islamaumaroc

الأسرة في الشريعة الإسلامية -2-: المرأة في الإسلام

  دعوة الحق

144 العدد

ان المرأة هي حجر الأساس والدعامة الكبرى التي يقوم عليها بناء الأسرة، فهي التي تكفل للأسرة حياة يسودها سكن النفوس واطمئان القلوب: وهي التي لها أثر كبير في الناشئة : فمنها يتعلمون، وبأخلاقها يتخلقون، فإذا كانت المرأة صالحة مستقيمة، عاقلة مدبرة، نشأ أولادها على خلالها وتأثروا بأخلاقها، وتطبعوا بطبائعها، وكانوا في مستقبلهم نافعين لأنفسهم وأمتهم وإذا كانت غير ذلك انعكس الحكم بالنسبة لأولادها.
لذلك اعتنى الإسلام بالمرأة أكمل اعتناء، واهتم بها بنتا مكرمة، وزوجا صالحة، وأما مربية فجدة معظمة، ومن حرمت الزوجية أو الأمومة لم تحرم الكفالة والكرامة في ظل الإسلام، وبذلك ضمن لها الحماية والرعاية عند مرضها وعند زواجها، وعند عجزها وشيخوختها، فهو بحق دين المرأة ودستورها المكتوب، أفاض عليها ضروب التكريم والتقدير وأنصفها ومتعها متاعا حسنا، ومنحها من الحقوق ما لم تحلم به من قبل في قانون سماوي أو وضعي فقد أمتن الله على عباده إ‏ذ بعث سيدنا محمدا صلى الله عليه و‏سلم بدعوتهم إلى عبادة الله وحده، والى إصلاح أنفسهم التي أفسدتها التقاليد والعصبيات وكان للمرأة حظ كبير من هذا الإصلاح لم يسبق الإسلام به دين، ولم يبلغ شأوه تشريع.

المرأة قبل الإسلام
‏فقبل الإسلام كانت المرأة العربية مهضومة الحق، أسيرة تباع وتشترى، يتصرف فيها المالك كما يشاء كالمتاع، وهو يجعلها تارة ثمنا، وتارة مثمنا، ويرهن عليها ويقامر بها، ويفعل بها كما يفعل بأعز مال عنده أو أحقره لديه.
‏وكانت تكره على الزواج إكراها دون شفقة ولا رحمة، فلا رأي لها ولا ‏كلمة، إذ كان بعض الآباء وأولياء الأمور في الجاهلية يتحكمون في بناتهم، فيمن لهم عليهن الولايات من الأيامى فيزوجوهن بدون اخذ رأيهن ولا تعرف البنت متى تتزوج ولا كيف تميز زوجها من غيره قبل أن يدخل بها.
‏وكانت ترغم على البقاء إرغاما، وتدفع إلى هذه الحماة القذرة دفعا، وهي مشلولة الحركة ‏لا تدري إلى أي جحيم تدفع ولا أي فساد ترغم عليه، إنها إهانة كبيرة للأسرة، ووحشية فظيعة يقوم بها هؤلاء الذين يذبحون فتياتهم في مذابح الشهوة والغريزة، ويريقون ماء وجوههم رخيصا ضائعا في ميدان الإثم والدعارة، فلا يكون للعفاف وزن، ولا للفضيلة قدر،  ولماذا يكرهون فتياتهم على الزنا ؟
‏لقد أجاب الله ‏على ذلك بقوله : " ‏ولا تكرهوا فتياتكم على البقاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ".

وكانت بعض القبائل العربية تئد البنات فتدفنهن أحياء خشية الفقر أو العار، أو خيفة أن يطمع فيهن غير الأكفاء، فكان منهم من يذهب بها عقب وضعها، ويحفر الحفرة التي تصبح لها قبرا، ولقد بلغ من جفوة هؤلاء أن يذهبوا بنسائهم قبل الوضع إلى الصحراء ويحفروا لهن الحفر، وتجلس المرأة على الحفرة حتى إذا جاءها المخاض، فإن كان ولدا عم السرور وشاع الفرح والحبور، وإن كانت أنثى أهيل عليها التراب. ‏
وكان بعض قبائل العرب في الجاهلية يقر طريقة استيلاء الرجل على المرأة بالقوة ويبيح له إذا نجح في مغامرته وانتصر على من حاولوا مقاومته أن يعاشرها معاشرة الأزواج، وينزل هذا الاستيلاء منزلة عقد الزواج، لا فرق في ذلك بين أن يكون حدث هذا الاستيلاء في حرب نظامية أو عن طريق المباغتة والخطف والى هذا يشير حاتم الطائي إذ يقول في قصيدة له .
