islamaumaroc

[كتاب] عصر المنصور الموحدي، لمحمد رشيد ملين

  دعوة الحق

144 العدد

صدرت أخيرا الطبعة الثانية لكتاب:
((عصر المنصور الموحدي أو الحياة السياسية والفكرية والدينية في المغرب من سنة 580 الى 595 هـ  )) عن مطبعة الشمال الإفريقي بالرباط تحت عنوان : (( العصور الذهبية المغربية )) للأستاذ السيد محمد رشيد ملين ..
ولا يعني صدور هذا الكتاب في طبعة ثانية في هذه الظروف بالذات جانبا واحدا، ولكنه يشير في الأساس الى مدى الاهتمام الزائد الذي يستبد بالطلبة والباحثين المغاربة وغيرهم بالموضوعات المغربية الصميمة وخصوصا المتصلة بالعهود الإسلامية الأولى.
والكتاب يقع في 164 صفحة من الحجم المتوسط بتقديم للعلامة السيد عبد الله كنون في حين يتناول الكتاب بالبحث الحياة السياسية والفكرية والدينية في المغرب من سنة 580 هـ إلى سنة 590 هـ ( 1184 م ـ 1193 م) بينما قسمت موضوعاته الى:
أولا ـ قسم يتناول الحياة السياسية ويشتمل على فصول ثلاثة.
ثانيا ـ قسم ثان ويتناول الحياة الفكرية ويشتمل على اربعة فصول.
ثالثا ـ أما القسم الأخير فيتحدث عن الحياة الدينية في عصر المنصور الموحدي.
أما الكتاب فيصور ـ كما قال العلامة السيد عبد الله كنون في مقدمته ـ (( عصر المنصور الموحدي بما ازدهر فيه من حضارة، وعلم، وأدب وفن، وما كان للحياة السياسية فيه من مفاجآت آلت كلها إلى انتصارات باهرة، وما طرأ على الحياة الدينية من تطور نتيجة لقيام الدعوة الموحدية، صور لنا المؤلف كل ذلك بمثل ريشة الرسام الماهر وهو يبحث ويدرس ويحقق، من غير أن يتورط في اختلاف الروايات واضطرابات المؤرخين، ويثقل هوامش الكتاب بالمراجع والتعاليق، فجاء عمله تحفة أدبية نستهوي المثقف وغيره، ويستفيد منها الدارس والقارئ العادي، وتلك ميزة لا تتحقق إلا للقليل من الكتاب (1) )).
أما موضوعات الكتاب فقد تناول فيها المؤلف بعد التمهيد الكلام على الحياة السياسية في المغرب بشيء غير قليل من التفصيل ..
وأما موضوعات الكتاب فقد تناول فيها المؤلف بعد التمهيد الكلام على الحياة السياسية في المغرب بشيء غير قليل من التفصيل ..
وأما عناصر البحث في موضوعه فمتنوعة، وموضوعية، وهي تستوعب وجوه النشاط ومجالات العمل الذي قام به المنصور ليجعل من عهده عصرا ذهبيا في تاريخ المغرب العربي مما جعل فصوله كأنها 
حلقات متسلسلة من قصة ممتعة لا يشعر القارئ معها بأدنى سأم أو ملل، ولا يفرغ من قراءة فصل حتى يكون قد قامت عنده رغبة ملحقة لقراءة الفصل الذي يليه، ولنشر إلى الفصل المعنون ببعض مظاهر الثقافة في عصر المنصور، فانه على تركيزه واشتماله على أدق المعلومات في الموضوع يكاد يكون مقالا وصفيا أو استعراضا صحفيا لأسلوبه الخفيف المشرق، وهو في الواقع بحث عميق ودراسة مستوفية (2) تلقي الضوء على حقبة ذهبية من تاريخ المغرب الحافل بالموقف العظيمة سواء في الحرب أو السلم، في رفع راية الحفاظ على الكيان أو تمهيد سبيل الحضارة.

