islamaumaroc

شاعر من أبوللو

  دعوة الحق

144 العدد

حسن كامل الصيرفي :

صدر ونور ودمع
                 شعر له القلب نبع
ما زيفته براع
                  ولا تخطاه طبع
في كل مطلع فجر
                  له مع الطير سجع
وكل نسمة عطر
                له مع الزهر فرع
رتلته في خشوع
               والشعر للروح شرع
صلاة روح كريم
                للحب والخير يدعو
بهذه الترنيمة الملائكية من شعر الشاعر الكبير حسن كامل الصيرفي يبدأ ديوانه الجديد، وقد سماه ((صدى ونور ودموع)) وتلكم الأقاليم الثلاثة لوجد أن الشعر في صوته الذي يتغلغل عبر الأرواح، وضوئه الذي يشيع الفرحة في النفوس، ونبعه المحزون الذي تفيض به المدامع ليكون بلسما لجراح القلوب.
عرفت الشاعر الأستاذ الصيرفي منذ سنين وأنا بضفاف بردي موهوبا جادت عليه ربة الشعر بمعطيات الإلهام التي لا تفني، وكنت أحدث نفسي بلقائه، فلما ضمتنا ضفاف النيل عرقت القيثارة بعد أن ترامى صداها الحنون على ديار الشام، وهذا أنذا أشاهدها واضعي إليها وهي تتلعب بنياط الفؤاد.
يقسم ديوانه هذا الجديد ثلاثة دواوين في واحد. في انسراح لحن عذب ذي أناشيد ثلاثة، فهو يضم شعره الوجداني في التوله والحب وفي الوصف والتأمل وفي الفكر الفلسفية والمعاني الوطنية. اما المجموعة الأولى من هذا الديوان التي سماها ((رجع الصدى)) فانطلاقات سوامق عبر الخيال وفي سديم الوجود، حيث ينبغي أن يعيش الشاعر تناغيه الأصوات العلوية التي يعيدها لبني الإنسان الفاني فيخفف في هذا الوجود من شقاوات البشر حين يسدرون صامتين إلى صوت شاعر، وما الشاعر الا زهرة تفوح في بستان الخالق لتعرب عن قدرته في صوغ الذهن، ومنحة الفكر وتراتيل الخالدين.
وشاعري رجعات صداه هي مردود ما أعطاه الوجود حيث يقول:
غسقت بالصمت خداع الدنى
وجزت بالصمت سراب المنى
وعدت منه قانعا مؤمنا
والصمت يوحي سحره بالجلال
                           ويغمر النفس بعذب النسم

فارجعي لي يا عذارى الخيال
                           صدى لحوني من وراء السدم

ولقد كان فيكتور هوغو يذهب بي صعدا في ديوانه (( التأملات)) وفي (( أسطورة القرون)) فأحس أن جناحا ركب لي واني خففت عبر الهواء معه. واني أحسست هذا الشعور نفسه حين قرأت هذا الشعر وأشباهه في ديوان الصيرفي.
لقد حمل الصيرفي رسالة الشعر الحديث مع صحبه أبي شادي وفوزي وشفيق المعلوفين، وعلي محمود طه وابراهيم ناجي ومحمود حسن اسماعيل وعمر أبو ريشه، وسواهم من أفذاذ الشعر الحديث ليوصلوا هذه الرسالة إلى الجيل الصاعد. والأستاذ الشاعر الصيرفي بقية جماعة أبوللو الذين جددوا نهضة الشعر العربي المعاصر وأعطوه روح البقاء في القرن العشرين بعد أن منحه هذه الروح الخالدون الثلاثة: شوقي وحافظ ومطران.
ولكم رحت مطمئنا على الشعر العربي القديم حين نظرت في هذا الديوان الذي رأت النور مجموعة لتطل على العام الجديد بالشعر الطريف الرصين، فان للشعر العربي محنا تعتريه وتنزل بساحته كما تنزل الأمراض الوبيلة بالجسوم فينهض شاعر كالصيرفي يخرج للناس ديوانا فاذا هو نعيم الحياة في جمال الشفاء.
هذا هو الشعر العربي الذي ينتظره العرب في القرن العشرين ليعتزوا به في العروبية ويكاثروا آداب الأمم وانا زعيم أن هذا الشعر اذا ترجم الى اللغات الحية أساغه أهلوها ووجدوا معانيه في مصاف المعاني التي يجيدها شعراؤهم المشهورون.
وفي الديوان من جزئه الثاني الذي سماه الصيرفي (( حول النور)) قصيدة الجبابرة. ومن هم هؤلاء الذين نطحوا بجبابهم النجوم؟ .. انهم الأبطال المناجيد الذين وقفوا في وجه القائد البريطاني ((أرسكين)) حين هجم على مدينة ((السويس)) عام 1951 . فراح الشاعر الصيرفي في تهكم فيلسوف يقول للقائد المندحر:
هذي الشجاعــة نلتـهــــا
                        مـن أي داهيــة أريــب ؟!
ترغي وتزبــد في القنـاة
                          كعاصـف الـيم الغضـوب
قل للجنود الدارعين الكاشفي زرق النيوب
يترقبون خطـى الطريــــــق
                          ويفزعـون مـن الدبيـب
ويفاجئـون الآمنيـــــــــــــن
                         بطعنة اللص الهـريــــب
هلا التقيتم بالعتاد الضخم في وسط اللهيب
ميدان (( كوريا )) واسع
                      كاف لابطـال الحروب
وإذا أعربت عن غبطتي لهذا الديوان، قلت أن الدولة المكينة لا ينفعها في نهضة الأدب الا ما كان من الشعر الرصين يغني أصحابه لحونه الخالدة ويحققون آمالها الصاعدة ويشيدون لها بلغتهم المبينة وفكرهم العميق ما يصل تراث العروبة بماضيها العظيم.