      فما أنكحوها طائعين بناتهم
                 ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا

وتقر هذه الطريقة كذلك الشريعة البرهمية، فهي تعتبر الاستيلاء على المرأة بالقوة وسيلة مقروءة لاتخاذها زوجة في طبقة الكشتريين أي رجال الحرب، فقد ورد في الكتاب الثالث من قوانين مانو أحد أسفارهم المقدمة انه "إذا استولى رجل على امرأة بالقوة وسباها من منزل أهلها وهي تبكي وتصرخ في طلب النجدة وانتصر على من حاولوا ‏مقاومته فقتلهم أو جرحهم، فان طريقته هذه تسمى طريقة الجبابرة أو العمالقة".
‏وكانت المرأة تورث ولا ترث عند بعض القبائل العربية : فلم يكن يؤول إلى النساء شيء من مال الرجال إرثا، وكان الرجال يقولون في ذلك. لا يرثنا الا من يحمل السيف ويحمي البيضة، وكان الرجل يرثه أبناؤه دون بناته‏، فإذا لم يكن له أبناء ورثه الأقربون إليه من أوليائه، ويؤول إلى هذا الوارث القريب بنات المتوفى ونساؤه جميعا لأنهن في نظر الجاهلية من أموال التركة، إذ يأتي هذا الوارث ويلقي ثوبه على زوجة مورثه ويقول: "‏ورثتها كما ورثت ماله" وبهذا يكون أحق بها من كل أحد، وأما إذا ذهبت إلى بيت أبيها مثلا قبل أن يلقي الوارث ثوبه كانت هي أحق بنفسها، وقد أخذت بهذا النظام كذلك شريعة اليهود، ولا يزال العمل يجري عليه بين طوائفهم في الوقت الحاضر، وقد نص على ذلك سفر"التثنية"، وهو أحد الأسفار الخمسة التي يزعم اليهود أنها التوراة)  إذ يقرر أنه إذا توفي شخص بدون أن ينجب أولادا ذكورا تصبح أرملته (وهى المسماة عند اليهود "ياباماه") زوجة تلقائيا لشقيق زوجها أ‏و أخيه لأبيه، ويسمى في الشريعة اليهوديــــــة « يا بام ») وتجب عليه نفقتها ويرثها إذا توفيت، وأول ذكر يجيء من هذا الزوج يحمل اسم زوجها الأول ويخلفه في تركته ووظائفه، ‏وينسب إليه لا إلى زوجها الحالي فيخلد بذلك اسم زوجها الأول ولا يمحى في سجل إسرائيل .
‏وكان الوارث عندما يرث المرأة يمنعها من الزواج بضروب شتى وحيل متباينة لتفتدي نفسها أو يسيء إليها في المعاشرة حتى يضطرها إلى أن تبذل من مالها ما يكون سببا في تخلية سبيلها مما تعانيه من آلام وتقاسيه من أسقام، فأي الأحاسيس ‏تتملكها حينذاك ؟ وماذا يكون شعور آدمى يرى حياته رخيصة الثمن، فهي اليوم ملك لفلان، وفى الغد ملك لغيره، وبعد غد لسواه، إنها والحالة هذه لا فرق بينها وبين ما يترك المتوفى من الجماد وإليهم من الحيوان.
‏هكذا عانت المرأة الجاهلية من الأوضاع الطاغية، ومن جور الأيام،  وسوء المعاملة من الرجل الظالم لها ومن ذويها الذين كانوا يهددون منزلتها ولا يرونها إنسانا فيه أهلية التعرف وحسن التدبير.
