islamaumaroc

مهمة أستاذ اللغة العربية في الطور الأول من التعليم الثانوي.-2-

  دعوة الحق

144 العدد

ومن الواضح الثابت أن الأستاذ مطالب بأمرين: الأمر الأول تزويد التلميذ بالمعلومات حتى يتسنى له الاطلاع على مختلف الجزئيات المتصلة باللغة والمتعلقة بالبرامج المقررة.
الأمر الثاني تعويد التلميذ على التفكير والتعبير وهنا يحتاج الأستاذ الى استغلال مواهب المتعلم والى ترويض امكانياته على الاستفادة من طرق التفكير والى خلق الروح النقدية في نفسه والى رسم الطريق أمام الاستعدادات التي يملكها فيعلمه كيف ينسق أفكاره وكيف ينقد أفكار غيره بالتي هي أحسن باحثا عن الحقيقة من غير تعصب ولا حقد.
ولا يمكن للأستاذ أن يحقق المرين معا الا اذا كان متوفرا على أشياء كثيرة لا يستغنى عنها ما دام في اطار التعليم سواء أكانت هاته الأشياء متصلة بمادته أو بالقدرة على تبليغها أو بإثبات شخصيته داخل الفصل أو باطلاعه العام على المناهج المقررة أو بمرونته الفنية التي تجعله قادرا على الربط بين معارفه والحياة.
ومن الأسس الأولى في هذا المجال إتقانه المادة التي يعلمها.
وهذا شيء قد يكون من البدهيات ومع ذلك فالتنبيه عليه شيء ضروري لا غناء عنه، ومادة أستاذ اللغة العربية هي كل العلوم التي تقوم اللسان وتسير التعبير وتجعل الكلام مسايرا للأساليب العربية الفصيحة سواء أكان ذلك متعلقا بالشعر أو بالنثر ولهذا يجب على الأستاذ أن يكون عالما بالنحو والتصريف والبلاغة والعروض مطلعا على أصول النقد متذوقا للجمال مرهف الإحساس، فليس من المعقول أبدا أن ينجح أستاذ اللغة العربية في مهمته وهو لا يعرف أصول اللغة التي يعلمها ولا يحسن صيغها وأوزانها ولا يتذوق مواطن الجمال بها ولا يميز الجميل من الرديء ولا يملك القدرة على إظهار خبايا اللفظ ومضمون التعبير وينبغي للأستاذ أن يكون مرنا في معلوماته فيحسن ربط بعضها ببعض ولا يقتصر على المعرفة المجردة.
ان اتقان المادة في الحقيقة رهن بخلق الانسجام بين جزئياتها وهذا هو السر في كون بعض الأفراد اذا سألتهم عن الجزئيات اللغوية أجابوا عنها ولكنك اذا انتظرت منهم استغلالها في تعابيرهم وتفكيرهم وتلقينهم لم تجدهم يفعلون شيئا ومثل هؤلاء هم الذين كانوا عرضة للسخرية عند ابن شهيد في رسائله وهم الذين ما زالوا الى الآن عرضة للسخرية من النقاد الواعين الهادفين الى محاولة استغلال المعرفة والانصهار مع أبعادها الايجابية التي تربط القواعد المجردة بالتجربة الذاتية وبشتى المعارف الإنسانية وبمختلف المشاكل البشرية.
ان الاطلاع على المادة في الحقيقة يلعب دورا كبيرا في اكتساب الشخصية داخل إطار التعليم ولكنه 
وقف كما قلنا على مدى القدرة على ربط هاته المادة بالشخص والحياة ومعنى هذا ضرورة وجود التكامل بين المعرفة والقدرة على التصرف في وجه مضمونها والربط بين ذلك وبين الإمكانيات العامة المكونة للشخصية الإنسانية.
فليست المعرفة إذن غاية في ذاتها ولكنها سبيل ضروري للبلوغ إلى الغايات ووسيلة من الوسائل التي تجعل الأستاذ متغلب على مادته قادرا على القيام بمهمته.
