islamaumaroc

فلسفة البراكماتيزم

  دعوة الحق

144 العدد

بدأ الفكر الإنساني في العصر الحديث بتمجيد العقل، حتى أعلى كلمته فوق كل كلمة، وجعل منه الحكم الأخير، فيما يوجد وما لا يوجد، وفيما يصدق وما يكذب.
ذلك الحال. كان عند ((ديكارت)) و(( مالبرانش)) و(( سبينوزا )) و(( ليبنتز )) ولكن الفلاسفة الحسيين (( لوك )) و(( باركلي)) و(( هيوم )) واضرابهم. هاجموا المعاني والمبادئ العقلية، هجوما عنيفا.
فظن الفيلسوف (( كانت )) أنه يستطيع أن ينقذها، إذا اعتبرها مجرد صبغ لتنظيم التجربة وجاء مذهب التطور، فرأى رجاله: بأنه يقتضي القول بأن الحس والعقل وظيفتان من وظائف الحياة، وأن المعرفة آلة العمل، وأن راى (( كانت )) يلائمهم تمام الملاءمة.
ولقد أدى هذا الجمع بين نقد (( كانت )) و نظرية (( التطور )) الى طائفة من المذاهب الحيوية أو العملية، غلبت فكرة الحياة، على فكرة العلم، فافترقت عن (( كانت )) وعن (( سبنسر))  جميعا.
افترقت عن (( كانت )) في أن تنظيم التجربة ليس الغرض منه العلم بل المنفعة، وأن المعاني والمبادئ ليست كلية ضرورية، وإنما هي عبارة عن حاجات الكائن الحي ومطالبه فهو يستعمل الصيغ العقلية لحفظ وجوده واستكماله.
ويستطيع أن يستبدل بها غيرها. دون أن يفوته النجاح العلمي، كما يستبدل الصائغ آلة بأخرى. أو جهاز بآخر، ويؤدي مع ذلك نفس العمل أو يحصل على نفس النتيجة.
وافترقت هذه المذاهب الحيوية عن (( سبنسر )) في القول: بأن الكائن الحي هو الذي يكون العالم وعلى حسب مطالبه بينما ( هربرت سبنسر)  يرى أن هذه المطالب نتيجة تأثير العالم في الكائن الحي.
فالعقل في المذاهب العملية. غائي في جوهره، يتجه الى العمل، لا الى النظر. والعقل والمعاني والمبادئ، فروض ومحاولات يكون بها العالم لفائدته.
فالمذاهب العملية: لا تحفل إذن بتبرير العلم والميتافيزيقيا تبريرا نظريا ولا تغار على مبادئ العلم غيرة (( كانت )) ولكنها تستمسك مثل (( كانت)) بالمعاني الميتافيزيقية، وترمي مثله إلى تحقيقها بالفعل، وإقامة الإيمان بها على منفعتها العملية.
فالمذاهب العملية، تمثل العقل العملي، محولا إلى قوة فاعلية، وهذا الاتجاه المعاصر من الفلسفة والذي يتمثل في الفلسفة العملية. نشأ في أمريكا في مطلع القرن العشرين على يد ثلاثة من أعلام المفكرين. وهم :
 (( تشارلزندرزبيرس)) و(( ليم جيمز))  و(( جون ديوي)).
اتفق هؤلاء الأعلام في فلسفتهم على توجيه العقل الى العمل، دون النظر، واعتبار المعرفة أداة العمل المنتج، فانصرف التفكير عن المبادئ والأوليات إلى النتائج والغايات، وأصبح صدق الفكرة معناه: التحقق من منفعتها بالتجربة.
هذه الفلسفة العملية (( البراجماتزم)) تضع العمل مبدأ مطلقا وكلمة (( البراجماتزم)) وان كانت قديمة ومستعملة بمعان مختلفة. الا أن المعنى المعروف لها الآن ورد في مقال مشهور للفيلسوف الأمريكي (( بيرس 1839 ـ 1914)) ونشر المقال في يناير 1878 م تحت عنوان (( كيف نوضح أفكارنا)) ذهب فيه الى أن توضيح معنى الفكرة يكون بالقياس إلى آثارها العملية في حياة الإنسان، واعتبر الكلمات والعبارات التي تتألف منها الفكرة خططا للعمل، وكل فكرة لا تنتهي إلى سلوك عملي في دنيا الواقع باطلة، أو غير ذات معنى يعول عليه.
واعتبر الفيلسوف (( بيرس)) الإعتقاد من نوع الأفكار، هو حق متى دل على سلوك عملي، وإلا فكان خلو من كل دلالة.
ويذكر قاعدة للتحقيق من دلالة المعاني التي نستخدمها فيقول :(( أن تصورنا لموضوع (( مسا)) هو تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من أثار عملية لا أكثر)).
وهذا يعني أن علاقة الحقيقة أو معيارها:
العمل المنتج، لا الحكم العقلي، وأن العمل مبدأ مطلق، بحيث يلزم من ذلك أنه حر كل الحرية، وأن لا شيء يعترضه. سواء العمل المادي والخلقي والعقلي أو التصور. فيلزم من ذلك أن العالم مرن نستطيع التأثير فيه وتشكليه. وأن تصوراتنا فروض أو وسائل لهذا التأثير والتشكيل.
وتمنى ((بيرس)) لو أمكم اقامة مجتمع معملي يقوم على نفس المنهج الذي يصطنعه العلم في معمله. وعندئذ بتيسر الوصول على الحق أو الصواب، الذي لا يقبل جدلا ولا يحتمل نزاعا.
وفلسفة (( البراجماتزم)) في رأي (( بيرس)) تعبر عن الذهن المعملي الذي وضعه موضع التناقض الحاد مع ((الذهن الأكاديمي)) الذي تتميز به الفلسفة التقليدية.
وقد أكد (( بيرس)) أهمية الأفكار العامة التي فسر معناها بوصفها: (( عادات الحركة)) الموضوعة موضع التجربة.