‏وليس حال المرأة قبل الإسلام في الأمم الأخرى بأحسن منها عند العرب، فهؤلاء اليونانيون الذين كانت لهم حضارة ومدنية، وعرف العالم لهم يدا بيضاء على العموم والمعارف، وسجل لهم التاريخ في سجل خلوده صفحات رائعة، هؤلاء ظلموا المرأة، كما ظلمها الجاهليون، وأذلوها كما أذلها من لا قلب لهم ولا عقل ولا إيمان، فاليونانيون لم يعترفوا ‏للمرأة بكرامة ذاتية ولا منزلة اجتماعية، ولا بكيان يشعرها بحق وجودها ‏في الحياة، وكان الأثينيون يبيعونها ويشترونها في الأسواق العامة على أعين الناس كما تباع السائمة وغيرها من السلع وتشترى تبعا لارتفاع السوق وانخفاضه،  وليس هذا فحسب، بل كانوا مع احتقارهم لها إلى هذا الحد الذليل يسمونها «رجسا من عمل الشيطان»، لقد كان الجو الاجتماعي في الواقع قاصيا على المرأة اليونانية كل القسوة، وظالما لها كل الظلم إلى حد يقضي على كل استعداد فيها، وعلى أية ناحية من نواحي العظمة عندها، ومع هذا الضغط الذليل وجد بعض النسوة طريقهن إلى النبوغ في شتى مناحي الحياة، ومختلف طرف العلوم والفنون، ولكنه نوع يتسم بهذا الميسم الذليل ميسم العبودية والهوان، ولا شك أن للروح المعنوي ابلغ الأثر في ذلك فإن المرأة مهما بلغت وبرزت في ميادين الحياة العامة وهي تعلم أنها ذليلة ضعيفة، عرضة للبيع في أي وقت يشاء مالكها كان هذا الشعور نارا تتأجج في باطنها، وتتبدد كل فكرة طيبة من شأنها أن تنفعها وتنفع أسرتها، وتنفع أمتها وتميت ‏خاطرة صالحة، وتقوي في نفسها عوامل القوة وتتضاعف أسباب الفساد.
‏وأما المرأة الرومانية فحالها لا تكاد تختلف عن وصيفتها اليونانية‏، واننا لنعرف مبلغ ما كان عليه الرومان من غنى وثراء وسطوة، هؤلاء احتقروا المرأة أيضا، ولكن الى أي حد يبعث على الضحك والرثاء في آن واحد، فها هو التاريخ يحدثنا أن عاصفة ثارت قوية، عاصفة جدال ونقاش بين مفكري الرومان حول المرأة، وطرحوا على بساط البحث هذه المسائل : هل المرأة ذو نفس وروح خالدة كالرجل أم لا ؟ ، هل يجوز أن تلقن الدين وإذا لقنته فهل تصح منها العبادة ؟ ‏وتوالت اجتماعات المجمع العظيم وجمع المفكرون من الرومان خلاصة تجاربهم وآرائهم ومحصوا  الرأي ثم اعلنوه اخيرا فكان القرار الاخير هو: "أن المرأة حيوان نجس لا روح فيه ولا خلود، ولكن يجب عليها العبادة والخدمة".
‏وقبيل زمن الرسول صلى الله عليه وسلم عقدت أوروبا مجمع "ماكون"  Conseil de Macon 581 لتجيب على السؤال التالي : "‏هل المرأة تعد انسانا او غير إنسان؟ وتقرر فى نهاية هذا المؤتمر ان المرأة فعلا انسانا ولكنها خلقت لشيء واحد هو أن تخدم الرجل فحسب، وبهذا القرار جعلوها بمثابة خادم. 