                                       الأخطل الثاني
                                     وشاعران حديثان

كان الشاعر الأعظم (( أبو الطيب المتنبي)) يقول: (1)
وفؤادي من الملوك وان كان
                             لساني يرى من الشعــراء
اذن فالشعراء ملوك، ففيم سمي أدباء القرن العشرين ونقادة الشاعر الكبير الأخطل اللبناني العربي بالأخطل الصغير. ولصق به هذا اللقب حتى غرب جسده عن دنيانا وبقيت روحه مدومة في سماء الشعر الخالد وعليها هذا الميسم ((الأخطل الصغير)).
انني لا أرغب أن أقول بهذا، فأنا اسمي بشارة الخوري بالأخطل الثاني.
ولعل موسما شعريا كان هو الشهر الذي ترك فيه الوجود الشاعر الأخطل في العصر الحديث الذي عاشت تناغيه ربة الشعر وتلهمه وهو في سفوح لبنان وعند شطوط الأبيض المتوسط منذ فاتحة هذا العصر، وكان جبل ((الأولمب )) في عهد الإغريق الذي كان مهبطا لإلهام الشعراء أبت الطبيعة الخيرة أن تحرم قيثارة الإنسانية أغانيه الساحرة فنقلته الى الجانب الشرقي الأوسط من الحوض المتوسط وحطت به هناك فأنبتت عليه أشجار الصنوبر ونسجت البساتين المعلقة وأفاضت الينابيع العذبة الدافقة وسمته ((لبنان)).
في تلك الربوع اليانعة وجد الأخطل الصغير وقد سمي بذلك مقارنة له بالأخطل الكبير الأموي الذي كان ثالث الشعراء الذين استولوا على أمد الشعر في عصر بني أمية، بل لعله كان أولهم، ولست بسبيل الكلام عن نشأته وثقافته في وجيز من القول وبحسبه من شعر شاعر لبنان مزيجه بالهوى والشباب والأمل المنشود.
ان العالم العربي احتفل بتكريم الأخطل الصغير ببيروت وأسهم في هذا التكريم مندوبون من بلاد العرب كافة، فيعود الى الذكرى اليوم العظيم الذي عرفته ضفاف النيل في تكريم شوقي أمير الشعراء، وكم كان لبشارة الخوري شعر رضي في تمجيد شاعر العرب الأكبر شوقي الخالد، واليوم يحين عرس الشعر من أجل أخطل العرب الحديث. قد كنت في فيعة الشباب ولداتي  تأنس بشعر بشارة الخوري وكتبت في كراستي أبياتا له مثلما كتبت لحافظ وشوقي، غير أن تلك الأبيات اللواتي يصدر فيها الأخطل في حسراته من أجل غانية هاجرة كانت على تأثيرها في تشعرني أن هذا الشاعر يريد أن يضع الشعر تحت أقدام الغواني، كان يقول:
 بلغوها اذا أتيتـم حمـاهـا
                           انني مـت في الغـرام فداهـا
واذكرونـي لهـا بكـل جميـل
                              فعسـاهـا تبكـي علـي عساهـا
ان روحي من الضريح تناجيهـا
                               ونفسـي تسيـر أثـر خطاهـا
فاصحبوهـا لتربتي فعظامـي
                             تشتهـي أن تدوسهـا قدماهـا
وظل نغم الغزل عند الأخطل الصغير يتقلب على هذه اللحون بين البكاء والعويل والنفوس المكدودة، ولست أنكر أن هذا الشعر وأضرابه قد أثر في جيلنا فكنا نتمنى أن يهدهد أحاسيسنا شعر وطني كالذي جاء من هذا الشاعر وغيره في العهود الأخيرة، ولست أنسى تلك الحملة الشعراء التي حملها الفيلسوف والكاتب أمين الريحاني على الأخطل وأنداده أهل أشعار البكاء.
والأخطل الحديث يعتبر في تاريخ أدبنا المعاصر قمة من قممه وحصنا من حصونه في الشعر العربي بعد شوقي.
وقد كنت من أوائل القائلين في تكريم النوابغ الأحياء بديل أن يحمل الندابون مناديلهم السود بعد موت العباقرة فيقيمون مراثيهم ويعظمون مآثرهم وقد عاشوا معهم وهم أحياء لا يمنحونهم الود ولا التكريم.
ومن الجميل في ذلك الموسم أيضا أن يوافيني شاعران حديثان لما أطلعا من الشعر وأحدهما الشاعر الموهوب الدكتور كمال نشأت الذي صنع أنشودة الطريق بديوانه الجديد، وقد صدر ديوانه هذا العام. ومعرفتي بالشاعر كمال نشأت ليست جديدة، فكان أول لقاء لي به على جسر الجيزة فوق النيل، فقد سرنا في هفهاف مساء شاعري كان عنوان المعرفة والصداقة. وشعر نشأت يريد أن يكون جسرا بين القديم والحديث، وأعجب ما أرى من الأدباء والشعراء ايثارهم في لبوس الأدب لبوس الجسم، فإذا شاع ضرب من الشعر الموهوم الذي تضطرب أقسامه وتصطخب موسيقاه أغرى غير أهله به. وقد وجدت الشاعر ذا نزعة وجدانية ووطنية في ديوانه الجديد وبحسبه أن يجتذبني إلى قصيدته المطلقة التي وجهها الى بنته ((نهاد)) في أعياد الجلاء، فهو فيها يقول:
بنيتــي
اليوم في تاريخنا منــور بهيــج
والنـاس في سـرور
كأنهــم طيــور
وأنت لا تدرين ... لا تدرين ما يدور
وفي غد ستقرئين هذه السطور
وتعرفين قصة الكفــاح والفــداء
وقصة الجـلاء

