islamaumaroc

الفصيح المهجور في اللسان المغربي الدارج -4-

  دعوة الحق

144 العدد

اقترح أديب فاضل وصف هذه الكلمات العامية العربية بالمجهول بدلا من المهجور .. معللا ذلك بأن الخاصة لم تعرفها بعد حتى تهجرها فهي جاهلة لها ومنكرة لعربيتها! واذا كان الأخ يؤثر الصراحة في الحكم على الأشياء ويأبى إلى أن يسميها بأسمائها فقد فضلت أن لا أكون قاسيا ولا جافيا فكرهت ان انعت أحدا بوصمة الجهل لهذه الكلمات التي تقلصت واختفت من دنيا الأدب والكتاب لتترعرع في أوساط الشعب وتزدهر على ألسنة الغوغاء .. فلا بدع إذا أبدى الكثير اندهاشه من عربية الكلمات التي استعرضتها في هذه الحلقات شاكا في صحة ما أوردته في تحليلها، ولم ينشرح صدره حتى عرضها على مصادر اللغة ليمتحنها فعرف أن الامر جد وليس ملاغة! وتأكد معنا العامية المغربية تختزن ثروة من الفصيح لا تقدر وأنها في حاجة الى ان تكتشف لتسترجع اعتبارها ومكانتها ... وأمام القارئ الآن عينات أخرى من هذه الكلمات التي تدور على السنة العامة صباح مساء لا تخرج عن هذا المحيط الشعبي ولا نجد لها وجودا ولا ظلا في كتاب أديب أو قصيدة شاعر لسبب واه ووهم خاطئ هو أنها عامية.
الباسل: من أكثر الكلمات دورانا على السنة العامة كلمة الباسل والبسالة، تقولها للمكروه من الرجال أو الأقوال والأعمال. فالرجل الباسل الذي يأتي عملا يكره من أجله، والبسالة هي فعل الشخص لأشياء مكروهة لا يتحملها الآخرون ... والطعام الذي لا يحسن مذاقه باسل فهو مكروه. والاستعمالات كلها مما تكلم به العرب ونقلته كتب اللغة هكذا: تبسل لي فلان إذا رأيته كريه المنظر، وبسل وجهه كرهه وشوهه. قال كعب بن زهير:
اذا غلبته الكأس لا متعبس
              حصور، ولا من دونها يتبسل
وسمي الأسد باسلا لكراهة وجهه، واللبن الباسل الكريه الطعم، وباسل القول شديده وكريهه، قال أبو شيبة الهذلي:
نفاثة أعني، لا أحاول غيرهم
            وباسل قولي لا ينال بني عبد!
وقال عنترة:
واذا ظلمت فان ظلمي باسل
            مر مذاقته كطعم العلقم
والشابل: ورد في هذه الكلمة عن العرب ما يلي: شبل الغلام نشأ وشب في نعمة ورغد، قال ابن الأعرابي: اذا كان الغلام ممتلئ البدن نعمة وشبابا فهو الشابل .. وقد استعار العامة عندنا هذه الكلمة فأطلقوها على نوع خاص من السمك هو أكثر الأسماك امتلاء وأجودها لحما وطعما. وللعامة دقة في الملاحظة لا تخطيء وتصرفات بلاغية رائعة لا تقل عن روائع البلغاء في العربية أحيانا.
الغامل: مما تكلم به العامة قولهم خبز غامل او دقيق غامل: اذا فسد وتغيرت رائحته واللفظ عربي سليم ورد عن العرب هكذا: غمل الاديم دفنه في الرمل بعد البل حتى ينتن ويسترخي فينتزع صوفه، وأغمله تركه حتى فسد وغمل القمح غملا حتى فسد قال الكميت:
كجالية عن كوعها وهي تبتغي
            صلاح أديم ضيعته وتغمل
والمغمول من الرجال الخامل.
الغمقة: كتب عمر (ض) الى أبي عبيدة بن الجراح بالشام: أن الأردن أرض غمقة وان الجابية أرض نزهة فاظهر بمن معك من المسلمين اليها .. الغمقة من الأرض التي فيها ندى ووخامة مما يتسبب في ظهور الأوبئة وانتشار الأمراض وهذا ما حمل عمر على إصدار امره الى أبي عبيدة لينتقل بجند المسلمين عن الأردن الى الشام لأنها أرض نزهة. وما تزال هذه الكلمة حية على ألسنة العامة يصفون بها الدار التي توجد فيها رطوبة ولا تنفذ اليها أشعة الشمس فتكاد تكون مظلمة.   