‏الإسلام يرفع الضيم
‏وهكذا سيمت المرأة عذاب الهون قبل مشرق الإسلام ومطلع فجر النبوة المحمدية ثم اراد الله تطهير العالم من ارجاسه وانتشاله من وهدة الضلال والضياع، فبعث أحب أنبيائه إليه بخير دين عرفه العالم فانبعث ضوء الرسالة الاسلامية قويا غامرا يلقي النور فى كل جانب، فبدد غياهب الجهل، ومحا حنكة الظلام، فكان مبعثه صلى الله عليه وسلم نعمة على الناس ورحمة بهم وخاصة ابنة حواء إذ وجدت فيه منقذها من الجهل ورائدها الى العلم والنور، عرفت فيه منتشلها من ذلك المحيط القذر الدنس، حيث كانت تعصف بها رياح الأنانية والظلم، وتفتك بها نيران الوحشية والاستبداد، ثم سمعت المرأة صوت محمد صلى الله عليه وسلم يجأر بالحق فيعلن "‏النساء شقائق الرجال" ‏فكان لهذا الصوت أثره في نفسها، فمن الرجال والنساء تتكون الأسر وتقوم الحياة ولهن ما لهم وعليهن ما عليهم، واهتزت اعصابها اهتزازا، وخاصة عندما سمعت قول الله ‏تعالى يتلى " وهو الذي خلقكم من نفس واحدة ‏وخلق منها زوجها ليسكن إليها"، ‏فالرجل أب المرأة وابنها، وأخوها وزوجها، والمرأة أم الرجل وبنته، وأخته وزوجته، يستمد كل منهما وجوده من الآخر ولا تكتمل سعادته إلا به، فلا يستغني أحدهما عن أخيه، ولا تتم عمارة الدنيا بأحدهما وحده، وبذلك ‏طوي الظلم بصفحاته الغاشمة ولتخرب بعد ذلك بيوت الظالمين.
‏إذن قرر الإسلام للمرأة حق الإنسانية التى كان يفتخر عليها بها الرجل من قبل، الإنسانية الحرة، لا ‏المقيدة بخدمة الرجل، وهذه كانت أول خطوة جعلت المرأة تعرف مكانها في الوجود وشعرت بكرامتها تحيا، وكان لهذا الشعور أعظم الآثار، اذ هيأ لها ان تتقبل الإسلام بقلب مطمئن ومن هنا سر نبوغ المرأة الإسلامية.
تم أخذ الإسلام يدفع عن المرأة حيف الطاغين ويلوذ عنها بغي الباغين، فمنع ان تباع وتشترى كالسلعة أو تملك بالإرث وغيره ولا ان تعضل من الزواج لما في ذلك من الضرر البالغ، والخطر المبين وقد قرع الله الآ‏ذان وردع الظالمين، وقطع كل لسان بقوله تعالى: " ‏يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"، وقولــــــــه : " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، ذلك يوعظ به من كان منكم يومن بالله واليوم الآ‏خر" وقوله : " وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم "، وقد تنفست المرأة بذلك، وشعرت بحريتها، وبرفع الضيم عنها، ونسمت نسيم الحياة الحرة، ولم يتركها الدين بعد تهيم في حياتها، بل وضع لها دستورا تعيش حياتها عليه.
‏وما دام الإسلام قد أثبت لها حق الحياة ‏حرة طليقة من كل أسر، فلا ‏يصح الاعتداء عليها ولا ‏هدر دمها، فحرم وأدها وقتلها بأي طريقة خشية الفقر والعار، الذي خلقها كفل لها الرزق، وليس ولي امرها غير الله إذ يقول : "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا"، وقد قضى الإسلام على المعنى المهين الذي أقره ا‏لحمق في ‏المجتمع قبل الإسلام، فكان قضاؤه على هذه المأتمة قضاء حاسما نزل به الوحي السماوي في أساليب شتى، فمنه أيضا ما يؤنب به وائد البنات بما أن استمع اليه اقشعر منه البدن، ولان القلب، وارتدع عن فعله، فهو لا يخاطبه ولا يسائله احتقارا له ولما فعل، بل يساءل البريئة المظلومة "وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت "، إنه لبيان رائع في تصوير بشاعة الجريمة واحتقار المجرم وتركه مذموما مدحورا، تم يسجل التنزيل الخسران والجهل والغباء على هؤلاء الآباء الأشقياء " ‏قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، قد  ضلوا وما كانوا مهتدين"، ثم كان أعظم مظهر لدفع العدوان عن المرأة قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى"، وهو عام يشمل الرجل والمرأة.
‏وقد حرم الإسلام تحريما باتا طريقة اغتصاب المرأة والزواج بالسبى، واعتبر الاتصال بالمرأة على هذه الصفة وما شاكلها سفاحا واغتصابا.
