islamaumaroc

السياسات السكانية

  دعوة الحق

144 العدد

 ان المشكلة الرئيسية التي واجهت العالم منذ قديم الأزل في سياسته السكانية هي الملاءمة بين أعداده والموارد الاقتصادية، وهذه العلاقة بين السكان والإمكانيات المادية في حد ذاتها كانت الموجه الأول للسياسات السكانية التي يرسمها الإنسان وحكومته لتنظيم حياته وحياة المجتمع.
وان سياسة منع السكان من التزايد السريع هذه الظاهرة للسياسات السكانية في العصور القديمة، غير أن هذه السياسة لم تكن وليدة خطة مرسومة أو هدف اجتماعي معين، كما أن انتشار المجاعات والأمراض والأوبئة كانت تحول دون زيادة السكان. وإذا لم يكن هدف السياسة السكانية منع السكان من التزايد فانه لا يعد أن يكون هدفا لتحسين النوع أو التوسع، ولم يكن الإنسان ليستطيع أن يتمسك بالسياسة التوسعية قبل قيام الثورة الصناعية الأولى في النصف الثاني من القرن الثاني من القرن الثامن عشر غداة استخدام البخار في إدارة الآلات مما نشأ عنه زيادة الكمية المنتجة، إذ حققت هذه الثورة إمكانيات لم يكن يحلم بها الإنسان في المجال الزراعي والفلاحي والطبي وكان لاستخدام البخار في نقل المواد الغدائية بواسطة السفن البخارية أكبر الأثر في القضاء على المجاعات.
وارتكزت السياسة المانعة على وأد الأولاد وهم في المهد، ووأد الأولاد لا زالت قائمة الآن في بعض جهات إفريقيا وآسيا واستراليا وكانت مستفحلة في العصور القديمة بين شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط كاليونان والرومان والعرب. ويعزو علماء الاقتصاد ظاهرة وأد الأولاد إلى الإملاق والفقر لا الى الشرف كما يقول البعض. ولا شك أن من عوامل القضاء على هذه الظاهرة تحقيق التقدم في الميادين الاجتماعية والاقتصادية.
ومن أساليب تلك السياسية الإجهاض، وكان متبعا في الصين وفي كثير من دول العصور القديمة، وهو لا يزال يمارس على نطاق واسع وبشكل ملحوظ في جميع الدول والشعوب، غير أنه لا يزال إلى الآن  وسيلة سرية اذ يعاقب القانون في غالبية الدول على الإجهاض، واللافت أن هناك اتجاها تبلور في الحقبة الأخيرة يدعو الى اباحة الإجهاض فأمكن تبعا لذلك في بعض الدول، وعلى رأسها اليابان، ممارسة عمليات الإجهاض رسميا.
والعزل أو الانفصال الجدي بين الزوجين من شأنه أن يقلل من عدد الأطفال، وإبعاد الزوجين عن بعضهما فترة من الزمن لهذه الغاية ظاهرة انتشرت في المجتمعات القديمة ورسخت ضمن تقاليدها الواجب مراعاتها، ويدخل ضمن طريقة العزل عدم اعتراف بعض الأعراف القديمة بزواج الأرملة.
واتبع الإنسان قديما سياسة قتل المسنين الطاعنين والمرضى فيترك هؤلاء يتجرعون مرارة الجوع والحرمان ويعانون آلام المرض دون عون أو مساعدة حتى يموتوا جوعا، وذلك في أوقات القحط والكساد، ومرضى الاسكيمو ان استعصى علاجهم تركوا في العراء حتى يهلكهم الصقيع ويودي بحياتهم.
ويقال بأن عدم صرف العناية والاهتمام فيما مضى بمعالجة أسباب المجاعة بل وترحيب بعض الحكام القحط والأوبئة لتخفيف الضغط السكاني في منطقة نفوذهم يعتبر في حد ذاته غير مباشرة للاقلال من عدد السكان.
ولا شك أن الحروب تلعب دورها الحاسم في تقليص حجم المجتمع، وهي أمر غير مألوف في البيئات البدائية القديمة حيث تكون حياة الكر والفر والمخاطر والأهوال أمرا عاديا وتحببا الى النفوس، وكثيرا ما كانت تفتعل الغارات فيذهب ضحيتها خلق عظيم في جانب الخصم.
والهجرة وسيلة سلمية في معالجة ازدحام السكان أو الاقلال من عددهم أو منعهم من التزايد، والتاريخ زاخر بالهجرات الجماعية كهجرة المستعمرين البريطانيين الى الهند واستراليا وأمريكا وجنوب افريقيا. وقد جنبت هذه الهجرة بريطانيا كثيرا من شرور ازدحام السكان ومن أخطار اقتصادية لا حصر لها، وأدت بطريق غير مباشر الى رفع مستوى معيشة الإنجليز، كما كانت الهجرة الى حد ما أساسا في تكوين الإمبراطورية البريطانية وفي مشاركة بريطانيا بأكبر نسبة مائوية في تجارة العالم وكانت تحصل على حوالي 800 مليون جنيه سنويا من الخدمات التي تؤديها السفن البريطانية في نقل التجارة قبل الحرب.