وذلك في مواجهة ومعارضة ما يقول به المذهب الوضعي، والمذهب الحسي، في أوربا. وقد فسر المذهب الحسي معنى الفكرة، في اطار ما توحي به الصور أو الأحاسيس. غير أن (( بيرس)) انتقد هذا المفهوم باعتباره يؤدي الى الذاتية والاسمية. واحتج (( بيرس)) بأن الصور والأحاسيس إنما هي أشياء خاصة وشخصية. وهي بالتالي تجعل من عملية التخاطب أو التوصل ضربا من الألغاز، ومن ثم فقد كان يرى أن معنى لفظ ((انسان)) ليس عبارة عن مجموعة مركبة من البيانات التي تتوصل اليها الحواس، وانما هو عدد من الاستجابات الموضوعة، وبمعنى أخر فان السلوك الموضوعي لا الحدس، هو السبيل الوحيد للتوصيل الى المعنى مهما كانت درجة التعقيد، التي تبدو في لفظ معين، أو تعبير بذاته فان معناه المعقول: (( انما يكمن فحسب في علاقته المفهومة بطريقة توجيه الحياة)).
ورغم أن (( بييرس)) لم يكن على الدوام مخلصا لفلسفة (( البراجماتزم)) الا أنه أنار الطريق أمام التطور المقبل لتلك الفلسفة، عندما أكد أن أساليب الوعي الانتقادي، والعلم التجريبي إنما توفر أفضل الطرق للوصول الى المعرفة الحقة.
وقد استمرت أفكار (( بيرس)) عن طريق معاصره الذي فاقه الشهرة، وهو: الفيلسوف: (( وليم جيمز)) 1842 ـ 1910 م أكبر أعلام الفلسفة العملية.
وهذا الفيلسوف اعتبر الفكرة الصادقة هي التي تؤدي إلى النجاح في الحياة، والمعتقد الصحيح هو الذي ينتهي الى تحقيق الأغراض في دنيانا الحاضرة، ومن ثم فان الأفكار والمعتقدات لا تطلب لذاتها، وإنما تلتمس كوسائل لتحقيق أغراض في دنيا الواقع.
وعلامة الحق أن يكون الاعتقاد فيه خيرا من إنكاره في مجال الحياة العملية. فالحق ليس مجرد صفة عينية، تقوم في طبيعة الفكرة أو المعتقد، كما يزعم الصوريون من الفلاسفة بل هو قابلية الفكرة لأن تكون أداة سلوك عملي في دنيانا الحاضرة، ومثل هذا  يقال في الأخلاق فالفعل الإنساني فاضل متى حقق نفعا في حياة الإنسان.
ويقوم (( وليم جيمز)) في صراحة: أن التفكير هو أولا وأخيرا ودائما من أجل العمل وتصورنا لأي شيء ندركه بالحس، ليس في الواقع الا أداة نحقق بها غاية ما.
ومعنى هذا، أن الأفكار يجب أن تختبر عن طريق ما نتوقعه منها، من تجارب حسية أو عن طريق نجاح رد الفعل الملائم لها، فان الحق ليس الا التفكير الملائم لغايته كما أن الصواب ليس الا الفعل الملائم في مجال السلوك.
وقد طبق (( وليم جيمز)) فلسفة (( البراجماتزم)) تطبيقا مثمرا للغاية في كتابه (( أصول علم النفس)) فيما يتعلق بتحليل المفاهيم الأساسية مثل (( الفرض))، (( الذهن)) وأشار الى أن مذهب الحسيين التجريبي، والمثالية التقليدية: انما يشتركان معا في الإيمان بمقدمات عامة. لا تستطيع الصمود، أمام التحليل العملي، أو أمام النتائج التي توصل اليها علم الحياة، وعلم النفس.
فقد عجز الحسيون عن ايجاد أي مفاهيم ذهنية تتمشى مع كلمتي (( الغرض))، (( الذهن)) ولذلك فقد أتى المثاليون بشيء بعيد عن مجال التجربة. لا سباغ المعنى على تيار الصور في مجرى الوعي.
أما (( وليم جيمز)) فقد فسر (( الغرض))، الذهن بوصفهما نمطين من أنماط السلوك التي يمارسها الجهاز الحي بوجه عام، فذكاء شخص ((ما)) أو هدفه يمكن تبينه من خلال استجاباته الموضوعية للموقف الذي يجد نفسه فيه.
وكتاب ((وليم جيمز)) ((أصول علم النفس)) يقال عنه: أنه اذا لم يكتب سواء أكانت له مكانته المرموقة في الفلسفة وعلم النفس فقد كان دليلا على ما لوليم جيمز من دقة التحليل وطلاوة الأسلوب والعمق والتأصيل. وهو كتاب ضخم صدر سنة 1891 م في مجلدين كبيرين. وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في ميدان الدراسات النفسانية، بسط فيه ((وليم جيمز)) وجهة نظره في دراسة علم النفس دراسة مستندة الى التجربة ومبنية على المعارف البيولوجية. ووجه فيه العناية في ميدان علم النفس إلى الوظائف، وتناول التفكير والمعرفة باعتبارها أدوات يستعين بها الإنسان في نضاله في الحياة، ودافع جيمز في دراسته تلك عن ارادة الإنسان الحرة. 
وحين اتم كتابه في علم النفس بدأت تأملاته تتجه إلى طبيعة الله، وجوده وخلود النفس، وحرية الإرادة، وقيم الحياة.
وقد امتازت دراساته في هذا الميدان بالتجديد والعطاء والانطلاق. وذلك لأنه كان ميالا الى التأمل العملي، مؤثرا تعمق التجربة النفسانية، بعيدا عن الخوض في المناقشات الجدلية.
فحين استهل تأملاته في الله اتجه اتجاها مباشرا الى التجربة الدينية يستطلع فيها طبيعة الخالق ويمم وجهه نحو البحث النفساني ليعرف معنى الخلود بعد الموت، وقصد ميادين الاعتقاد والعمل، ليثبت حرية الإدارة، وليد حض النزعة الحتمية، كان جيمز باحثا منقبا في هذه الميادين كلها، يسير فيها مسالك وعرة.