ان معرفة الأستاذ بمادته تجعله واثقا من نفسه عند الشرح والتلقين فلا يتردد في الحكم تردد الحائرين ولا يأتي بالمتناقضات التي تجعله أضحوكة بين تلاميذه في بعض الحيان.
وقد أثبتت التجربة أن إتقان المادة قد يكون ناتجا عن رغبة ذاتية في نفس الأستاذ وعن ميل باطن يذكي اهتمامه بمادته ويقوي انتباهه الى جزئيتها.
ان الرغبة الذاتية في المادة التي يعلمها الأستاذ تكون أساس الانسجام بينه وبين عمله وتكون مدعاة للنشاط والحيوية فلا يشعر بقلق ولا يحس بملل ولا  يواجه أية صعوبات حينما يواجه الفصل، فإذا فقد هذه الرغبة أصبح عمله شاقا يثقل كاهله ويرهف جسمه ويعذب نفسه ويزيل سعادته.
ومن هنا وجب التفكير الجدي في كيفية استغلال هذه الرغبة في اختيار المادة التي تنسجم مع هوايات الأستاذ وميوله المختلفة فكم من شخص أخفق في حياته حينما أخطأ الاختيار سواء بالنسبة الى أصل المهنة أو بالنسبة الى جزئيتها كما هو الحال بالنسبة الى من اختار مهنة التعليم ولكنه لم يوفق في اختيار المادة التي تنسجم مع ذوقه ورغباته.
وهذا هو السر في تنوع الشعب العلمية والفنية وفي تنوع المدارس التوجيهية وفي خلق المراكز الجهوية التربوية وفي إنشاء المدارس العليا للأساتذة. وان وجود هذه المدارس والمراكز لخير مساعد على خلق الأستاذ الذي يفهم سر مهنته ويدرس مختلف جوانبها سواء أكانت تتعلق بالمضمون أم بطريقة التلقين وسيعلم هؤلاء الذين يتلقون درسهم بهاته المدارس ـ كما علم غيرهم من الأساتذة ـ ان التعليم صناعة يحتاج صاحبها إلى تدريب متواصل والى قواعد أساسية أهمها ما يتعلق بتحضير الدرس قبل الإلقاء أن هذا التحضير أمر لا يستغنى عنه الأستاذ أبدا لأن الدروس لا تظهر أبعادها الا حينما يفكر في تهيء عناصرها وفي تخطيط الطرق الصالحة لالقائها وفي خلق الانسجام بين جزئياتها وفي خلق الجو الصالح الذي تقدم فيه وفي ايجاد تواصل بينها وبين من يتلقاها حسب المستويات والقدرات.
فكم من أستاذ أخفق في إلقاء دروسه لأنه لم يفكر فيها قبل ابانها فاختلط عليه الحابل بالنابل ولم يدر السبيل الصالح لتبليغ معلوماته ولترتيبها ولإيجاد تسلسل منطقي يسير بالمقدمات إلى النتائج.
ان تحضير الدروس في الحقيقة وسيلة الى تحديد المعلومات وإلى البحث عن الكيفية الصالحة لتقديمها والى استعداد الأستاذ للطوارئ الناتجة عن أسئلة التلاميذ أو عن استفساراتهم.
وفي هذا التحضير فرصة كبرى للمقارنة بين الأفكار المختلفة واطلاع عملي على مختلف المصادر ومجهود ذاتي لاستخلاص أحسن الآراء ولترتيبها ترتيبا منطقيا لا يفوت الفائدة على المستمعين.
وهنا يجب ان يكون انسجام بين التحضير وبين المستويات التي تقدم فيها المواد من جهة وبينه وبين طرق التعليم من جهة أخرى.
وهكذا نصل الى ان المعرفة بالمادة ووجود الرغبة فيها والعمل على تحضيرها قبل الإلقاء لا يستغنى بها الأستاذ عن المعرفة بطرق التدريس. سواء كانت عامة او خاصة.