‏وذهب الإسلام في الدفاع عن المرأة إلى أبعد حد، إلى صيانتها والدفاع عنها، فحمى عرضها من الدنس وأكرمه، وصان شرفها من القذى وطهره، فعرض المرأة وشرفها مقدس لا يجوز للرجل مهما كان شأنه أن يعتدي عليه بشر أو يمسه ببغي، وهذا قول الله ‏يتوعد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة"، فلابد أن يفتضح أمره ويهتك سره، ثم ان هو جهر بالأمر، وقذف المحصنات في خدورهن فذلك أنكى وأفظع، وأ‏ن عذابه أشد وأوجع، وهذا قول الله يلهب ظهور القاذفين ويقرع آذانهم: " ‏والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ".
هذه عقوبة القاذف في الدنيا تخيف كل من تحدثه نفسه بالإقدام على التورط في ذلك الفحش السافل وليست هذه عقوبته في الدنيا، بل هناك ما ‏هو أقسى وأشد هولا، هو العذاب الروحي، العذاب الذي يخشاه كل كريم، ذلك العذاب هو الحط من كرامة القاذف وتجريده من أوسمة الاحترام والعدالة والرجولة والشهامة، وهذا قول الله في ذلك : " ‏ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون"، ولم يدع الله القاذف ‏يعذب ويحتقر في الد‏نيا فحسب، بل توعده الله بعذاب الآخرة ووعد الله حق وصدق إذ يقول : "إان الذين يرمون المحصنات الغافلات المومنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما  كانوا يعملون"، وليس هذا  فحسب، بل علم المومنين كيف يكون موقفهم أمام خبر القاذف. "ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم "‏.
‏وبذلك أخذ الإسلام بيد المر‏أة، وارتفع بها إلى المكان الذي تشعر فيه بأنها إنسان عزيز لها مكانتها ولها قيمتها، فلم يشأ أن يتغابى عنها وأن يتناساها، بل اعترف بشأنها ووجودها، واعتد بها وقدر أنه لا غناء للرجل عنها. 

‏المرأة المسلمة وشرائع الغرب

‏ويدعي بعض الأغبياء أن الإسلام ظلم المرأة ظلما واضحا في الميراث، ونسي هؤلاء أن الإسلام هو الذي أثبت لها حق الميراث بعد أن كانت محرومة منه، فهي ترث عن ابيها كما ترث عن أقاربها كالرجل سواء بسواء، ‏وان تفاوتت الأنصباء، فإن الإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة في إقرار حق الإرث من أساسه، ولقد نزل بذلك القرآن يقرع آذان الشرك، ويقضي على عادات البغي والعدوان : " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأ‏قربون مما قل منه أو كثر، نصيبا مفروضا"، ولقد جعل الإسلام نصيب المرأة نصف نصيب الرجل، بين ذلك قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين"، وقوله : " وإن كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين "، هذا الفرق بين نصيب الرجل ونصيب المرأة أطلق ألسنة أعداء الإسلام بالطعن ‏وأقلامهم بالتجريح وكل امانيهم الحط من كرامة  الإسلام، والنيل من تعاليمه السديدة ولو دقق هؤلاء قليلا وأمعنوا النظر لفهموا روح التشريع الاسلامي الحنيف ووقفوا على ما فيه من أسرار تسمو بالخلائق الى سماء الروحانية النيرة، ولعلموا أن الربح للمرأة لا للرجل، فالاسلام حمل الرجل نفقة زوجته ولو كانت ثرية، وحمله نفقة أولاده وبناته واوجب عليه المهر خلافا لأديان أخرى تدفع فيها المرأة صداقها حين تتزوج، لذلك كله كان طبيعيا، ـ والغنم بالغرم ـ أن يكون للرجل نصيب أوفر في الميراث خاصة وان البنت لها في الغالب من يعولها، أو هي على الأقل لا تعول سواها، واذا كان الاسلام قد أعطى للبنت نصف ما أعطى للرجل فانه على كل أعطاها أكثر مما تعطيها التشريعات الحديثة لدى الأمم المتمدنة أصحاب حضارات القرن العشرين، فبعض القوانين الأوربية لا تورث البنت مطلقا، بل تحصر ثروة الأب في اكبر ابنائه الذكور، فمسألة الإرث في الإسلام ليست مسألة تفضيل رجل على امرأة، انما هي ضرورة من ضرورات بناء المجتمع الكامل لاحظها الشاعر الحكيم لما لها من جليل الأثر وعظيم الشأن.