                                    مع فصول الكتاب
يتناول الكتاب، كما أشرنا من قبل، الى ثلاثة جوانب:
الحياة السياسية  وتتناول خمسة فصول : شباب وعرش، ابن غانية يهاجم، المنصور يسترد بجاية، المنصور بافريقية، حروب المنصور في اسبانيا.
الحياة الفكرية وتتناول أربعة فصول: بعض مظاهر الثقافة في عصر المنصور، واللغة والنحو والدب في عصر المنصور، والشعر في عصر المنصور، والعلوم في عصر المنصور.
الحياة الدينية ويتناول هذا الجانب: الحياة الدينية في عصر المنصور.
واذا ما انتقلنا مع الأستاذ ملين في جولة عابرة لفصول كتابه فإننا نتوقف عند قوله: (( للبحر الأبيض المتوسط في تاريخ المدنيات أهمية كبرى فمنذ فجر الحضارة الإنسانية لم ينفك ميدانا خصبا. ومجالا فسيحا لتطور بني البشر.
فبعدما ما مخر عبابه أساطيل فنيقيا، وقرطاجنة وأضاءت ضفافه علوم أثينا وفلسفتها، ورددت شواطئه صدى أقدام جنود روما وجبروتها، وانبثق من الشرق قبس من نور سماوي انتشرت أشعته نحو هذا البحر، فانقشعت غياهبه وأشرقت على سكان ضفته الجنوبية فأنارت قلوبهم للهدى فأمنوا وأسلموا بعد أن عاشوا القرون الطوال في الجهالة يعمهون.
ذلك القبس هو الوحي المحمدي، آخر صلة بين الأرض والسماء وأقواها، ونهاية الرسالات والنبوات وأزكاها، بما تلقى بنو البشر آخر بشير ونذير، بشر المؤمنين بسعادة الدارين، ففرحوا بما آتاهم الله من فضله وانذر الكافرين عذاب الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين)) (3)
   أما الفصول المتعلقة بالحياة السياسية فهي تتناول بعض مظاهر الصراع الذي كانت لا زالت بعض آثاره ظاهرة بين المرابطين والموحدين، وظهور بعض الفتن كظهور ابن غانية ..
ويتحدث الكاتب عن رجوع يعقوب الى اشبيلية بعد أن خاض معارك للفتح مما دعى صاحب قشتالة وحلفائه الى الرغبة في السلم والمهادنة، في حين كان قد استفحل أمر ابن غانية وهجومه على أطراف المملكة ..
(( ثم ارتحل الى العدوة (4) وقصد عاصمتها في سنة ( 594 هـ/ 1197 م)ويظهر أن خبر عبوره الى المغرب كان كافيا لإقناع بني غانية  بالكف عن متابعة هجوماتهم على إفريقيا، اذ التاريخ لا يحدثنا عن حركة للمنصور نحو الشرق في سنة 954 هـ بل بقي ملازما لحاضرة مراكش (5) )).
وفي حديثه عن الحياة الفكرية ومدى طابع هذه الحياة العقلية وأثر ابن تومرت في تنميتها ثم الجهود الجديدة التي ركزها المنصور الموحدي لبلورة مظاهر الثقافة والوسائل الجديدة التي أدخلها على هذه الحياة بتنظيم مجالس العلماء، وإحداث بيت الطالب ومراقبة الدروس وإنشاء مراكز الثقافة، ومحاربة المنصور للأمية في المدن والبوادي وإنشاء حركة تعليم البنات، وتنظيم خزائن الكتب، وغيرها من 
مظاهر المشرقة التي أحدثها المنصور والتي كانت طابع عصره الذهبي وخصوصا في المجال الثقافي حيث عمت المعرفة والوعي ونشر التعليم في جميع الطبقات، وشمل سائر الأمة، ولم يكن موقوفا على الرجال دون النساء، بل كان يشمل الجنسين، ويفيد الطرفين .. فتميز هذا العصر بظهور أعلام في مختلف العلوم كالسهيلي وابن زهر وابن رشد وبن فرحون وفاطمة بنت عبد الرحمان بن محمد القرطبي، وهي من أبرز علماء وقتها وأقواهم على المجادلة)) (6).
أما مظاهر الحياة الدينية فقد تميزت بطابع حركة الموحدين باعتبارها حركة دينية مبنية على نسبة الأمامة لابن تومرت، وإذا كانت دعوة الأمة هي الفترة الأساسية التي أصيب بها الموحدون .. فلقد كانوا على مذهب أبي الحسن الأشعري في أكثر مسائل الاعتقاد، الا ما كان من صفات الله، فان ابن تومرت خلافا للأشعريين كان يقول بنفيها، ويغلب على الظن ـ يقول الأستاذ ملين ـ أنه كان يرى فيها رأي ابن حزم الظاهري.
كذلك كان المنصور وكما اشتهر عنه ـ وهو أيضا متواتر ـ أنه (( كان يجد لذة فائقة في الاستماع إلى آيات الذكر الحكيم، يرتلها مقرئ مجيد، ولهذا الغرض قرب إليه عددا من المجودين، يسمعونه أثناء مقامه بعاصمته، ويصاحبونه في أسفاره، وقد رأينا أن الخليفة الموحدي كان كلما ارتحل لا يزال القرآن يتلى بين يديه الى أن يصل إلى هدفه، فمن المقرئين الذين كانوا يتقدمون بين يدي المنصور للتلاوة: نجفة بن يحيى بن خلف الاشبيلي المتوفى سنة 591 هـ ولقد استدعاه المنصور الى حاضرته، فاستوطن مراكش وقرأ بها القرآن، ولما هاجم ابن يوسف افريقيا لمطاردة ابن غانية كان نجفة من جملة المقرئين الذين صاحبوه، ويظهر أنه كان يرافقه في كل حركاته، فلقد توفي في حاشية المنصور والجيش في طريقـــه إلى الأرك، وذلك سنـــة 591 هـ)) (7) .
وبصفة عامة فقد كان المنصور يعمل على الاحتفاظ للقرآن وللسنة بمنزلتها الرفيعة التي لا يجوز لأي كتاب أو أي رأي أن يسمو إليهما .. حتى أصبح لعلم التفسير في هذا العصر شأن بارز وأهم التفاسير التي اعتنى بها المغاربة في عصر المنصور هو تفسير بن عطية (8)، وفي هذا الكتاب لخص ابن عطية التفاسير الموجودة يومئذ، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة. فجاء تفسيره من أحسن ما جمع في هذا المجال حتى أصبح الطابع العلمي لهذا العصر الذي جمع بين العبقرية والعظمة.
ولقد دعا (9) صاحب الجلالة أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله علماء المغرب الى تصحيح هذا الكتاب وتهييئه للدراسة باعتباره رمز عصر من أعظم عصور المغرب الذهبية، وذلك ما سيتحقق قريبا بحول الله (10).