تراءى له أن البقاء بعد الموت في حاجة إلى الدليل المقنع، ولكن وجود الله تسجله التجربة الدينية. فالله هو المنقذ في الملمات. والله هو وحده الذي يفرج الأزمات.
والحرية تراخ في ارتباط الأشياء بحيث: أن المستقبل لا يتعين تعينا لا مفر منه بالماضي والحاضر وعلى ذلك فالحرية تنقذ التاريخ من الهبوط الى محض تكرار سقيم.
وقد ظهرت آراء هذا الفيلسوف، فيما كتب من مقالات، وما ألقى من محاضرات، وجمعت فيما بعد في مؤلفات هامة: منها (( إرادة الاعتقاد)) وقد ظهر سنة 1897. و (( تنوع التجربة الدينية)) سنة 1902 .
وكانت دراساته في هذه الفترة تتصل من قريب ومن بعيد بهذا الجانب أو ذاك من جوانب المشكلة الدينية.
ويبرز كتاب (( تنوع التجربة الدينية)) اتجاه (( وليم جيمز)) في التصدي للمشكلات الفلسفية الخالصة. وفي سنة 1898 ألقى محاضرة في جامعة (( كالفورنيا)) عن (( التصورات العقلية والنتائج  العملية)) وصاغ المنهج المعروف بالمنهج (( البراجمي)) وقد انتفع بالقاعدة البراجمية في دراساته للتجربة الدينية والنظر في أفكار الصدفة والتغيير، والتعدد، والتنوع، والحرية.
واستعان بتلك القاعدة في حماته التي شنها على المذاهب (( الواحدية)) التي تنظر الى العالم على أنه كل موحد.
وفي سنة 1906 دعي ليحاضر في جامعة (( ستانفورد)) بكاليفورنيا وجمعت محاضراته في كتاب (( البراجمية)) وهو يتضمن عرضا واضحا لمنهج جديد في التفكير والعمل، مستندا الى التجربة الأصيلة.
والبراجمية تتوقى ان تدخل في فلسفة المنهج العملي التجريبي الذي ثبتت صحته وفاعليته في الكثير من الميادين العلمية. وذلك بفضل حرصه على التحقق الفعلي من كل فكرة أو نظرية.
والبراجمية تعنى بتوضيح المذاهب الفلسفية وتبسيطها، لتعود بها الى مضامينها الواقعية، ولكنها لا تقف منها موقف الحكم، فالحكم النهائي يظل دائما أمرا شخصيا.
ومن كتبه (( ارادة الاعتقاد))  وقد ترجمه الدكتور محمود حسب الله الى اللغة العربية سنة 1946 م ونشره ضمن مؤلفات الجمعية المصرية الفلسفية.
ومن كتبه (( تباين الخبرات الدينية )) و(( والمذهب العلمي)) و(( البراجماتزم)) و(( العالم المتعدد))، و(( بعض مشاكل الفلسفة)) وغيرها .
وتتميز مؤلفات (( وليم جيمز)) بما لها من نظرية علمية، ودقة بالغة. ويرجع الاهتمام العظيم الذي أحرزته مؤلفاته وكتاباته، إلى التأثير الذي قامت به الفلسفة العملية في الفكر الحديث.
                                                   ـ*ـ
ولقد ارتفع شأن الفلسفة العملية بفضل الأستاذ (( جون ديوي)) 1859 ـ 1952 . ويعتبر من أعظم رجال التربية في أمريكا.
نادى بفكرة التربية الديمقراطية في المدارس. وبدأ فلسفته بأن كان (( هجليا)) فرأى مثل ((هجل)): أن قلق الفكر الحديث ناشئ من التعارض بين المثل الأعلى والواقع، أو بين الروح والطبيعة.
فأراد (( ديوي )) أن يحقق الوحدة الروحية خبرا مما فعل (( هجل)) وكان (( ديوي)) كثير التأليف.
وصرح أن الفكر ليس الا وسيلة أو ذريعة لخدمة الحياة. وسمى مذهبه بمذهب الذرائع (( التربية التقدمية )).
والحق عنده هو التحقق من منفعة الفكرة بالتجربة. ولا يمكن أن يكون شيئا آخر. وفي مذهب الذرائع الذي انتهى اليه. يرى أن الحياة توافق بين الفرد وبيئته. ولهذا فان العقل ليس أداة معرفة. بل أداة ترقية للحياة، وصواب المعتقد مرهون بأثره وبقيته المنصرفة.
وبهذا اتسع معنى (( البراجماتزم)) فأصبح صواب الفكرة أو المبدأ، معناه تكيفه مع حياة الآخرين ومعتقداتهم. وليس مع حياة الفرد العملية حسب.
والح (( ديوي)) في المطالبة بتطبيق منهج البحث العملي، على شتى مجالات التفكير، ولاسيما مجال القيم في الأخلاق والجمال والسياسة وغيرها، آملا أن يؤدي هذا إلى تغيير القيم، بحيث تلائم ظروف الحياة، وتتمشى مع مقتضياتها.
والمنهج العملي عند (( ديوي)) هو الطريقة التي يصطنعها الباحث في الخروج من نطاق الفكر الى نطاق العمل. وبهذا أصبحت الفكرة اقتراحا لحل أشكال. فان وفقت إلى حله، كانت صوابا. ويعتقد (( ديوي)) أن الفكر في أساسه أداة لخدمة الحياة، والناس لا يزاولون التفكير متى جرت حياتهم لينة ناعمة، فإذا عاق تفكيرهم عائق باشروا التفكير مضطرين.
فتفكير الناس خطة يواجهون بها المصاعب، ومقياس صحة التفكير عند الناس يقوم في مدى ما يحققونه من نجاح، وفي ذلك يقول :(( ان كل ما يرشدنا إلى الحق فهو الحق )). ويخطئ الذين يحسبون وهما، ان العلوم تقصد إلى المعرفة لذاتها. وان التفكير المجرد، مقطوع الصلة بمطالب الحياة العملية.