وقد احتفظ الإسلام للمرأة المتزوجة بحقوقها المدنية كاملة غير منقوصة فالزواج في الإسلام لا يفقد المرأة المسلمة شخصيتها المدنية ولا أهليتها في التعاقد ولا حقها في التملك، بل تظل المرأة المسلمة شخصيتها المدنية ولا أهليتها في التعاقد ولا حقها في التملك، بل تظل المرأة المسلمة بعد زواجها محتفظة بأهليتها في تحمل الالتزامات وإجراء مختلف العقود من بيع وشراء ورهن وهبة ووصية وما الى ذلك، ومحتفظة بحقها في التملك تملكا مستقلا عن غيرها، ولا يجيز الاسلام للزواج أن يأخذ شيئا  من مال الزوجة قل ذلك الشيء أو كثر قال تعالى : (( وان أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احداهن قنطارا فلا تاخذوا منه شيئا، اتاخذونه بهتانا واثما مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم الى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ))، وقال: (( ولا يحل لكم أن تاخذوا مما آتيتموهن شيئا)) واذا كان لا يجوز للرجل أن يأخذ شيئا مما سبق أن آتاه لزوجته، فلا يجوز له من باب أولى أن يأخذ شيئا من ملكها الأصيل الا أن يكون هذا وذاك برضاها وعن طيب نفس منها، وفي هذا يقول الله تعالى: (( وآتوا النساء صداقتهن نحلة، فان طين لكم عن شيء منه نفسا فكلوه، هنيئا مريئا)) ، ولا يحل للزوج كذلك أن يتصرف في شيء من أموالها الا اذا أذنت له بذلك، أو وكلته في إجراء عقد بالنيابة عنها، وفي هذه الحالة يجوز لها أن تلغي وكالته وتوكل غيره اذا شاءت.
وهذه المنزلة التي تضع فيها الشريعة الاسلامية المرأة المتزوجة لم يصل الى مثلها بعد أحدث القوانين في الأمم الغربية الحديثة، فحالة المرأة في فرنسا مثلا كانت الى عهد قريب، بل لا تزال الى الوقت الحاضر أشبه شيء بحالة الرق المدني فقد نزع منها القانون صفة الأهلية في كثير من الشؤون المدنية كما تنص على ذلك المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون المدني الفرنسي اذ تقرر أن المرأة المتزوجة لا يجوز لها أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها ولا ان ترهن، ولا أن تملك بعوض أو من غير عوض بدون اشتراك في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية)).
وعلى الرغم مما ادخل على هذه المادة من قيود وتعديلات فيما بعد، فان كثيرا من آثارها لا يزال ملازما لوضع المرأة الفرنسية من الناحية القانونية الى الوقت الحاضر، وفي بلجيكا لا يسمح لزوجة أن تفتح حسابا بريديا أو بنكيا دون اذن مكتوب من الزوج، وفي سويسرا وهي طليعة شعوب الغرب المتحضرة، المرأة محرومة من حق التصويت في الانتخابات السياسية.
ولتوكيد هذا الوضع المهين المفروض على المرأة الغربية المتزوجة تقضي قوانين الأمم الغربية أن المرأة بمجرد زواجها تفقد اسمها واسم اسرتها وحملها اسم زوجها وأسرته، كل ذلك يرمز الى فقدان الشخصية المدنية للمرأة واندماجها في شخصية الزوج، على حين أن المرأة المتزوجة في الإسلام تظل متحفظة باسمها واسم أسرتها ولا تحمل اسم زوجها مهما كانت مكانة هذا الزوج.