                                       عودة الى الكتاب
وكتاب الأستاذ ملين هذا (( عصر المنصور الموحدي ..)) المطبوع بالطبعة ( المحمدية) بالرباط سنة 1946 لم يكن كتابا عاديا قام مؤلفه بكتابه موضوعاته تحت عامل الرغبة في الكتابة، ولكن كتاب الف من أجل أن يشارك به كاتبه في الجائزة الأدبية التي كانت تنظمها مجلة (( المباحث)) التونسية الخاصة بالأدب والفن والتاريخ والفلسفة ( يبراير 1946).
وفعلا فقد فاز هذا الكتاب من بين سبعة كتب قدمت للسباق بستة أصوات من سبعة كانت تتألف منهم لجنة التحكيم.
كما كانت الجائزة الثانية لكاتب مغربي آخر هو الأستاذ الكبير السيد محمد بن عبد الهادي المنوني على كتابه: (( دور الكتب في ماضي المغرب الأقصى)).
وقد صدر بيان (11) لجنة التحكيم وسجل بخصوص فوز كتاب الأستاذ ملين ما يلي:
أولا : أسفرت المباراة عن فوز السيد محمد الرشيد ملين بالجائزة وذلك بستة أصوات من سبعة ..
ثانيا : (( ابتهجت اللجنة لما ظهر في قطر المغرب الشقيق من بوادره نهضة فكرية منتجة خصبة تنبئ بعودة الثقافة العربية الإسلامية الى الازدهار بكامل شمال افريقيا من أدناه الى أقصاه)).
ثالثا: (( وهي سعيدة بأن تقدم إلى المغرب الشقيق أصدق تهانيها بفوز أحد أبائه العاملين في هذا السباق))(12).
وبعد فلا أحتاج الى تهنئة الأستاذ ملين بمناسبة صدور طبعته الثانية فيكفيه أن الكتاب الذي نقدمه اعتبر من طرف لجنة من (( خيرة علماء الخضراء))..
(( من بوادر نهضة فكرية منتجة خصبة)) وما أحوجنا اليوم الى درس مثل هذا الموضوع خصوصا وان القارئ المغربي أصبح يعرف اليوم كل شيء عن غير بلاده، ويسأل عن ما يتصل بهذه البلاد.


(1) نفس المصدر.
(2) المقدمة.
(3) المقدمة.
(4) نفس الكتاب ص: 3
(5)  الأندلس
(6)  نفس الكتاب ص: 157 .
(7) نفس الكتاب.
(8) نفس الكتاب ـ ص: 246 .
(9) هو عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي قاضي المدية المتوفى سنة 541 هـ
(10) 13 رمضان 1388 / 14 دجنبر 1968 .
(11) انظر جريدة ((الأنباء)) ( ع: 1703 / 26 / 6/69 ) ص : 3
(12) نشر في مجلة (( المباحث التونسية)) ( ع: 23 السلسلة الجديدة يبراير 1946 صفحة: 12)

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here