
«إن للأمة آجالا وأجل كل أمة يوم تفقد حريتها وكرامتها وسيادتها وقوميتها» (4) - التي سنتناول فيها الحديث عن بعض الحصون التي لعبت دورا هاما في تاريخنا البطولي خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري ( النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي) - وفي مقدمتها قصبة «سلوان» التي أصبحت اليوم مدينة تنافس مدينة «الناضور» (5) في جميع الميادين العمرانية والاقتصادية والثقافية وغيرها، والتي هي موضع بحثنا في هذه العجالة حسب العناصر التالية:

تاريخ تأسيسها:
شرع في تشييد هذه القصبة، - «سلوان» التي أنجبت لنا عدة عظماء من بينهم القاضي عبد الحق ابن عبد الكريم الوكيلي المتوفى سنة إحدى ومائتين وألف هـ ( 86 - 1787 م) (6)، والفقيه عبد الرحمن ابن أحمد الستوتي المتوفى عام خمسة عشر ومائتين وألف (800 - 1801) (7)، والعلامة موسى بن محمد ( فتحا) بن الحسين الورياغلي الذي كان حيا عام عشرين ومائتين وألف (5 - 1806 م) (8)، وغيرهم كثير - في أواخر جمادى الأولى عام تسعة وثمانين وألف (15 - 20 جوي 1678) بأمر من السلطان المولى إسماعيل حسبما يبدو من الرواية الآتية:
قال أبو العباس أحمد بن عبد الكريم بن مالك التازي (9) - الذي تولى هندستها وأشرف [على] بنائها - ما يلي: «وقد استغرقنا في بنائها سنة وثلاثة أشهر (10».
ثم زاد قائلا بعد كلام طويل تحدث فيه عن مساحتها وما شيد في داخلها سنتعرض له فيما بعد:
«وفي أوائل شهر ذي الحجة عام سبعة وثمانين وألف (أوائل فبراير 1677 م) وصلت إلى مولانا أمير المؤمنين بطاقة مؤرخة في خامس ذي القعدة من السنة المذكورة وهي من إنشاء قاضي قبائل قلعية المحقق النحرير سيدي محمد بن عبد الخالق بن أحمد ابن حدو التمسماني (11) يخبره فيها بأن جماعة من جيش العدو أخزاه الله قد تعرضت إلى قافلة تجارية جاءت من أحواز وجدة قرب مدشر أولاد أنصار فنهبتها بعد أن قتلت ثلاثة من رجالها (12) ».
يتضح من خلال ما تقدم أن بناءها قد تم في شعبان عام تسعين وألف هجرية ( شتنبر 1679 م)، وان سبب تأسيسها هو الإجرام والنهب والتعسف الذي كان المواطنون يتعرضون له من طرف جيش الصليبية خلافا لما أورده كل من:

أ - الأستاذ الصديق بن العربي محافظ خزانة كلية ابن يوسف حاليا في تأليفـــــه «كتاب المغرب» (13) ونصه:
«بناها المولى إسماعيل لمراقبة قبائل الريف» (14).
ب - المؤرخ أبو العباس أحمد الناصري (15) في كتابه «الاستقصا» ( ج 7 ، ص: 61 - 62) أثناء كلامه عن عرب زرارة والشبانات ونصه:
«وفي هذه السنة التي هي سنة تسعين وألف أمر أمير المؤمنين المولى إسماعيل بنقل عرب زرارة والشبانات قوم كروم الحاج من الحوز إلى وجدة، لما كانوا عليه من الظلم والفساد ... وأمر أن تبنى قلعة ثالثة بطرف بلادهم على ملوية».
ج - أسين بلاسيوس الذي خصص لها فصلا هاما في محاضرته الآنفة الذكر، قد زعم أن تأسيسها كان في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري ( النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي)، ونص زعامته :
«ومؤسسها هو السلطان أبو عنان فارس المريني (1329 1358 م) (16) أثناء رجوعه من رحلته التي قام بها إلى إفريقية سنة 1357. وقد تعرض لها كاتبه الأديب ابن الحاج (17) في كتابه «فيض العباب» (18) وفيها تحصن ما بقى من جيش المغرب الذي خرج منهزما من مليلية غداة احتلالنا لها سنة 1496» (19).
يبدو واضحا أن هذا النص - الذي أتحفنا به صديق العرب حول تاريخ وجود هذه الثكنة، التي وصفها ضابط اسباني يدعى أخونيتو كرسية (20) بقوله: «إن حصانة هذه القصبة يظهر لي أقوى وأضعف مما لمدينتنا مالقة من الحصانة» (21) - لا أساس له من الصحة بل هو من نسج الخيال الذي اشتهر به بعض المستشرقين خصوصا منهم حملة الصليب بدليل قوله: «وقد تعرض لها كاتبه الأديب ابن الحاج في كتابه فيض العباب»، لأن هذا المصدر الذي أحالنا عنه - والذي توجد منه نسخة تامة في الخزانة الملكية بالرباط مسجلة تحت رقم (3267) عدد صفحاتها 352
يتخللها تقطيع في الورقة الأولى، تعتبر من النوادر - بعد اطلاعنا عليها فوجدنا [أن] لا أثر لما زعمه هذا المستشرق.