الطول:  أكثر العامة في المدن يستعملون كلمة الطول بدل الحبل الذي يكثر استعماله بين سكان البادية عندنا، والطول: عربية الحبل تشد به قائمة الدابة، ومع ان أبناء البادية يستعملون مثل هذا التركيب الذي تكلمت به العرب: طول لبقرتك أي أرخ لها الطول في المرعى. فقليل منهم من يعرف كلمة الطول التي تعيش في المدن ولا يعرفها من البدو الا من قدرت له الحياة في المدينة قال طرفة:
لعمرك ان الموت ما أخطأ الفتى
                لكالطول المرخى وثنياه باليد
غاول غاول: كثيرا ما نسمع الرجل من البدو وهو ينادي صديقه رافعا صوته: وامحمد غاول غاول يريد: بادر واقبل وهي كلمة لا تعيش الا على ألسنة إخواننا في البادية ويترفع المتحضرون في المدينة عن استعمالها واستعمال الكثير من مثيلاتها. وليس عجيبا أن تكون هذه الكلمة فصيحة عربية وقد تكلم بها الرسول منذ عهد بعيد، ففي حديث عمار: أنه أوجز في الصلاة وقال اني كنت أغاول حاجة لي أي أبادرها واتعجل لتحصيلها. فالمغاولة هي المبادرة قال جرير يذكر رجلا أغارت عليه الخيل.
عاينت مشعلة الرعال كانها
             طير تغاول في شام وكورا
والرعال المشتعلة هي أوائل الخيل أمام شمام فهو جبل بعينه.
الجوع والنوع: من كلام عامتنا السائر قولهم ( الجوع والنوع والبكا بلا دموع) ونحن نعرف الجوع ما هو ونقول عن النوع أنه من استعمال العامة وابتكارهم أوحى بهم التوفيق بين اللفظين في السجع والصيغة لا غير ولكن الأمر بخلاف ما نظن فالنوع لغة العطش والنوعان العطشان، أنشد ابن بري على هذا المعنى قول الشاعر:
إذا اشتد نوعي بالفلاة ذكرتها 
               فقام مقام الري عندي ادكارها !
وليس هو من باب الاتباع كقولهم: حسن بسن، شيطان ليطان. لأن الاتباع لا يكون بالعطف.
البوجادي: عندما يحلو للعامة أن يصفوا رجلا بالجهل وانعدام المعرفة يقولون عنه أنه بوجادي ! وهو استعمالها ينم عن ذكاء العامة وانتباههم الى دقائق المعاني فالكلمة نسبة الى اباجاد على غير قياس ويقصدون بهذه النسبة أنه لا يعرف شيئا كمن تقف معلوماته عند مبادئ الحروف لا يتعداها مثل ذلك نسبة الأمية الى امه باعتبار الحالة التي انفصل بها عن أمه.
اللباط: من الحرف المعروفة بفاس وجل مدن المغرب حرفة الجلود ومعالجتها واستصلاحها للانتفاع بها، والمشرف على هذا العمل يدعوه العامة باللباط والكلمة ليست عامة مرتجلة ولكنها فصيحة  سليمة. فاللبط هو الجلد وجمعه الباط ومن هنا جاءت كلمة اللباط للرجل الذي يصلح اللبط ويعالجه كما جاءت كلمة الحداد للمشتغل بصناعة الحديد والقصاب والنجار..
النقرة: أكثر العامة وحتى الخاصة عندنا تستعمل كلمة النقرة بضم النون للفضة شقيقة الذهب، وقل من التفت منا الى اصل هذه الكلمة أو تنبه الى أنها عربية خالصة فهي كما تكلمت بها العرب القطعة المذابة من الذهب أو الفضة أو ما سبك مجتمعا منهما ـ وقد قصرها الاستعمال العامي على الفضة وحدها واختفت كلمة الفضة اختفاء لا تكاد تظهر معه الا في بعض الأحوال كتفضيض الأواني وأثاث المطبخ ...
باب العنزة: يواجه الوقف بصحن جامع القرويين بفاس باب بوسط الصحن تدعى العنزة حيث كان المحراب الأول قبل أن يوسع الجامع وتضاف اليه زيادات متعاقبة. وليس يعرف الناس من أين جاءت هذه التسمية، أو على الأصح لست أعرف ذلك فهي أولا ليست الأنثى من المعز المسكنة النون ولكنها العنزة بفتحها وهي عصا في قدر نصف الرمح فيها سنان وزج مثل الرمح يتوكأ عليها الشيخ الكبير، ويغلب على الظن أنها عصا كانت توضع مثبتة أمام الأمام كسترة بين يديه للصلاة ثم عرفت الباب بها وفي الحديث: لما طعن أبي بن خلف بالعنزة بين ثدييه قال قتلني ابن ابي كبشة.
الطناز: طنز به سخر فهو طناز وتقول المعاجم أن الكلمة غير عربية وانما هي مولدة أو معربة. وقد قدر لها أن تعيش على السنة العامة إلى جانب الفصيح الذي احتفظت به وظلت ترعاه، وكما لم يضق صدر العامية عن اللفظ البربري والتركي والعربي اتسع كذلك لما استحدثه المولدون أو عربه العرب عن غيرهم من الشعوب ..
