islamaumaroc

الخلق والإبداع بين الحكمة والصدفة…أو جهة الشباب الصالحة بين الفلاسفة والمربين

  دعوة الحق

144 العدد

لا يخفى أن المجتمعات البشرية في العصر الحاضر أصابها كثير من النكسات في النفسيات والروحيات والسلوك الأخلاقي نظرا الى أن التطورات الصناعية والابتكارات والاختراعات العلمية المادية بمغرياتها رأسا على عقب في حين لم يحدث التطور السامي المطلوب المكافئ لهذا التطور المادي في ميادين الأخلاق والسلوك الإنساني، حتى يحفظ التوازن في المجتمعات البشرية بين الماديات والروحيات، رغم كثير الادعاءات وكثرة الجمعيات والهيئات التي تألقت في مختلف الأمم، تحمل أسماء وعناوين في غاية الرفعة وسمو المبادئ والغايات مثل جمعيات حقوق الإنسان ورعاية الطفولة والرفق بالحيوان والصليب الحمر والهلال الأحمر ومحاربة العنصريات والجمعيات الخيرية وإنقاذ الضرير وما إلى ذلك مما يملأ الاسماع في مختلف الأمم الراقية والمتخلفة على السواء ولكن أثرها في شتى المجالات التي تباشر العمل فيها ضعيف بوجه عام.
فما هو السبب الرئيسي في هذه النكسات الاجتماعية وهذه الضآلة في الأعمال الانسانية؟
ان السبب الرئيسي على ما اعتقد هو ضعف الإيمان بمكافأة رب العالمين للقائمين بهذه الجمعيات المتحملين لمسؤوليتها وضعف الروح الاجتماعية بين الأغنياء والمترفين في المجتمعات وحتى في الرؤساء المسؤولين عن تسيير هذه المجتمعات في بعض البلدان، وذلك نتيجة لضعف العقيدة الدينية في نفوس المجتمعات حتى ضعف اسناد هذه الجمعيات وتخصيص الاعتمادات الكافية من جهة المسؤولين كما ضعفت الهبات الوافية من جهة الأغنياء والمترفين، ففترت الهمم وكادت تخرب الذمم وان الانحراف الذي أصاب السلوك الانساني في المجتمعات الصناعية أولا وسرت عدواه الى الامم المختلفة ثانيا كان سببه الإلحاد الذي أحدث بلبلة في الأفكار وزعزعت العقائد في النفوس المومنة وخصوصا بين من يسمون المتمسكين بالمبادئ الروحية اتباع الأديان السماوية بالرجعيين الذين لم يسبق لهم في نظر هؤلاء مكان للعيش الكريم بعد تطور العلوم وعهد غزو الفضاء والطموح الى استغلال الكواكب العليا بما فيها لمصلحة الإنسانية حتى أدى الحال ببعض الشاكين الى انكار وجود الإلاه بعد انكار النبوات والرسالات السماوية وهذا التيار الجاري في المجتمعات الحاضرة يتطلب جهودا من العلماء لنشر دعوة الإسلام من جديد وجهودا من المفكرين المربين لمقاومة تيار الالحاد ولمحو آثاره السيئة من النفوس وذلك ببيان ما أثبته عباقرة المربين من ان هذا الابداع في الكون وهذا الخلق والتكوين الذي بهر العقول لم يكن نتيجة الصدفة كما يدعي أقوام ينتسبون الى الثقافة والعلم بل هذا الوجود بما فيه من امكانيات كان ولا يزال ابداعه وخلقه لحكمة سامية وتدبير كامل  شامل من الله العليم الحكيم الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا.