موقعها الجغرافي:
تقع هذه الثكنة الهامة - التي شهدت عدة معارك خلال العشرة الثانية والثالثة من القرن الميلادي الحالي - في الجانب الشرقي من الطريق الرئيسية الواصلة بين مدينة «وجدة» (22) و«مليلية»، بالضبط في الكيلومتر عشرة جنوب مدينة «الناضور» وسط قبيلة قلعية بالقاف المعقدة.
يحدها شرقا قبيلة «كبدانة» وغربا قبيلة «لمطالسة» وجنوبا قبيلة «بني ستوت» وشمالا قرى «الفيض» المجاورة «لتاويما» (23).
ويقدر بعدها عن «مليلية» - التي يرجع تاريخ وجودها إلى العصور القديمة حيث عرفها الفينيقيون والقرطاجنيون - بأربعة وعشرين كيلومتر، خلافا لما أورده الصديق بن العربي في تأليفه الآنف الذكر حيث قال: «على بعد ثمانية وعشرين كيلمتر جنوب مليلية»

وصفها المعماري:
بعد أن عرفنا تاريخ تأسيسها وموقعها الجغرافي من خلال النصوص التي أوردناها والتي تبدو لأول مرة حسبما أعتقد ننتقل الآن إلى الحديث عن هندستها المعمارية:
من بين الروايات التي تحدثت بإسهاب في هذا الموضوع رواية ابن العباس التازي السالف الذكر وها نصها:
«وقد جعلنا طولها وعرضها متساويين في كل منهما 150 قدما، وجعلنا لها بابا واحدا. عرضه 15 قدما، وطوله ثلاثة ونصف. وبنينا في داخلها منازل 13 . ثلاثة في الجدار القبلي، وأربعة في الجدار الشمالي، وأربعة في الجدار الجنوبي.
أما الجدار الغربي الذي تتوسطه الباب فقد جعلنا في القسم الموالي منه لمدينة مليلية - أعادها الله للإسلام - مربطا للخيل، وفي الشطر الموالي للجبل بنينا فيه محلا خاصا بالعتاد طوله 36 قدما، وعرضه كجميع الديور لا يتعدى سبعة.
أما الباقي فقد بنينا فيه مسجدا طوله 15 قدما، ومحلا خاصا بالضيوف، ضيوف الوافدين عليها من قبل أمير المؤمنين أعز الله أمره، وقد جلبنا لها الماء من العين المعروفة بعين للا حليمة وهي قريبة من القصبة » (24).
بعد هذا النص الذي أعطى لنا صورة حية وناطقة عن وصفها المعماري لم يبق لنا إلا أن نقول:
تلكم  هي المعلومات التي عثرنا عليها في شأن وجود هذه القصبة والسلام.