ولكن الواقع أن كل بحث وراء الحقيقة ليس إلا طريقة لإيجاد وسائل تخدم حياتنا العملية ومن ثم كان موضوع التفكير عند (( ديوي)) خطة يراد بها تحقيق فعل من الأفعال، والفيلسوف (( ديوي )) قد عالج كثيرا من نواحي المعرفة الإنسانية في كتاباته ومؤلفاته، التربوية والفلسفية والمنطقية والنفسية والفنية.
وأهم كتبه (( الديمقراطية والتربية)) وقد ترجم إلى اللغة العربية وقام بترجمته الدكتور متى عقراوي  والأستاذ زكريا ميخائيل ونشر عام 1946 م.
ومن كتبه كيف (( تفكر)) و(( المنطق)) و(( نظرية البحث)) وغير هذا كثير ومعظم مؤلفاته أصبحت معروفة في العالم العربي ولها ثقلها في التأثير.
وأخذ بنظرياته معظم رجال التربية في مصر، وذكره يتردد على السنة طلاب كليات التربية والفلسفة وعلم النفس.
ومن هذا العرض الموجز لأعلام الفكر ـ بيرس وجيمز وديوي ـ وفلسفتهم ... يتبين لنا أن صواب الفكر عند هؤلاء تشهد به الآثار التي تترتب عليه في دنيا العمل.
وهذا الاتجاه اصطبغ بنزعة واقعية ملحوظة. لقد تعالى على صيغ العقل وإطاراته الذهنية واتصل بدنيا العمل أوثق اتصال.
فكان بهذا ثورة على الفلسفة التقليدية. كان الفكر في الفلسفة المثالية يسبق موضوعه. فأصبح في الفلسفة العملية لا حق له. وكان الحق بمعزل عن ظروف الحياة ومطالبها، فأصبح مرهونا بعلاقته بالنفع الذي يحققه في حياة الإنسان. وأضحى هدف التفكير قائما في استخلاص القيمة العملية للكلمات والعبارات في كل صورها، واستفتاء التجربة في أمرها.

معنى كلمة (( براجماتزم ))
معظم النقاد قد فشلوا في ادراك ما ترمي إليه هذه الفلسفة العملية عندما نتحدث عما هو (( عملي)) لأن ما تعنيه فلسفة (( براجماتزم)) بكلمة (( عملي)) هو أمر مشابه لما قصد اليه (( ماركس)) عندما انتقد (( فيورياخ)) لتجاهله التطبيق العملي، في مفهومه عن الحقيقة وفي بعض الأحيان ولسوء الحظ تستخدم كلمة عملي بنفس معنى مفيد. ومن ثم يؤكد نقاد فلسفة (( البراجماتزم)) وعلى الأخص (( براتراندراسل)) أنه طالما أن الفلاسفة البراجمازيين يؤمنون بنظرية عملية عن الحقيقة فهم يؤمنون بالتالي: أن كل ما هو مفيد فهو حقيقي. وأن كل ما كان مدرا للربح فهو حق. وأن كل ما يساعدنا على اكتناز المال فهو من الحقائق الراسخة.
والواقع ما ترمي إليه: فلسفة (( البراجماتزم)) بكلمة (( عملي)) لا يعدو أن يدلل على النشاط والسلوك والتجارب التي لا تكون بالضرورة ذات نفع أو فائدة.
ففلاسفة (( البراجماتزم )) يؤكدون أن كل صنوف التفكير شيء عملي ويقصدون بهذا، أن كل تفكير أمر تجريبي. وأنه باعتباره تجريبا فان عمل المرء أن يدخل نوعا من التغير العملي في الأشياء وأن يحدث من الوجهة الحرفية، أمرا ما في هذا العالم وله على حد سواء، ولا يعني هذا أن كل فعل علم، أو أن كل مفيد هو باعث على السرور.

الإنسان والخلاق
معظم الفلاسفة العمليون يؤكدون على أساس نظريتهم عن المعنى والحقيقة ، وهي النظرية التي تعد في الأساس تعبير عن منطق العلم الحديث واخلاقياته (( أن الإنسان جزء من الطبيعة ))، فالإنسان مخلوق طبيعي يستخدم الرموز والمعاني فينتظم ويحول العالم الطبيعي والإجتماعي في اطار حدود معينة أو بمعنى أخر فان ذكاء الإنسان هو ذكاء طبيعي اجنماعي تاريخي، وهو فوق كل شيء ذكاء خلاق.
ويختلف هذا المفهوم الخاص بالإنسان عن النظرة المثالية التي تؤكد أن العالم كله قد خلق بيد الإنسان. وأن العالم لو جاز القول انما يمكن في عقل معين.
وهذا ما يعتبره فلاسفة (( البراجماتزم)) مظهر للغرور الميتافيزيقي والمنطق الفاسد، ولا يختلف فلاسفة(( البراجماتزم)) مع المثالية فحسب، بل يختلفون أيضا مع النظرية المادية التي تقول : بأن الإنسان كائن سلبي تشكله وتدفعه قوى ((ميكانيكية)) ويعتبر عبد الطاقة الفيزيقية، يعجز عن السيطرة عليها.
فالفلسفة العملية (( البرجماتزم)) اذن تحتمل مرتبة وسطا بين جنون الإعتقاد باستطاعته الإنسان خلق العالم كله بما في ذلك ظروفه جميعا.
وبين سلبية أو جبن الإقرار بأن الإنسانة لا تعدو أن تكون كائنات سلبية أو عبيدا للقدر، عاجزة عن تقدير أمورها.
ولهذه الوسيطة تقول فلسفة ((البراجماتزم)) عن القيمة الإنسانية والأخلاق: ان الخير في الحياة الإنسانية، انما يرتبط جوهريا بالرغبات الإنسانية، وانه لا يوجد شيء خير بمعزل عن أي سباق انساني فعلي أو ممكن.