فهذا الفيلسوف الأمريكي الشهير بمنهاجه التربوية في امريكا جون ديوي 1952 الذي لخص آراء الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون في كتاب سماه: آراء توماس جيفرسون الحية يقول في فصل الأخلاق والدين عن الرئيس المذكور: واعتقد (دون حاجة للاستعانة بالوحي) بأنه لدى تأملنا في الكون من حيث الأجزاء التي يتكون منها بصورة عامة أو تفصيلية لابد للعقل البشري أن ينشأ عنده الاعتقاد بوجود نظام ومهارة فائقة وبقوة لا نهاية في كل ذرة من بناء الكون، فأمامنا حركات الجسام السماوية التي تتابع حركاتها الدقيقة بفضل التوازن بين القوى الطاردة عن المركز والقوى الجاذبة إليه، وأمامنا تكوين الأرض نفسها وانقسامها بين أرض وماء وهواء، وهناك الأجسام الحيوانية والنباتية بكل دقائقها، وهناك الحشرات التي على الرغم من أنها أبسط الأجسام الحية فانها تخضع لنظام تام لا يقل في دقته عن خلق الرجل والماموت ( وهو حيوان عظيم) وهناك المواد المعدنية واستخراجها ومنافعها، فمحال أن لا يعتقد العقل الإنساني بوجود نظام في هذه كلها، وبوجود سبب ونتيجة، وأخيرا بوجود العلة النهائية أي صانع جميع الأشياء ومنظمها والمحافظ عليها في حالتها الحاضرة والذي يعطيها أشكالا جديدة وأخرى، وسنجد أيضا براهين ساطعة على ضرورة وجود قوة عليا تشرف على الابقاء على الكون ونظامه.
واذا كان البحث العقلي المجرد عن الاستعانة بالوحي يثبت كل هذا في نظر الفيلسوف المشهور جون ديوي ونظر الرئيس الأمريكي الأول محرر وثيقة استقلال أمريكا توماس جيفرسون فاننا نرى ان الوحي المحمدي سبق في لفت العقول والانظار الى التأمل في هذه المكونات لتقر بوجود رب العالمين وعظيم قدرته وحكمته البالغة قال الله تعالى في سورة البقرة آية 164 (( ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما انزل الله من السماء من ماء فأحيى به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)). ويمدح الله المتفكرين الذين يعترفون بأن الله خلق الكون لغاية سامية حيث يقول: (( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك)) .. فلماذا يتنكر أبناء الإسلام له مع أنه يكرم العلم، ويمجد العقل ولا كهنوت فيه فلا وسائط بين العباد وربهم ولا اعترافات أمام الرهبان ولا رسائل غفران فيه من الباباوات ولا خضوع لغير الرب)).
وتوبة المومن تكون بينه وبين ربه دون أي وسيط فمن حسب الإسلام مثل طقوس الكنيسة ورجالها فقد غلط على الإسلام ورجاله جميعا، وقد سخر المربي الفرنسي صاحب كتاب اميل القرن التاسع عشر ممن لا يتدبر ولا يتفكر. ويقدم على إنكار الأديان دون بحث ولا نظر، حيث يقول: ان مثل من يرفض المذاهب الدينية أو الحكمية على غير علم بها كمثل من يقبلها بدون بحث ولا نظر كلاهما مناقض لنفسه غير مسدد في رأيه ولا شيء في الحقيقة أدعى الى الضحك من وقاحة أحداث الدكاترة الذين يجاهرون بأن المباحث النظرية التي ارتاض بها أمثال ديكارت واسبينوزا وباسكال وليينز وهيجل ليست خليقة بالتفاتهم وميلهم، فللهجة الأغبياء منهم كلمة يطنطنون بها في هذه الأيام وهي قول أحدهم وهو لم يفتح في حياته صحيفة من كتاب الكون (( ما لي ولإضاعة وقتي في حل ما لا يسبر غوره من مسائل وجود الله وخلود الروح ووحدة الروح والجسد أو تغايرهما فحسبي الاشتغال بالعلم)) هكذا كان يقول هذا المربي الفرنسي الكبير ومع الأسف الشديد أن هذه الأفكار الإلحادية انتقلت من أوروبا الى المشرق والمغرب، فقوضت بنيانهما وزعزعت أركانهما وجعلتهما هيكلا بلا روح.