ان التجربة وحدها ليست كافية في تلقين الدروس، والأستاذ الصالح هو الذي يجعل من اطلاعه على الطرق سبيلا الى التوفيق في إلقاء دروسه وفي تبليغها بدقة ووضوح.
ولقد دلتنا التجارب أن الأستاذ الذي يطلع على طرق التعليم لا يألو جهدا في ان يكون موفقا وهو حين يقوم بعملية التدريس يحاول ما أمكنه أن يقتدي بإحدى الطرق الصالحة وأحيانا يستطيع أن يدمج بعض الطرق في بعض فيمزج بينها ويخلق طريقة خاصة به قد تكون نبراسا لمن سيأتي بعده.
وخير الطرق في تعليم اللغة طريقة لا تجعل التعليم تلقينيا محضا وإنما تجعله منهجيا يحس فيه التلميذ بأنه يشارك بنفسه في البلوغ الى الحقيقة والى الوصول الى النتائج.
وينبغي للأستاذ عند تحضير الدرس أن يراعي نقط الاتصال والتجاوب وان يفكر بجد في الوسائل الكفيلة بإنجاحه في مهمته وان يعمل ما أمكنه على تبليغ القواعد بعيدة عن الاضطراب.
وهو حر في كيفية الأداء ما لم يخرج عمله عن القواعد الأصيلة التي تفسد على اللغة أصولها وأعرابها، اذ فرق كبير بين تغيير الأصول وتغيير الوسائل، ومن استطاع من الأساتذة أن يغير الوسائل دون ان يؤثر ذلك في تغيير الأصول فله ذلك لأن المدار في الحقيقة على تيسير الوصول الى القواعد وعلى القدرة على ذلك فلنتصور مثلا أن الأستاذ يهيئ درسه حول كيفية توكيد الفعل المضارع بنون التوكيد ثقيلة كانت أو خفيفة.
فقد جرت العادة ان يلقي هذا الدرس حسب أواخر الأفعال وحسب أنواعها وحسب ما يتصل بها من الضمائر وان يبين في ذلك دوافع الحذف والإثبات سواء كانت مرتبطة بالتخفيف أو بتوالي الأمثال وان يميز الضمير في الفعل المعتل بالألف فيرفع الواو ويجر الياء على خلاف باقي الأفعال.
ولكن الأستاذ قد يستغني عن تقسيماتهم الطويلة المملة في بعض الأحيان فيختار طريقة عملية تيسر للمتعلم توكيد الفعل من غير حرج ولا التباس وهي طريقة سرت عليها منذ سنوات فأدت مهمتها من غير ان يقع اضراب عند تطبيقها.
وهذه الطريقة لا تميز بين الفعل الصحيح والمعتل ولكنها تنطبق على كل الأفعال سواء أكانت صحيحة أو معتلة، وسواء أكانت معتلة بالألف أو الواو أو الياء. ان هذه الطريقة تراعي الملاحظة الآتية: 
أولا ـ ما يتعلق بالفعل الذي لم يتصل بآخره ضمير متصل وهذا يبنى على الفتح لأن نون التوكيد اتصلت به اتصالا مباشرا، فنقول: ( لأكتبن ـ لأدعون ـ لأجرين ـ لأرضين) ويجوز في هذه المرحلة تخفيف النون.
ثانيا ـ ما يتعلق بالفعل المتصل بألف الاثنين، وهنا تزول نون الرفع وتعوض بنون التوكيد المشددة المكسورة، فيقال: ( لتكتبان ـ ولتدعوان ـ ولتجريان ـ ولترضيان).
ثالثا ـ ما يتعلق بالفعل المتصل بنون النسوة، وهنا يبقى الفعل كما كان ويؤتي بنون التوكيد المشددة المكسورة بعد أن يفصل بينها وبين نون النسوة ألف زائدة فيقال: (لتكتبنان ـ ولتدعونان ـ ولتجرينان ـ ولترضينان).