فهي تشير الى أنه ليس كل الأشياء المطلوبة مرغوبا فيها. فكثير من الأشياء التي نريدها الآن تكشف في ما بعد انها لا تصلح لنا.
فالحكمة تكمن في أن يعيش المرء حياته على نحو يختزل فيه الأسى، الى الحد الأقصى، وبالتالي فان الفلسفة العملية تؤكد: أن الخير هو ذاك الذي ينتقيه المرء بعد تفكر وتدبر، وأن الخير يعتمد على الذكاء.
أما وظيفة الذكاء فتكمن في ربط الخير بطبيعة الإنسان التاريخية، كما يكشف هو حقيقتها عن طريق التأمل والبحث العملي.

البراجمية والحقيقة:
يقال أن (( الحقيقة)) خاصية ملازمة للأفكار فصدق الأفكار أي حقيقتها يعني موافقتها للواقع، كما أن كذبها أو بطلانها يتمثل في عدم موافقتها للواقع، كما أن كذبها أو بطلانها يتمثل في عدم موافقتنا للواقع، والبراجمية والنزعات التجريدية تلتقي عند هذا التفسير (( للحقيقة))، بيد أن البراجمية سرعان ما تفترق عنها على معنى (( الواقع)) ومعنى (( الموافقة)) وطبقا للقاعدة البراجمية نتساءل دائما: لنفرض جدلا أن فكرة ما أو معتقدا ما صادق، فما الفرق العملي الذي يؤدي إليه صدقه في الحياة الواقعية؟ وأية تجارب تختلف عن تلك التجارب التي تصل إليها اذا كانت الفكرة باطلة أو المعتقد باطلا؟ وباختصار ما قيمة المعتقد في العمل وما أهميته حين نزنه بميزان التجربة ونقيسه بمقياس الواقع؟ واجابة البراجمية على هذا حاضرة: الأفكار الصادقة هي التي يمكننا التثبت من صحتها والأفكار الكاذبة هي التي لا يمكننا التحقق من صحتها، فالتحقق بالفحص والتحليل، هو الذي يحدد الحقيقة ويؤلف لها.
فاذا تقبلنا هذا التفسير للحقيقة لا نبني على هذا انها ليست خاصية ملازمة لفكرة صادقة، ولكنها شيء يحدث للفكر فتغدو الفكرة بفضلة صادقة. ومعنى هذا أن الأحداث هي التي تجعل الفكرة صادقة. فحقيقة الفكرة أو صحنها أو صدقها تمثل في عملية التحقق منها. فما هذا التحقق على النمط البراجمي؟
نحن نعيش في عالم وقائع، وهذه الوقائع قد تكون نافعة وقد تكون ضارة، تتنبا سلفا بما نتوقعه من واقع معين هي أفكار حقيقية، وامتلاك الحقيقة ليس غاية في ذاته وانما هو وسيلة الى اشباع اهتماماتنا المتحددة، ولما كنا في حاجة الى اشباع اهتماماتنا فان واجبنا الأول أن نواصل السعي وراء الأفكار الحقيقية، فالقيمة العملية للأفكار الحقيقية، تستمد من أهمية موضوعاتها لنا.
ونحن نختزن الأفكار التي تثبت قيمتها في الحياة العملية في مستودع ذكرياتنا، وقد تنتفع بها في زمان تال، حين تمثل المناسبات التي تلائمها، وحينئذ نقول: عن هذه الفكرة (( أنها نافعة لأنها حقيقية)) أو (( انها حقيقية لأنها نافعة)) فهاتان القضيتان سواء في معناهما ومضمونهما، وهو أن ثمة فكرة قد تحققنا من صحتها (( فصفة الصدق)) أو (( الحقيقة)) التي ننسبها للفكرة ننسبها لها حين نبدأ بها عملية التحقق، وصفة النفع تدل على الفكرة حين تؤدي وظيفتها في التجربة.
ومع ذلك فليس ميسورا أن تقوم بالتحقق مباشرا من جميع الأفكار. ومن هنا ففي وسعنا أن نجيز صدق فكرة تتحقق صحتها تحققا غير مباشر، حينما تكون هناك ملامسات تدل على صحتها دون أن نتمكن من الاستيثاق استيثاقا مباشرا من ذلك، وعلى هذا فنحن نسلم بالقضية (( اليابان موجودة )) مع أن أغلبنا لم يزر هذه الجزر. وكذلك الشأن في كثير من المعتقدات، نجيزها حيث لا نلتقي بمعتقدات تناقضها، مثل ذلك، مثل أوراق النقد تظل صالحة طالما كان الناس جميعهم يتعاملون بها، وليس يخفى أن ثمة تحققا مباشرا في نهاية المطاف يسند هذا التحقق غير المباشر.
وحين يفحص ( جيمس)  العلوم يرى أن أعظم مهمة ننهض بها في ميدانها هي الوصول الى نظريات يمكن أن تفيد فائدة فعالة نظريات يمكن أن تكون وسيطا بين حقائق سابقة وبين تجارب جديدة. وينبغي للنظرية العلمية الا تزعزع المعتقدات السابقة في أضيق نطاق، وأن تقضي الى نتيجة يمكن التحقق منها. والنظرية التي تعمل ـ بالمعنى البراجمي ـ يجب أن تصيب الهدفين معا. وحين يشتد التنافس بين نظريتين في ميدان العمل، ويستويان في التقدير، فان المفاضلة بينهما تقوم على أساس الأسلوب والاقتصاد في الجهد، ذالك لأن الحقيقة في العالم هي تلك التي تزود بأكبر قدر من الإشباع لاهتماماتنا.