كل ذلك نتيجة التقليد الأعمى للمبشرين والمستشرقين الذين كادوا للإسلام وافتروا على رسوله باسم البحث العلمي تارة وبمحض التعصب تارة أخرى مع أن الإسلام حيى النفوس وهذب الأخلاق وكون الحضارات وأقام الدول ولا زالت آثاره مشهودة، وحضارته مدونة معهودة، ودولة قائمة وان ضعفت بعد قوة وضؤلت معلوماتها بعد وفرة، وغلبت على أمرها في فترات من تاريخها إلا أن كل ذلك الضعف والمغلوبية لا يرجع لدينها، وانما يرجع لتفريط المسلمين في القيام على مبادئ الدين المثلى، وأخلاقه الطاهرة، وأحكامه الباهرة العادلة حتى اعترف المنصفون في أوروبا المسيحية بكمال هذا الدين وإصلاحه معللين انتشاره بهذه المزايا، فقد قال ويلز الفيلسوف الانجليزي: ((ان الإسلام  ساد وانتشر لانه أفضل نظام اجتماعي وسياسي تمخضت به العصور)) ويجمل هنا أن ننقل فقرات الى شبابنا مما افتتح به الأمين العام السابق للجماعة العربية عبد الرحمن عزام كتابه (( الرسالة الخالدة)) حول الاسلام ونظامه حيث قال : (( هذه الرسالة الخالدة ان كانت من الله كما نعتقد، نحن المسلمين، فيكفي أنها من الله لتمتاز على كل دعوة من غير الله، وان كانت من محمد، كما يقول المنكرون لنبوته، فنحن على بينة من امرنا ندعو الى سبيلها بالحكمة والموعظة الحسنة، ندعو المنكرين لينظروا فيها لا بوصفها دينا بل بوصفها نظرية تاريخية أتت بأفكار وشرائع في السياسة والاجتماع والاقتصاد فسيجدونها بصرف النظر عن معنى التدين أسسا والاجتماعية والاقتصادية التي يتطاحن عليها الناس الآن وسيجدونها على أنها من البشر أصلح الدعوات وأرشدها وأدناها الى مبادئ العقل العدل والحرية والمساواة والإخاء))
وهناك شهادة أخرى ينبغي لشبابنا أن يتأمل مغزاها بتفكير عميق لأنها كبرنامج أو خلاصة للرسالة المحمدية في الوجود الانساني وهي للشاعر الفرنسي الكبير (( لامارتين)) حيث يقول: (( اذا كانت عظمة الأهداف وضآلة الوسائل وضخامة النتائج هي المقاييس الثلاثة لعبقرية الإنسان يستطيع ان يقارن من الوجهة البشرية أي رجل من العصر الحديث بمحمد؟
وأعظم الرجال لم يستطيعوا أن يحركوا إلا الأسلحة والقوانين والإمبراطوريات ولم يؤسوا أن هم أسسوا شيئا الا قوات مادية تنهار أحيانا قبلهم، أما محمد فقد حرك الأسلحة والتشريعات والإمبراطوريات والشعوب والدول وملايين البشر على ثلث المعمور، لكنه حرك ـ زيادة على ذلك ـ المعابد والآلهة والأديان والأفكار والعقائد والأرواح، وعلى أساس كتاب أصبح كل حرف فيه قانونا بنى  قومية روحية تضم شعوبا من مختلف اللهجات والسلالات، وطبع هذه القومية بطابع لا يمحى وهو كراهة الآلهة المزورة والتعلق باله واحد لا تدركه الحواس)) هذا كلام هذا المفكر الفرنسي المنصف عن رسول الله عليه وسلم، ولا زال عند سبعمائة مليون من المسلمين رصيد روحي رغم كثرة المذاهب الهدامة التي يروجها الملحدون يمكن ان تبنى على أساس هذا الرصيد الروحي العظيم وحدة إسلامية كبرى يكون لها وزن عظيم في إحياء المبادئ الإسلامية العليا التي رفعت من شأن الإنسانية كما يكون لها شأن كبير في الأفق الدولي، والله يهدي من يشاء الى وحدة الصف والتعاون على ما فيها خير الإسلام وعزة أهله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here