رابعا ـ ما يتعلق بالفعل المتصل بواو الجماعة أو ياء المخاطبة وهنا ننظر الى صورة الواو والياء، فان كانتا على شكل مد حذفتها، وان كان السكون يظهر عليهما فان الحذف لا يقع على الحرف وإنما يقع على السكون خاصة، ويعوض السكون بحركة تتناسب مع الضمير الغير المحذوف بحيث نجعل ضمة على الواو وكسرة تحت الياء، وفي هذا القسم بالذات يظهر أثر الاجتهاد في اقرار هاته القاعدة وفي تغيير منهجها فنقول مثلا (لتكتبن ولتدعن ولتجرن ولترضون) كما تقول ( لتكتبن ولتدعن ولتجرن ولترضون) ويجوز تخفيف النون في هذه المرحلة أيضا.
ويجب أيضا على الأستاذ بعد تقديم هذا الدرس أن يبين مواطن وجوب التوكيد ومواطن الامتناع والجواز وان يربط ذلك بالبلاغة العملية ليتعود التلميذ في تعابيره مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
وعن طريق التحضير يستطيع الأستاذ أيضا إثبات بعض الملاحظات العملية التي تيسر طرق التعليم وتسهل البلوغ الى الغايات، وخير مثال على ذلك ما يتعلق بتصريف الفعل المعتل الآخر، فقد جرت العادة في تقديمه أن يتوصل الى الصيغة الصحيحة عن طريق الاتصال بالضمير من جهة وعن صورة الحرف المعتل من جهة أخرى، وهنا يقع الفرق في إقرار القواعد بين الماضي وبين المضارع والأمر، لكن الطريقة العملية إنما تعني بالحركة الموجودة قبل الحرف الأخير، أي أنها تعني بحركة عين الفعل، فان لم تكن مفتوحة فإنها تظل كذلك عند تصريف الفعل، فان لم تكن مفتوحة فإننا لا نصيرها فتحة أبدا، بحيث اذا طولب التلميذ مثلا بتصريف الفعل رضي في الماضي، فانه بعد تمكنه من هاته الملاحظة لا يفتح الضاد مطلقا، فلا يقول رضيت ولا رضوا وإنما يقول رضيت ورضوا، وكذلك إذا طولب بتصريفه في المضارع فإنه سيراعي صورة المضارع أمامه وسيرى الضاد مفتوحة، وهنا لا يجوز له بأية حال أن يبدل الفتحة بحركة أخرى، فلا يقول أنت ترضين ولا انتم ترضون، وإنما يجب عليه أن يقول أنت ترضين وأنتم ترضون.
ان هذا التبسيط يقرب القواعد وييسر التعليم وأحر به أن يكون منهاجا للدروس التي تقدم في إطار التعليم الإداري.
ويمكن مع هذه الملاحظة إضافة القواعد الأساسية المتصلة بالموضوع على شكل عملي أيضا، ويراعي فيها الترتيب الآتي:
أولا ـ الفعل الماضي المعتل الآخر إذا اتصل بواو الجماعة حذف منه حرف العلة سواء كان هذا الحرف الفا أو واوا أو ياء، اما اذا اتصل بتاء التأنيث الساكنة فان حذف حرف العلة لا يقع إلا إذا كان الفعل معتلا بالألف، أما إذا كان معتلا بالواو أو الياء فلا حذف.
ثانيا ـ الفعل المضارع يحذف منه حرف العلة مع المخاطب اذا اتصل بياء المخاطبة أو واو الجماعة.
ثالثا ـ فعل المر يحذف منه حرف العلة مع المخاطب فيكون مبنيا على حذفه، كما يحذف منه حرف العلة اذا اتصل بواو الجماعة أو ياء المخاطبة.
ويجب على الأستاذ أن ينبه إلى رد الألف في الفعل الماضي الى أصلها عند التصريف اذا كان هذا الفعل ثلاثيا، فإذا زاد على ثلاثة أحرف قلبت ألفه ياء مطلقا، أما الفعل المضارع وفعل الأمر فان ألفهما تقلب ياء دائما.