البطولة في العالم متعددة :
في كل انسان ذخائر من الطاقة لا يمكن أن تستثمرها حياة هادئة رتيبة، وانما توقظها وتثيرها حياة هادئة رتيبة، وانما توقظها وتثيرها حياة متدفقة متجددة التيار، فهنا في معمعة هذه الحياة نحس فعلا بأننا نعيش لأننا خلقنا للنضال، ومن أجل غاياتنا يشتعل حماسنا ويضطرم نشاطنا. فينبغي أن نلامس الواقع فنعيش حياتنا ونساهم فيها فنطبعها بطابعنا، وبذلك يغدو كل منا بطلا.
لذلك نرى ((البراجمية)) تدافع في حماس عن السلام والحرية. وهي لذلك تشيد بفضائل النضال والشجاعة والتضحية والصبر على الضيم واحتمال الاستبداد، وهي تذهب الى أن الحرب ليست جائزة أخلاقيا، فمن الخير لحضراتنا أن تقوم على أساس التربية المتعادلة فتصون للجنس البشري خصوبته، والاعتدال الأخلاقي، يتطلب منا أن نكون أبطالا في حياتنا نبحث عن البساطة ونبتعد عن الترف فنفعل دائما على تقدم فكري لا ينقطع.
أن البراجمية تدعو كلامنا أن يكون بطلا في ميدانه، وللبطولة تمنها في النجاح وفي الفشل وفرص النجاح مهيأة وقد تكون قليلة، ولكن فرصة واحدة للنجاح قد تغني، ان الهدف الذي تستهدفه يستأهل اذن المخاطرة ويستحق التضحية حتى ولو باءت جهودنا بالفشل.

البراجمية والدين:
لقد كان (( جيمز)) حريصا على أن يتجه في وصف التجربة الدينية الى استخلاص قيمة الدين وتعرف مغزاه. وقد كان يرى أن موقف أنصار المادية موقف بعيد عن الانصاف وأننا لا نستطيع أن نحكم على قيمة الدين بوجه عام أو دين معين من الأديان بوجه خاص من مجرد النظر، إلى منابعه وأصوله بل ينبغي لنا أن نمعن النظر في نتائجه، وأن نتتبع آثاره العميقة في الحياة الأخلاقية للأفراد والجماعات، وأن تجربة دينية عميقة لتزود صاحبها بثروة لا تنفد، من الاعتزاز بالكرامة والجد على الكفاح وتقدير المحبة والسلام، والسعي للسعادة، وكل هذه حوافز لتقدم الإنسانية. ونحن لا ينبغي أن نجحد فضل الأنبياء والقديسين، فقد كانوا حملة المشاعل في كل تقدم أخلاقي وارتقاء اجتماعي.
ويثير فينا الدين الشغف إلى التساؤل، وهذا التساؤل يضع أمامنا المشكلة الفلسفية فنحن نلاحظ أن جميع الأديان تفترض أن العالم المرئي جزء من عالم اوسع هو العالم الروحي. والعالم المرئي عالم أرضي يستمد مقوماته من العالم الروحي. وأن الواجب الأصيل للإنسان أن يوائم بين نفسه وبين هذا العالم الأسمى عالم الروح. ومن هنا كانت العبادة وسيلة لتحقيق هذه الغاية. والعبادة تعد بحق عملا فعالا نستجلب به الطاقة الروحية من ذلك العالم الأسمى، وهذه الطاقة تعيننا على الحياة في الأرض، وتدفعنا الى النهوض بالمجتمع، فإلى أي مدى يمكن أن يكون لهذه المعتقدات قدرها ووزنها هل هي لا تخرج عن كونها انطباعات ذاتية، مجرد أوهام نتشبث بها لنبرد القيم التي نسعى لتحقيقها أم هي تطابق بالفعل حقيقة واقعية موضوعية؟؟
اتجه المؤمنون في الإجابة على هذا التساؤل اتجاهين: مختلفين في الطريق، ومتفقين في الهدف، أولهما الاتجاه الصوفي، وثانيهما الاتجاه العقلي، أحدهما يذهب الى أن التجربة الصوفية التي يمارسها الإنسان تصونه من الشك وتعصمه من الانحراف، بيد أن هذه التجربة لا قيمة لها في شخص لم يمارسها. والاتجاه العقلي يعتمد على الاستدلال والبرهنة، وقد اتبع هذا الاتجاه أساتذة اللاهوت والفلاسفة المثاليون، وقد حاولوا جميعا أن يلتمسوا للدين سندا عقليا بحثا. الا أن ((جميس)) يلاحظ أن الحجج العقلية لم تقنع أحدا، وانها لم تستهو إلا أفئدة أولئك الذين مارسوا من قبل تجربة صوفية بالفعل.
ويرى (( جيمس)) أنه ينبغي لنا بناء على هذا أن نقر بالحقيقة الواضحة التي لا تحتمل جدالا، أعني بها أن ليس ثمة من سبيل لإقامة الدين على أساس عقلي، والتماس دعامة موضوعية للتجربة الدينية والمعتقدات المرتبطة بها، بيد أنه ليس هناك كذلك وسيلة لرفض هذه المعتقدات، أو البرهنة على أن التجربة الصوفية لا تمكن صاحبها من الاتصال بحقيقة أسمى، فهل يعني هذا من ثم أن لا مجال للعقل في حل المشكلات الدينية؟؟ ان (( جميس)) يستبعد الاستدلال العقلي من هذا الميدان ولكنه يبين لنا في وضوح، أن دور العقل دور ثانوي، ذلك لأن الفكر هنا يتلو وقائع التجربة المباشرة. ومن ثم فالفلسفة الدينية تبدأ من الوقائع الدينية التي أجزناها وتقبلناها ورضينا عنها كما هي، وعلى هذه الفلسفة أن تعنى بتصنيف هذه الوقائع والتجارب وتحليل مضامينها، وأن تستند في ذلك الى الاستقراء والنقد.
