islamaumaroc

لماذا الدين ؟

  دعوة الحق

144 العدد

لعل من الحقائق  المسلمة ... انه توجد في أعماق الذات البشرية قوتان هائلتان .. الغرئز التي نباشر بها وجودنا الأولى والتي تشد خطواتنا على طريق البقاء ... والعقل الكابح لهذه الغرائز .. والموجة لاندفاعاتها .. حتى لا تتعدى مناطق الحق والخير .. ولا تحطم قوانين الاخلاق التي تواضعت عليها الأجناس ..
ولقد كان من الطبيعي أن ينشب صراع هائل بين هاتين القوتين .. فتحاول الغرائز أن تحقق وجودها كاملا بلا ضوابط من عقل .. أو كوابح من قوانين ... بينما ينشط العقل الى وقف تيارها المندفع .. واقامة جسور تحدد مساره القاصد .. وجيشانه الفوار ...
ولكن شيئا كثيفا من المعاناة كان يكتنف رحلة العقل الى هذه الغاية ... ربما لان الغرائز خلقت فينا هكذا كاملة .. بينما يلوح الكمال للعقل في نهاية الطريق .. أملا دونه مخاوف لا تنتهي .. وتجارب لا تفنى .. وممارسات مرهقة لامكانية استنفاذ كل الممكنات .. حتى يحصل في النهاية على كمال نسبي يبقى دائما في حاجة الى كمال ..
وليست هذه معادلة صعبة .. فغرائزنا مطمئنة الى تكاملها الوجودي .. بينما تسعى عقولنا كل يوم إلى محاولة التخلص من قصور يعتاقها عن التحليق .. وأبدا لا تستطيع .. ومن هنا .. برزت حاجة العقل الى قوى عليا تواكبه .. وتضيء له الشموع في الغبش الذي لا يقوى على احتماله .. فكان الدين ..
لا أزعم هنا أن الدين يحارب مع العقل ضد غرائز البشر ... فنحن ـ في النهاية ـ مسلحون بكل ما وهبتنا السماء .. دون أن نختار .. أو نرفض .. ولكني أزعم أن العقل كان في كفاحه ضد جموع الغرائز أحوج الى العون .. فان يقف الدين الى جواره فإن ذلك يعني على التحديد .. انه ضد جموح الوجود في احدهما .. ومع تعقيل الوجود في الآخر .. دون أن يصادم حركة الوجود في احدهما أو كليهما من الأساس .
وربما كان ذلك ما يفسر لنا تدرج الدين في مراحل متعاقبة من حياة البشر .. فانه لم يجيء هكذا متكاملا من أول الطريق .. وانما تدرج مع اعمار التطور الحضاري للإنسان .. حتى استوى على قمة التكامل في الإسلام .. وجلجل القرآن العظيم بكلماته الوامضة: (( اليوم أكملت لكم دينكم .. وأتممت عليكم نعمتي .. ورضيت لكم الاسلام دينا ))
ان تطور الدين مع تطور الغرائز في أداء وظائفها الحياتية .. يعني بالدرجة الأولى انه حامل في عينيه كل دموع الرحمة على ضعف البشر .. وجنوحهم الى التمرد على كل المواضعات .. لأن الدين بطبيعته نظرة كلية وشمولية الى الانسان والكون .. الى جوار أنه تنظيم للعلاقة بينهما على أساس من العدل  الذي لا يجوز ... فاذا تدرج مع التطور البطيء لنمو الكائن الأرضي .. عقليا .. وسلوكيا .. فان ذلك وحده يقيم الدليل على مدى اكتناز صدوره بالحب لقضية الضعف في الإنسان .. ونشدانه ـ من أول الطريق ـ أن يصاحب مسيرته خطوة خطوة .. في غير توفز..مهلك .. أو لجوء إلى طفرة لا مسئولة هوجاء!!!
فاذا كان ذلك كذلك ... أعني إذا كان الدين تلبية طبيعية لاحتياجات الكون .. واحتياجات الانسان .. فهل نستطيع نحن أن نقيم عداوة أو جدرانا ثلجية بين الدين من جهة والإنسان والكون من جهة أخرى؟ لا نستطيع .. ربما لأن الدين كقضية موضوعية لم يكن ليكون لولا الكون والإنسان .. فإذا كان وجوده الموضوعي متوقفا على وجودهما معا .. فكيف يتعاديان .. الا اذا احترقت بينهما المسافات .. ولم يعد للقاء بينهما من سبيل .. أن الدين في كون ملحد .. غريب ضائع الخطوات .. ومع انسان رافض شمعة تضيء في صحراء .. ولكن في إطار كون عاقل ومع إنسان رائد الأعماق .. يصبح الدليل والحارس .. الخبز والغناء .. الشكل والمضمون .. وفي هذا يكمن السر الحقيقي والأكيد لعملية الإقناع المصاحبة للدين في بواكر النزول .. لأن القسر لا يجدي .. ولأن تعميق مشاعر الود بين الإنسان ومعتقدة يلقي أضواء الودودة على إمكانية استمرار هذا الحب وخلوده عبر مراحل التاريخ !!!
ان الدين ليس ترفا عائما في حياة الجماهير .. وليس هامشا أصفر على كتاب الكون .. وانما هو عصب الوعي بالذات في الإنسان .. وقيمة الإبداع الجمالي في الكون .. وجسر اللقاءات على مستوى عميق بين محاور الوجود التي هي الإنسان .. والكون .. والله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here