ولم تجر العدة في هذا الدرس أن يقدم على الشكل الذي أوضحناه، ولكن الأستاذ كما تقدم لنا يستطيع حينما يحضر دروسه أن يبحث عن أقرب الطرق الصالحة للتبليغ فيستغلها ويستفيد من ذلك إقرار القواعد وربح الوقت وتحبيب اللغة في نفوس المتعلمين وخلق الانتباه فيهم وإثارة التشويق لديهم لتسير دروسه وفق المناهج المثالية التي تلزم الأستاذ باستغلال الميول والغرائز عند المتعلمين.
ومن هنا وجب على الأستاذ أن يضيف إلى مادته معرفته بطرق التدريس خبرة أخرى تتعلق بالتربية وعلم النفس مع محاولة الربط بين ذلك.
وليست هذه المعرفة تعيننا على اختيار الطريقة الصالحة للإلقاء فقط ولكنها تعيننا أيضا على اختيار الموضوعات الصالحة المناسبة لسن التلاميذ. فدراسة الميول والغرائز والانفعالات تدفعنا إلى اختيار الموضوعات الأدبية والموضوعات التعبيرية والقواعد العامة التي تنسجم مع عمر المتلقي ومع نموه العقلي والجسمي.
فمن المعلوم أن القصص التي تلائم الأطفال زمن الدراسة الثانوية قد تتنافى مع القصص التي تلائمهم قبل ذلك، وان الموضوعات التي تختار لهم يجب أن تكون منسجمة مع أيام المراهقة، فهم في حاجة الى الموضوعات البطولية التي تمثل الاندفاع والقوة والأريحية.
وينبغي للأستاذ في هذه المرحلة أن يستغل غريزة حب الاستطلاع وغريزة التنافس التي يجب على المربين أن لا يسيئوا استعمالها لئلا تؤدي إلى الحقد والعداوة.
ان مجال التنافس يجب أن يكون بعيدا عن السخرية وعن الاستخفاف بشخصية الآخرين، أنه يمكن أن يكون في استظهار القواعد وفي تطبيقها، ويمكن أن يكون في إبراز الوسائل الإبداعية المتعلقة بالهوايات والفنون، ولا يمكن أبدا أن يستغنى عن استغلال هذه الغريزة في الإطار التعليمي، وقد جاء في كتاب فن التعليم (( لجلبرت هايت)) ما يلي: (( من الواضح أن التنافس غريزة قوية طبيعية، لا يمكن القضاء عليها، وكل ما يرجى في ميدان التربية أن يستفاد منها حتى تكون أداة للخير والتقدم)). وقوله هذا حق لا مراء فيه، يتوقف تطبيقه على مهارة الأستاذ وكفايته.
ويجب على الأستاذ أيضا أن تكون له خبرة بدراسات الذكاء فيستعين بذلك على استغلال القوى العقلية الموجودة عند التلاميذ وعلى مراقبة التفاوت الموجود بينهم، فلا يرهق الضعيف ولا يضيع المتفوق ويستطيع بذلك إيجاد نشاط عام بين تلامذته يعينهم على التوفيق والنجاح.
ومن المعلوم أن كل ما تقدم لا يفيد إذا حصر الأستاذ نفسه في المعلومات الأولى التي استفادها عند دراسته واقتصر عليها، إذ الواجب يفرض عليه أن يسعى في اكتمال ثقافته مدى الحياة.
ان الأستاذ يجب عليه أن لا يقتصر على معلوماته السابقة دون العمل على تنميتها بمواصلة المطالعة والبحث وبالمشاركة في الأندية الأدبية وبسماع المحاضرات المفيدة وبغير ذلك من وسائل التثقيف.