وهكذا نرى ان الاسلام أقر للمرأة شخصيتها المتكاملة واعطاها كثيرا من المزايا الاجتماعية والسياسية من قبل أن يخلق المجتمع الحضاري في أوربا وفي دول أمريكا، ومن قبل كانت المرأة في تلك الدول نسيا منسيا، ولم تكن شيئا مذكورا، كما أنه محا من حياتها تهمة (( القصر الدائم)) الذي اثقلت كاهلها به التشريعات القديمة وكثير من القوانين الحديثة، فما منحه الإسلام للمرأة لا تزال قوانين الحضارة الغربية قاصرة عن بلوغه حتى اليوم في الكثير من تشريعات الغرب، وبذلك ضرب الإسلام المثل بما تضاءل أمامه التشريعات مهما تطاولت، وتظاهر عظماء العلماء والمشرعين في وضعها.

المرأة المسلمة والمجتمع الإسلامي
وبهذا الروح الإصلاحية الشاملة حول المشرع الإسلامي رأى المجتمع في المرأة، فانقلبت أنفته منها وامتهانه بها، تحنانا وبرا بها، وقدرا لشأنها، فأقبلت المرأة على المشاركة في خدمة المجتمع الإسلامي، ففي باكورة الإسلام لم تكن السيدة خديجة أم المؤمنين هي الوحيدة التي آمنت بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد آمن به الكثيرات حتى أنهن خرجن مهاجرات في سبيل الله، كذلك عندما خرج النبي مع سيدنا أبي بكر الصديق والتجأ إلى الغر قامت بخدمتها فتاة هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وكان للمرأة الإسلامية فضل السبق في إسعاف الجرحى ومعالجة المرضى خلف الجيوش الإسلامية، بل أنهن خرجن كغازيات وجنديات ليقفن وراء الصفوف، ويحرسن المتاع ويعددن الطعام، ويسقين الماءـ روى مسلم عن أم عطية قالت: (( غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى))، وكانت المرأة غالبا ما تقوم بأدوار خطيرة بأن أشعلت الثورات وهزت المنابر، ولم يقتصر أثرها على ما أظرته من بسالة في الحروب، بل تمسكت بحرية الرأي، وسجل لها التاريخ كثيرا من البطولات، فالبلحاء من زعماء طائفة  الخوارج كانت تثير طائفتها ضد عبيد الله فتذهب اليه بشجاعة فأمر بتعذيبها حتى ماتت، ولم تقتصر مكانة المرأة إلى هذا الحد بل تعدتها إلى أسمى الدرجات حتى قبض البعض منهن بأيديهن على الملك في كثير من الأحيان، ودبرن شؤونه وظهرت نساء عظيمات في عهد الدولة العباسية ممن كان لهن أعظم الثر في إدارة شؤون هذه الدولة.
وفي العصر الحاضر خرجت المرأة إلى المجتمع وفتح باب التعليم في وجهها على مصارعيه في جميع مراحله، فذهبت إلى الجامعات ووصلت إلى درجة كبيرة من العلم بحيث أصبحت لا تكتفي بشهادتها العليا، ولكنها تسعى للحصول على ما أعلى من ذلك وأثبتت أنها تستطيع ان تتحمل مشاق الدرس تحت الأمطار وتحت الشمس المحرقة، وبذلك ارتقى تفكيرها واتسع افقها حتى صارت تقارن بين وظيفتها ووظيفة الرجل، فدخلت المصانع وتولت التدريس وأصبحت مديرة في المدارس والمعاهد وتولت المحاماة وأسهمت بنصيب ملحوظ في جميع نواحي  الحياة العامة، فأظهرت نشاطا في كل أجهزة الدولة الإدارية والاجتماعية فهي تؤدي دورها في الحياة الاجتماعية راضية بذلك لأنها تسهم في بناء الوطن وإقامة وتدعيم المجتمع.

دور المرأة في الأسرة
اعتد الإسلام برسالة المرأة في تكوين الأسرة، وقدر انه لا غناء للرجل عنها فهي النصف المكمل له تشترك معه فيما تتطلبه حياة الأسرة من أعمال فإذا كان الرجل بما وهبه الله من قدرة على ادارة شؤون الأسرة، يتحمل المسؤولية الكاملة في الإنفاق وفي الهيمنة على أسرته وعلى توجيب الأمور لصالحها، فإن المرأة تقوم بشؤون التدبير المنزلي وتتحمل أعباء حضانة الأولاد، وتحقق لأسرتها منافع اقتصادية ذات بال، وتشعر كل فرد في الأسرة بالتعاون الجماعي فيعرف كل حقوقه وواجباته.