أما وسائل منع الحمل فهي وسائل طبية عرفها الإنسان ومارسها منذ زمن قديم وأن اختلفت أشكالها، ولكن أثرها في انقاص عدد السكان كان طفيفا قليل الأهمية في العهد القديم بالنظر الى ما تحدثه في هذا الباب الوسائل المانعة الأخرى كالوأد والحرب والهجرة. أما وقد تقدم الطب في العصر الحديث تقدما ملحوظا فان وسائل منع الحمل انتشرت واتضح مفعولها في ملاءمة عدد السكان مع الموارد.
ومن جهة أخرى اتبعت سياسة تحسين نوع السكان أو معدنهم كما يقال أحيانا، ويقصد بها تحسين الصفة الإنسانية. وكانت سياسة الاختيار متبعة في مدينة اسبرطة القديمة حيث كان يختار الأطفال ويربون ويدربون تربية وتدريبا عسكريين ومقابل ذلك كان الأطفال غير المرغوب فيهم بسبب عاهات أو انحرافات ذهنية يتخلص منهم. وحاول هتلر اتباع هذه السياسة، فقد كانت الدعاية الألمانية في ظل الحكم النازي تنادي بتعقيم ضعاف العقول والمجانين واجراء عمليات جراحية لهؤلاء قصد منعهم من انجاب الأطفال.
أما السياسة الهادفة الى زيادة العدد الكلي للسكان فالملاحظ أنها أقل انتشار واخف أثر، وفلسفة الأديان السماوية الثلاثة ترغب في التكاثر ولكن التفسير الاجتماعي الحديث لاتجاهات الكتب السماوية الثلاثة في السياسة التوسعية السكانية يتوخى ابراز أثرها في ازالة العوائق التي تمنع الزيادة نفسها، والرغبة في الفتح والغزو عامل لاتباع السياسة التوسعية بصدد السكان على أنه يجب هنا التوسع في ذات الوقت في الموارد فتكوين الجيوش وتجهيزها يحتاج الى موارد ضخمة، وتدبير ذلك يستلزم زيادة الانتاج ولكن الذي كان سائدا أن الدولة التي تقوم بالغزو تعويض نفقات الجيش والعمليات الحربية من موارد الدولة المغلوبة على أمرها اذ غالبا ما كان يفرض على هذه الأخيرة نوع من الجزية، وفي العصر الحديث  نادى الاستعمار المجال الحيوي واتضح ذلك في عهد موسوليني وهتلر اللذين طالبا بإيجاد مستعمرات للعدد المتزايد من السكان على الزيادة اذ منع الإجهاض وتداول وسائل تنظيم النسل وفرضت ضريبة الأعزب ومنحت الاعانات للعائلات الكبيرة ... وكانت ايطاليا تروم من وراء هذه السياسة  التوسعية أن تتبوأ مركزا سياسيا كبيرا تستطيع معه تكوين امبراطورية، بيد أن الألمان لم يعتقدوا أن تكوين امبراطورية، المانية قوية نتاج للزيادة السكانية فحسب بل آمنوا أن في زيادة عدد أفراد الجنس الألماني الآري خيرا وقوة للعالم بأسره.
والواقع أن نقطة البداية في تاريخ السياسات السكانية المعاصرة هي ظهور كل من النظامين الفاشي والنازي، ففي ظلهما بدأت سياسة السكان تدخل ضمن الاطار الحكومي العام للدولة ولم تحتل قبل ذلك أية مكانة مرموقة في السياسة العامة. 
والملاحظ أن بعض الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية سعت لزيادة معدلات المواليد بها، خطا لما تدل الشواهد الديموغرافية هناك على ان الزيادة الطبيعية في السكان اليوم ليست كبيرة ملموسة، كان على المسؤولين في هذه الدول أن يفكروا في الوسائل والخطوات العملية التي تؤدي إلى تشجيع هذه الزيادة الطبيعة الضئيلة.
أما الدول التي تعمل جاهدة على اتباع سياسة مانعة عمدا للاقلال من عدد سكانها فلا نعتقد بوجودها في عالم اليوم، ويزكي اعتقادنا هذا عدم وجود أي اعتراف رسمي من جانب المسؤولين بوجود سياسة مانعة، الا أن التقارير السكانية الرسمية في كل من اليابان والهند وغيرهما تشير الى وجود مثل هذا الاتجاه الداعي الى تنظيم النسل وهو اتجاه ان آتى بعض أكله في اليابان فمن غير المؤكد أن يؤتيه فيما عداها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here