ومن واجب الدولة أن تساعده على ذلك، فلا ترهقه بساعات العمل، ولا تقتر على رزقه فتكثر
همومه ويضعف نشاطه، ومن واجبها أيضا أن تيسر له الكتب، وان ترسل اعتمادات مختلفة الى الخزانات المدرسية لتنمو وتزكو وليجد الأستاذ بها منهلا يعينه على التثقيف الذاتي ويساعده على القيام بمهمته.
إني أرى الأستاذ كالطبيب سواء فيما يقوم به من أعمال أو فيما يحتاج اليه من مجهود متواصل لمعرفة تطور الأمراض ومعرفة تطور أنواع العلاج، ولذلك كان الأستاذ في حاجة الى مواصلة البحث في النظريات المستحدثة في التربية وعلم النفس كما يكون في حاجة الى عدم الاكتفاء بالأصول العلمية التي أحرز بواسطتها شهادته، فان تطور العلم يتطلب من الطبيب أن لا يكتفي بالمعلومات السابقة لأن وسائل العلاج قد تختلف ولأن تشخيص المرض قد تتنوع طرقه، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الأستاذ والثقافة فقد تتنوع مدلولاتها، وقد تختلف أهدافها، وقد تحدث تغيرات لا يمكن ان يطلع عليها الا بمواصلة التثقيف وبالدأب على الدراسة والمطالعة.
فعلى الأستاذ ان يخصص وقتا ليس باليسير للقراءة والبحث وتنمية المعارف ليستطيع بذلك مسايرة العصر وافادة المتعلمين، وعليه أن يعتبر نفسه مسؤولا عن تربية تلامذته، وعن تنمية مداركهم وعن اعدادهم للحياة اعدادا صالحا، ولذلك فهو محتاج أشد الحاجة الى الدراسات الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية ليستعين بها على تأدية واجبه في هذه الحياة.
ولا بأس أن نشير في هذا المجال الى أن الأستاذ ينبغي له الاطلاع على الخزانة المدرسية ومراقبة ما فيها من كتب ومطالعة بعضها ليتسنى له بذلك توجيه تلامذته الى الأحسن والأقوم، وليرشدهم الى اهم المؤلفات الصالحة الموجودة بها.
ومن الطبيعي أن الأستاذ حينما يقوم بمهمته على أحسن وجه يشعر باطمئنان داخلي يجعله واثقا من نفسه راضيا عنها، رضا من قام بالواجب، فرضي ضميره عنه.
ان رضا الضمير نعمة كبرى وسعادة لا تقاس بمقياس مادي ولكنها تقاس بمقياس معنوي حيث ينتشي الفرد في أعماق نفسه ويحس باستقرار داخلي تسمو معه النفس وترتفع عن الابتذال والنفاق.
وحينئذ يصبح الأستاذ أمام تلامذته صورة حية للأسوة الحسنة ويتقمص كثير منهم شخصيته فيستفيدون من سلوكه ومن علمه ويقدرون مواقفه ويحبونه ويحبون من أجله المادة التي يقدمها لهم.
وحيث ان الاستاذ في المرحلة الأولى من التعليم الثانوي يتصل أتم الاتصال بالمراهقين فانه يعد أكبر مسؤول على تكوينهم وعلى إعدادهم للحياة.
وعلى قدرة هذه المسؤولية يجب ان يتحمل الأمانة وان يؤدي الواجب بعيدا عن الكسل وعن مساوئ الأخلاق(1).

(1) من مصادر هذا البحث:
- دراسة عن عبد القاهر الجرجاني في سلسلة أعلام العرب، تأليف الدكتور أحمد بدوي.
- فن التعليم، تأليف جيلبرت هابت، ترجمة المرحوم محمد فريد أبو حديد، نشرته مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، سنة 1956 .
- النحو الوافي، للأستاذ عباس حسن، الجزء الرابع.
- التثقيف الذاتي أو كيف نربي أنفسنا لسلامة موسى.
- اللغة العربية، أصولها النفسية وطرق تدريسها ( ناحية التحصيل )، للدكتور عبد العزيز عبد المجيد،، الجزء الأول.


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here