على هذا الأساس يمكن لهذه الفلسفة أن تنهض على دعامات التجريبية الأصيلة فيحدوها الأمل في أن تظفر يوما ما بتأييد أولئك الذين لا يدينون بدين من الأديان فنحن نلاحظ أن أولئك الذين ولدوا، وقد حرموا نعمة البصر، يقرون بوقائع البصريات، وكما أن البصريات ما كان يمكن أن يكون لها وجود لو لم تكن تجاربها قاصرة على المبصرين، فكذلك الشأن في علم الأديان فهو ينهض على شهادة المتدينين، ولن يكون في استطاعة هذا العلم أن يقرر في نهاية الأمر ما اذا كانت هذه التجارب نفسها تجارب وهمية أو واقعية فالتساؤل عن واقعية التجارب تساؤل تتعذر الإجابة عليه علميا ومن ثم فعلينا إما أن نتركه على حاله أو نحسم فيه بفعل من أفعال الإيمان الشخصي.
ولم يتردد ((جيمز)) في الحسم بفعل من أفعال الإيمان، وفي تأييد قيمة ميتافيزيقية للدين وهذا الموقف يتفق مع تجريبيته الأصيلة المتحررة، لأنه لا تبهره الألفاظ، ولا تنطلي عليه ادعاءات العلم الحديث، بصدد الألفاظ، عن مقومات التجربة الحقة (( فجيمز)) يسلم بواقعية (( الأنا)) والإيمان فعل من أفعال ((الأنا)) و ((الأنا)) محور كل تجربة دينية. وفعل الإيمان واسطة العقد بين ((الأنا)) والعالم الأسمى عالم القيم. ولا يفوته أن يستنكر اندفاع العلم الحديث نحو طمس معالم الشخصية في الإنسان والقضاء على فرديته والنظر اليه على أنه مجموعة من الإحساسات المتبددة وعلى ذلك فليس للدين في تقديرهم أهمية، وهو لا يعدو أن يكون خرافة وأسطورة.
ولكن (( جيمز)) يرى أن التجربة الدينية قطعة حية من الواقع وأنها تجمع بين القلق والإخلاص قلق من العالم الأرضي، وخلاص يستبان في طموح الأنا إلى ما هو أسمى. فالإنسان يعيش على الأرض ويتطلع الى السماء، وفي هذا دفع لعجلة التقدم وإذكاء لحيوية البشر، وبث الأمل في حنايا النفوس.

المنهج في فلسفة البراجماتزم : 
ليس ثمة قيمة لفكرة أو لنظرية، الا اذا تيسر تطبيقها مباشرا على الواقع التي تلاحظ في المجتمع.
فاذا طبق هذا المنهج العلمي على التجربة الإنسانية، أمكن الوصول الى القاعدة (( البراجمية)) أعني أن نبحث عن المعنى الواقعي للفكر أو الاعتقاد وذلك بأن نلوذ بالواقع الجزئية. وينظر في صميم النتائج الحاسمة التي تنجم عنها في التجربة، والمنهج (( البراجمي)) يتجنب التورط في حماة اللفظية وذلك بفحص كل فكرة وكل خطوة.
ويستوي في ذلك أبسط التصورات اليومية وأعمق الأفكار الفلسفية على ضوء النتائج التي تتضمنها في لحظة مستقبله وفي جانب من جوانب الحياة العملية.
ولكي نستوثق من قدر نظرية من النظريات، نحاول أن نتخيل أنها مطبقة فعلا في العمل حتى يتسنى لنا رؤية ما عسى أن يكون هناك من نتائج لتطبيقها.
ونحتفي بها على قدر ما تأتي به من نتائج عملية خالصة.
ونحن نلاحظ أن أشد نظريات الطبيعة أو الفلك تعقيدا يحكم عليها في نهاية الأمر بمقتضى نفعها في التنبوء بالخسوف أو في تفسير ظواهر كهربية وما على غرار ذلك.
ومن ثم فالبراجمية تتوخى أن تدخل في الفلسفة المنهج العلمي التجريبي الذي ثبتت فاعليته، لحرصه على التحقق الفعلي من كل نظرية.
ومن العدالة أنه لا يتبع في الفلسفة نفس الطريق التي تتبع في الطبيعة أو في الكيمياء. ولكن المبدأ عينه هو الذي يطبق مبدأ التحقق العملي من كل فكرة أو فرض.
وفلسفة (( البراجماتزم)) من حيث هي منهج، تحسم المناظرات الفلسفية التي لم يفد فيها للآن الجدل النظري، ولا يرجى أن تحسم بغير هذا المنهج.
فالجدل ما يزال قائما في قضايا كثيرة منها:
هل العالم وحدة أم كثرة؟
وهل هو يخضع للجبر أم يتسع للحرية؟
وهل هو مادي أم روحي؟
الى غير ذلك من المسائل. والمنهج العملي: يؤول كل وحدة منها بحسب ما يترتب عليها من نتائج في العمل. ومن فرق في حياة الإنسان.
أما اذا لم ينتج فرق عملي، فيحكم بأن القضيتين المتقابلتين. ترجعان إلى واحد. وان الجدل فيهما عبث، اذ لو كان بينهما فرق لنشأ عنه فرق في الحياة.
فالمنهج العملي اتجاه أو موقف. مؤداه تحويل النظر عن الأوليات والمبادئ إلى الغايات والنتائج.
فمثلا المادية والروحية لا نجد فرقا بينهما من جهة الماضي اذ أن المؤمن يعتقد أن الله خلق العالم، ويبين المادي أن العالم تكون بفعل القوى الطبيعية.
ولما كان العالم قائما، ولا يمكن استعادة التجربة التي أحدثته لتحقق منها. أكانت خلقا، أو تكوينا طبيعيا؟ كانت المسألة ممتنعة الحل.
ولما كانت الحجج تتعادل قوة فنحن نحكم بأنه لا فرق بين النظريتين.
أما اذا نظرنا الى العالم من جهة أن له مستقبلا، وأنه لم يتم بعد، فان الاختيار بين المادية والروحية ينقلب أمرا غاية في الخطورة، ذلك بأن منافع الإنسانية ليست فقط حسية. ولكن للإنسانية منافع عليا ترجع الى حاجتها العميقة لنظام خلقي دائم.