فلهذه الصلة الوثيقة التي لا تنفصل بين الرجل والمرأة، ولهذه المسؤولية الكبرى التي اضطلعت بها للقيام بدورها في بناء الأسرة، هيأ لها الإسلام السبل لأداء رسالتها على وجه صريح لا تشكو منه ظلما ولا هضما، وبذلك كبرت مكانتها وصارت تعرف قدر نفسها كما حددها القرآن: (( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة))، وقامت بدورها اللازم في بناء الأسرة إذ كانت تدرك وظيفتها في تكوين النشء والبيوت، فتاريخها حافل بالجهاد في ذلك فهي كأم مثابرة في بيتها ترعى أولادها وزوجها ولا تنتظر أجرا على ما تقدم من خدمات وإنما قلبها الكبير وحبها لأولادها يدفعانها للعمل الدائم ليل نهار، فهي ترضع أولادها من لبانها حتى لا يهزلوا وتقوم بتربيتهم حتى لا يضيعوا، متمشية مع قول الله تعالى: (( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة))، وهي كزوجة راعية مال زوجها، وسفيرته بين جيرانه وأقربائه عاملة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((المرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤلة عن  رعيتها))، استطاعت ان تسهم في بناء الأسرة وأثبتت الهمة والاعتدال والأمانة في أداء واجبها، ففي المجتمع ملايين من الأسر تعيش في ظل وارف من الاستقرار الأسري ويتعاون رجالها ونساؤها وأبناؤهم على حياتهم في نطاق ما وهبهم الله من رزق وما قدر لهم من مستوى معاشي، وليس سبب هذا الاستقرار رهبة المرأة من سوط الرجل وسيطرته المادية عليها، ولكن سببه سلوك المرأة ووقوفها عند قواعد الشريعة وقواعد الطبيعة وتقاليد المجتمع، فالمرأة تعرف مكانها من هذه القواعد والتقاليد فلا تتحداه ولا تتخطاه، ذلك ان الشريعة الإسلامية وضعت قوانينها لبناء الأسرة السعيدة وصيانتها وراعت فيها مصلحة جميع أعضائها وأعطت لكل ذي حق حقه، وبمقدار مراعاة كل فرد لحقه تسعد الأسر وتستقر.
واذا بدأ في بناء الأسرة اعتلال وانحلال فسببه إخلال بعض أعضائها بواجبه أو تجاوزه لحقه، وسبب انحلال بعض الأسر وخاصة في المدن أن المرأة فيها قد تأثرت كثيرا بدعوى التحرر وفهمتها على وجه خاطئ أفضى بها إلى الاصطدام بالرجل، فتزلزلت قواعد الأسرة، ان المرأة في تلك الأسر ترى من الحرية أن تستند بشؤون الأسرة وتكون لها السيطرة الكاملة في مجاري أمورها، وترى أن ذلك من حقها فيأبى عليها الرجل ذلك ويقع الاصطدام وتحل الكارثة، ويكون سببها سوء تصرف المرأة، ان الله سبحانه وتعالى لم يخلق الناس ليتصارعوا وإنما خلقهم ليتعارفوا ويتكافلوا من أجل خيرهم ورفاهيتهم، ولا يمكن لأسرة يحل فيها الصراع محل التعاون وتثار فيها الأحقاد والأنانية محل التكافل والتضامن أن يتاح لأفرادها أن تشكل لديهم صور العمل الجماعي المثمر أو معاني المحبة والتضحية من اجل المجموع.
على المرأة المسلمة في الوقت الحاضر، أن تفرق بين التحرر والتحلل الأخلاقي وبين الحرية والإباحية، وعليها ان تتحلى بالصدق والإخلاص في العمل، وان تعرف حدودها وان تكون في أخذها بنصيبها من اعداد البيت، موفورة الأجر محمودة الجزاء، مرضيا عنها من الله ورسوله مشاركة فيما وعد الله به عباده المجاهدين وبذلك تنتشر المحبة والإخاء على مستوى من العدل والطهر يدخل ضياء السعادة إلى كل بيت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here