النيفق: ومن الكلمات الدخيلة على العربية والتي احتفظت بها العامية كلمة النيفق وهي في فن خياطة الثياب القديمة قطعة صغيرة من الثوب توضع فيه تحت الابط كما توضع في السراويل لتعطيه اتساعا أكثر ..
المصدع: نعرف لهذه الكلمة وجودا في فاس وفي تطوان كذلك ففي كل منهما طريق في حي خاص يطلق عليه المصدع وفي فاس ينطق بالزاي واللفظ عربي فصيح ورد في الطريق السهل يوجد في غلظ من الأرض، وأغلب الظن أن مثل هذه الكلمات عرفتها العامية عن طريق العرب الوافدين من الأندلس والذين جعلوا من المغرب وطنهم الثاني فأثروا فيه تأثيرا عميقا شمل اللغة وكل مظاهر الحياة.
الطريحة: الطرحة عربية هي المرة الواحدة من الشيء مثل ذلك الطرح الذي ينطق به العامة كثيرا في لعبة الورق ( الكارطة) أما الطريحة فأكثر ما يستعملها العامة في الأشغال اليدوية التي ينجزونها دفعة بعد دفعة يسمون كل دفعة طريحة .. ومن الأمثال العامية السائرة ( اللي كمل طريحة وبدا طريحة بابته الذبيحة ) يقولونه للرجل الشيخ المتزوج يقدم مرة أخرى على زواج جديد ..
الغبة: في الاستعمال الدارج ما ينثني من جلد العثنون تحت الحنك وهو من سمات الجمال التي يتطلع اليها قديما في المرأة .. وعربيها الفصيح الغبب كما ورد في قوله:
اذا جعل الحرباء يبيض رأسه
             وتخضر من شمس النهار غبا غبه
المنقور: اذا لم يكن غريبا أن تحتفظ العامية بهذه الكلمة احتفاظها بغيرها فان الأغرب هو شيوعها وحياتها فقط في وسط الأطفال ومواكبتها لهم في مرحلة الطفولة لا تعدو هذا الجو إلى غيره .. فقد يكون من بين هؤلاء الأطفال من يغضب كثيرا من مداعبة اقرانه وينقبض لأدنى الأسباب فهذا الذي يدعوه رفاقه المنقور وقد يقاطعونه فلا يلاعبونه ! ..وللكلمة كما قلت عمر قصير لا يتجاوز مرحلة الطفولة ثم تختفي باختفاء الطفولة ومظاهرها .. وهي بعد كل هذا عربية سليمة فالنقر هو الغضبان ونفر عليه غضب ..
الدرابيل: حرف العامة هذه الكلمة عن السرابيل الفصيحة التي وردت في القرآن: (( سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم)). وفي قول الشاعر :  
الحمد لله اذ لم يأتني أجلي
           حتى اكتسيت من الاسلام سربالا
وأكثر العامة عندنا لا تستعمل الكلمة إلا للأسمال من الثياب.
حفضه الله ! هكذا يفتح الفاء وبالضاد تنطقه العامة في معرض الدعاء لإنسان بحفظ الله ورعايته له، وهو كلام فاسد نقله التحريف عما أريد به من المدح الى الذم لأن حفض معناه عطفه وحناه وهذا ما لا يقصده العامي وهو يدعو بالخير لمن يحبه ويصافحه. ومثل هذا من الفصيح الذي شوهه التحريف العامي أقبح تشويه وفي معنى اللفظ الذي ذكرت جاء قوله رؤية:
أما تري دهرا حناني حفضا
فالمصدر حفضا مؤكدا لحناني وهو بمعناه
ويتعمد استعمال هذا الدعاء العامي بعض المتأدبين موهما صاحبه أنه يدعو له وهو موقن أنه يدعو عليه!
العمارية: تستعمل العامة هذه الكلمة لقبة أو محفة تحمل فيها العروس لتزف الى زوجها، وهي عربية سليمة عثرت عليها في المروج للمسعودي في حكاية عن المعتصم مع مضحك له رافقه في نزهة كانا فيها معا على عمارية .. وتستعمل العمارية في فاس خاصة للشريفات نسبا دون سواهن ..
ناض: لا اعرف من الكلمات العامية أغرب من هذه الكلمة ولا أطرف منها .. فقد استعمل الخاصة القليل بديلا لها وهو نهد كما جاء في بائية أبي تمام مادحا المعتصم اذ قال:
لم يعز قوما ولم ينهد الى بلد
                الا تقدمه جيش من الرعب
أما ناض وهي عربية كذلك مثل نهض فهي مما لا يعرفه الخواص ومما استأثرت به العامة عندنا وظل حيا على ألسنتها بينما اختفت الكلمتان نهض ونهد وصرفوا الكلمة فقالوا نض وهو نايض.
يفري: الفري عربية هو القطع وهي مما يدور على السنة العامة عندنا كثيرا في شره بالفري أي قطع الأمعاء ..
ويحضرني قول زياد بين أبيه لأهل العراق: اني والله لا أقول الا أمضيت، ولا أخلق الا فريت  !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here