والنهاية التي يتنبأ بها الماديون: بأن الأشياء ستبلغ اليها بعد تطورها الآلي هي: فناء القوة وهي العدم. فهذه النهاية لا تكفل للإنسانية منافعها العليا، على حين أن لفكرة الله أفضلية عملية كبرى. اذا معناها ان العالم قد يهلك بالنار أو بالجليد دون أن ينال الإنسانية أذى لثقة الإنسانية بأن الله سيرعى المنافع العليا، ويوفر لها الأماني ووسائل الرضى في عالم باق. ومن ثم فالخلاف بين المادية والروحية خلاف يغوص الى أعماق الحياة ففي المادية انكسار وتشتت، وفي الروحية تبرير للوجود، وتماسك أمام نكبات الدهر ومد في حبل الأمل للتجاوب مع التجارب الحية الأصيلة.
كذلك يمكن استخدام المنهج في حسم الجدل القائم بين أنصار الحرية وخصومها فيقال: ان الاعتقاد بالحرية مصدر قوة وإقدام لأنه يتضمن أمكان البلوغ إلى الكمال، بينما المذهب الآلي يقول: أن العالم خاضع للضرورة وأن فكرة الامكان ناشئة عن جهل الإنسان بأسباب أفعاله.
فمعاني النفي والله والحرية ملأى بالمواعيد من جهة العمل. ولكنها تنقلب ألفاظا جوفاء إذا نظرنا إليها مجردة بمنظار المادية.
واذن فليس لها معنى غير معناها العملي.
والخلاصة: أنه من العبث أن يوجد تطاحن بين النظريات المتضادة وأن يستغرق الباحثين الجدل. في أيهما حق وأيهما باطل.
فالنظر بين الماديين والروحيين عبث ومضيعة للوقت لأنه لن ينتهي إلى نتيجة تؤثر في سلوكنا العملي، ولكن النظر الى مستقبل العالم يرجع كفة المذهب الروحي. لأنه يملأ الإنسان أملا، ويثير في نفسه التفاؤل. ويمكنه من احتيال متاعب الحياة ومثل هذا يقال في كل نزاع يثور بين نظريتين متضادتين، فالرأي قيمته في منفعته في الحياة وصدقة مرهونة بهذه المنفعة.
وهكذا قضت الفلسفة العملية (( البراجماتزم)) على الخلافات التي تثور بين مدارس الفلاسفة وتعصب كل منا لمذهبه.
كان الجدل حول صدق الفكرة ينحدر بأهله. الى البحث في مقدمتها وصحة الاستدلال الذي أدى إليها.
فحولت (( البراجماتية)) المناقشة المجردة الى (( اختبار النتائج)) الفكرة في دنيا التجربة. انها اتجاه عن البحث في المبادئ الأولى والعلل البعيدة والضروريات المفترضة إلى النظر في ثمار الأفكار ونتائجها وآثارها في الحياة.
لقد تساءلت مذاهب المدرسين في العصر الوسيط على طبيعة الأشياء وكنهها وضلت في متاهة (( جوهر الأشياء )).
وتساءلت نظرية التطور عند (( دارون)) عن أصل الأشياء وضلت في غياهب السديم.
أما الفلسفة (( البراجماتية)) فانها تساءلت عن النتائج وانصرفت عن الفكر إلى العمل. واهتمت ايضا باستخدام الذكاء البشري لتوسيع أفق الناس وبذل كل الجهود لتوظيف الأساليب العقلية والعملية في مجال حل المشكلات الإنسانية والاجتماعية.
والفلسفة (( البراجماتية)) تسعى لتوفير مبادئ يستطيع الإنسان أن يعيش بمعونتها في عالم خطر مليء بالمشكلات.
وأفضل ثمار العقل: هو تلك التي يمكن المشاركة في جنيها، دون أن تعاني نقصا في محصولها وهي قيم المعرفة، والفن، والصداقة، والخلق، بالإضافة إلى ادراك التنوع والثراء في الحياة الفكرية والشخصية.
كذلك تؤكد (( البراجماتية)) على الفرد لا على الفردية. فهي تختبر كل المؤسسات الاجتماعية بنوعية التجربة الشخصية التي تتيحها، وبإمكانيات النمو التي توفرها. انها تختبر المؤسسات كذلك بالفرص التي تمكن الأفراد من التعبير عن الخلاف في الرأي، ومن رفض مطالب السلطات المتعسفة ومن التعاون وإجراء التجارب.
وبعد هذا كله يمكن أن يقال : أن فلسفة البراجماتزم فلسفة إنسانية عملية تتناسب واحتياجات الإنسان الذي يعيش في عصر يتم بملامح العلم التجريبي.
وتبقى أعظم فلسفة إنسانية شهدها العصر الحديث بما لها من آثار.

بعض المصادر:
(1تاريخ الفلسفة الحديثة . يوسف كرم ـ دار المعرف بمصر 1962 م .
(2تاريخ النظريات الأخلاقية .. أبو بكر ذكرى ـ مطبعة حسين الامبابي القاهرة 1958 .
(3فصول في الفلسفة للفيلسوف جود ـ مكتبة النهضة المصرية 1956 م
(4مجلة الثقافة الأمريكية، المجلد الثاني ـ العدد الرابع شتاء 65 / 1966 يصدرها مكتب استعمالات الأمريكي بالقاهرة ـ طبع دار المعارف بمصر.
(5أسس الفلسفة. د .توفيق الطويل ـ دار النهضة العربية 1964 م القاهرة .
(6 محاضرات في مناهج البحث. د. محمد خليل الهراس ـ مطبعة السعادة بمصر 64 م .
(7المنطق ومناهج الاستقراء. د. محمد خليل الهراس ـ مطبعة السعادة .
(8اعداد من مجلة (( العلوم )) بيروت.
(9سلسلة تراث الإنسانية المجلد الأول الجزء الثامن 1963 م.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here