فاليوم يا صغيرتي تحـرر الوطـن
وأصبحت نفوسنا كهذه السماء
عبقة .. شفيفة .. تجود بالمطر.
والديوان الثاني تحدوه الحانة وأسمه (( مزامير)) للشاعر الوطني الأستاذ محمد هارون الحلو ـ وشعره آخذ بالنزعة العربية وماض على الصراط المستقيم قيد فيه أشتات الصور الوطنية والاجتماعية التي برزت في العهد الأخير في أرض النيل وبعض البلاد العربية.
وما نظرت في ديوان شاعر عربي في مصر الا ورحت أقلبه لأرى صور الفنون في أرضه وسمائه، وكم كنت أطرب لشعراء النيل وكذلك طربت للشاعر محمد هارون حين راح يقول في الكوثر الخالد:
أمان، وأحلام، تراق وتنثر
                         يفيض بها هذا النصير المطهر
جرى بين اعطاف المروج مباركا
                            يشعشعه نفح من الخلد مسكر
ترف به الأنسام ولهى رضبـة
                          يضخمها من كوثر الخلد عنبر
أرى الماء مابين الظلال مرقرقـا
                           وكم شاقني فيه خيال، ومنظر
هو الروح للوادي، وماء حياته
                            وشريانه، والرزق فيه مقدر
إلى أن يقول:
فيا نيل حدثني ولا تكتم الهوى
                       فان الذي تخفيه منه سيظهر
وهي قصيدة طويلة ومن امتن الشعر الم الشاعر فيها بوصف النيل وضفافه وخيراته وفاته شيء واحد ولعله قوام النيل وسر حياته وحياة أرضه كلها وهو فيضان النيل، فلم يصف الفيضان ولا مواقيته ولا آثاره في الجود والخصب بواديه الجميل، ولم يخل الديوان من شعر في الوصف والغزل، وفيه قصائد حماسية مقرونة بتاريخ الأحداث الوطنية وحفاوة بحركات الفتوة حتى كدت أسمي هذا الشاعر (( شاعر الفتوة)).


(1) صدرت عن دار المعارف بمصر لعام 1972 الطبعة الرابعة من كتاب المتنبي  لصديقنا الدكتور زكي المحاسني ( دعوة الحق).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here