(1)بويع في اليوم السادس عشر من ذي الحجة عام 1082 هـ (17 مارس 1672 م) وهو يبلغ من العمر 26 عاما. وتوفي يوم السبت 28  رجب سنة عام 1139 هـ ( 29 مارس 1627 م)، ودفن بضريح الشيخ المجذوب بمكناس بعد أن عمر 83 عاما. قضى 37 منها سلطانا على البلاد. راجع ترجمته في المصادر التالية: الدرر الفاخرة ص 29 وما بعدها. دائرة المعارف الإسلامية ج 2 ، ص: 183 . الاستقصا ج 4 ، ص: 21 - 94 ، الطبعة الأولى. إتحاف أعلام الناس ج 2 ، ص: 50 وما بعدها. الأعلام للزركلي ج 1 ، ص:324 .
(2)هذه المحاضر لم تنشر بعد، توجد في خزانة خاصة أولها: «اسمحوا لي سيداتي سادتي قبل ذي بدء أن أستهل كلامي بهذه الكلمة: لو كان العرب كلهم مثل المغاربة لما بقي لنا وجود يذكر» عدد صفحاتها: 105 ، مسطرتها: 25 ، باللغة الاسبانية. ولد مؤلفها المذكور في مدينة سرقوسة ( 1288 - 1871) ومات في سان سبستيان (1363 - 1944). راجع ترجمته في الموسوعة لاروس ج 1 ، ص : 636 .
(3)قد ذكر الأستاذ السيد عبد اللطيف الخطيب رئيس الديوان الملكي سابقا في بحثه القيم «الثغور الأسيرة وجهاد المولى إسماعيل لتحريرها» المنشور بمجلة «دعوة الحق» ص: 51 . عدد : 2 سنة : 7 . شهر : نونبر 1963 . (جمادى الثانية 1383 هـ) ما يلي : «وقام مولاي إسماعيل ببناء ست وسبعين قصبة بمختلف أنحاء القطر. وجعل قسما هاما منها لحماية السواحل ...» دون الإشارة إلى المصدر الذي اعتمده في هذا المضمار.
(4)هذه الجملة أخذتها من اليومية العصرية لسنة 1968 وقد ذكر كاتبها أنها منسوبة لمحمد عبده.
(5)مؤسس هذه المدينة هو السلطان المولى محمد بن عبد الله أثناء حصاره لمدينة مليلية سنة 1774 .) راجع الحوالة الريفية ص 315 نسخة خاصة. وقد تعرض لهذه المدينة الأستاذ الصديق بن العربي في تأليفه الآتي الذكر ص: 31 فقال: «قربة الناضور الواقعة قرب مليلية على بعد 15 كيلومتر منها وهي قرية جميلة تحيط بها الجنان والبساتين ...» وأهمل مؤسسها.
(6)راجع ترجمته في الحوالة الريفية الآنفة الذكر ص : 165 - 175 .
(7)راجع ترجمته في الحوالة الريفية الآنفة الذكر ص: 175 - 183 .
(8)راجع ترجمته في الحوالة الريفية الآنفة الذكر ص: 194 - 197 .
(9)توجد ترجمته وسط مجموع معظمه تقاييد بخط أبي العباس أحمد بن شعيب الورياغلي، ص: 225 - 233 . نسخة خاصة.
(10)عن كناشه الموجود داخل المجموع المذكور أعلاه، ص:235 .
(11)هذا القاضي التمسماني لم نعثر على ترجمته.
(12)راجع هذا النص في ص: 236 من المجموع السالف الذكر.
(13)هو: «سلسلة اعرف بلادك رقم 3 . موجز عن جغرافية المغرب وتاريخه وسكانه وقبائله مع معلومات عن مدنه وقراه ومراكزه الحديثة. ووصف الطرق الرابطة بين مختلف أجزائه»، طبع بالمطبعة الاقتصادية بالرباط.
(14)إن معظم الروايات تقول: إن السلطان المولى إسماعيل قد جرد جميع قبائل المغرب بالسلاح ما عدا قبائل الريف، وفي مقدمة هذه الروايات رواية الإمام اليوسي التي تقول: «من بين المميزات الحميدة التي يتصف بها أبناء الريف الوفاء بالوعد والطاعة لأمير المؤمنين، والغيرة على البلاد، بلاد المغرب كله. راجع هذا النص في كناش أحد الشرفاء الوازنيين الموجود حاليا بخزانتهم بوزان، ص: 75 ضمن مجموع يحمل رقم: 35 .
(15)توفى رحمه الله عام (1315-1897 م). راجع ترجمته في الجزء الأول من كتابه المذكور، ص: 9-52 . طبعة دار الكتاب.
(16)راجع ترجمته في الاعلام ج 5 ص:323 . وجذوة الاقتباس ص:314 - 316 . الحلل الموشية ص: 134 .
(17)هو إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم النميري يكنى أبا القاسم ويعرف بابن الحاج (713 - 768 هـ  - 1313 - 1367 م) . راجع ترجمته في الجذوة ص: 87 . الإحاطة ج 1 ص: 193 . الاعلام ج 1 ، ص: 42 - 43
(18)اسمه الكامل: «فيض العباب، وإجالة قداح الآداب، في الحركة إلى قسنطينة والزاب».
(19)انظر ص : 49 من المصدر المذكور.
(20)هذا الضابط قد ترجم له بلاسيوس في كتابه الآنف الذكر ص 55 - 57 فقال فيه ما يلي «وناهيكم بهذا البطل المغوار الذي لعب دورا خطيرا في هذا السبيل (يعني قسم الاستعلامات) من أجل السعادة سعادتنا وسعادة أبنائنا» .
(21)أنظر ص 56 من المصدر أعلاه.
(22) مؤسسها هو زيري بن عطية المغراوي سنة 384 م . راجع كتاب المغرب ص 93 .
(23) من بين الحصون التي شيدها الاسبان فأبدعوا في تشييدها هذا الحصن المسمى «تاويما» يقع في الكيلومتر 2 جنوب مدينة الناضور.
(24) عن كناشه الآنف الذكر ص 236 .


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here