islamaumaroc

دراسات مقارنة بين الإسلام والفكر البشري

  دعوة الحق

144 العدد

الفكر الإسلامي والمأساة الغربية:
يحاول الفكر الغربي أن يفرض على المسرح والقصة والبناء الفني للأبطال مفهوما يقوم على أساس انتهاء القصة أو البطولة بمأساة أو فاجعة ويقوم هذا التقدير الفني أو النهاية الحتمية لكل قصة بطولة على أساس مفهوم وثني إغريقي قديم، مصدره ما حاولت الآداب اليونانية من افتراضه من صراع بين الآلهة وبين الناس، وهو افتراض يستمد وجوده من تاريخ طويل يقوم على أساس الأساطير وتقديس الأبطال وعبادة الفرد وتحويل بعض الأبطال القدامى إلى آلهة وإنصاف آلهة، وما يتصل بذلك من توزيع الاختصاصات بين الآلهة، فمنها إلاه الحصاد وإلاه الجمال وآلهة الخمر وغير ذلك مما تزخر به الأساطير اليونانية التي اتخذها الأدب الغربي الحديث أساسا له ومصدرا.
وقد أضيف الى ذلك محاولة تصوير حياة بعض الأنبياء على هذا النحو من وقوع المأساة والقتل وهو ما يسمى نهاية الصراع بين القدر والإنسان والمفترض أن يسقط الإنسان في هوة المأساة والهزيمة.
وقد جرت محاولات في الأدب العربي الحديث لإدخال هذا المفهوم  إلى المسرح العربي، وعن بعض كتاب القصة إلى إخضاع البطولات الإسلامية والشخصيات العربية لهذا المفهوم وجملة ما يذهبون اليه يتعارض مع مفهوم الإسلام والثقافة العربية ويتعارض مع طبيعة الفكر الإسلامي والمزاج النفسي العربي الذي كونه القرآن، وقام على أساس الإيمان بالله وعقيدة القدر بوصفها قوة دافعة.
أما المفهوم العربي الذي يقوم على أساس عجز الإنسان أمام القدر بمعنى أن الإنسان دائما في موقف المصلوب.
وأن الإنسانية واقعة تحت ضغط قدر لا يرحم، هذا المفهوم لا يعرفه العرب والمسلمون استمدادا من مفاهيمهم وقيمهم المستمدة من الدين الإلهي، والإسلام لا يقر هذا ولا يعترف به.
ومن المستحيل أن رابعة العدوية أو السيد البدوي كانا يؤمنان بهذه المفاهيم التي حاول بعض كتاب القصة إخضاعهما لنظرية غربية وثنية: وهي نظرية الصراع بين الإنسان والقدر ذلك لأن الإسلام حرر الروح الإنسانية من هذه المفاهيم الوثنية الجاهلية بل لقد دحض الإسلام نظرية الخطيئة التي حاولت الأساطير أن تربطها ببعض الأديان أو بعض الأنبياء.
ذلك لأن خطيئة آدم إنما كانت خطيئة ذاتية، تتعلق به وحده وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في إفاضة ووضوح وقرر أن آدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا صلة مطلقا بين خطيئة آدم وبين الناس. 
وأن الفكر الإسلامي لا يؤمن بالسخافة الإنسانية بل بكرامته وسيادته تحت حكم الله ولا يقر مفهوم الصراع الذي ينتهي بضياع البطل.
وقد واجه كثير من الباحثين هذه النظريات الوافدة التي يلتقي فيها مفهوم البطل بين اليونانية واليهودية والمسيحية الغربية وهو فكر مستمد من نظرية الخطيئة الأصيلة.
وقد أشار إلى هذا المعنى الدكتور شكري عياد في معرض مناقشة بعض المسرحيات التي اتخذت هذا المفهوم الوافد فقال:
((نرى أن هناك أسبابا سياسية في نظرتنا الى الحياة تجعل شخصية البطل التراجيدي كما يعرفها الأدب التمثيلي الغربي بعيدة عن إحساسنا الأصيل بحيث أننا قد نستمتع بمشاهدتنا وقراءتها ولكنا لا نستطيع أن نتخلقها في أدبنا خلقا.
ومفهوم التفكير (عن الذنب) موجود في تراثنا ولكنا نلاحظ أن فعل التكفير لم يستعمل في القرآن إلا مستندا إلى الله: ((ويكفر عنكم سيئاتكم)).
ونفهم من ذلك أن الله يمحو ذنب الإنسان التائب.
وفي تراثنا كلمة هامة هي كلمة(( العصمة )).
والفقهاء يقرون عصمة الأنبياء من الذنوب في نفس الوقت الذي يجمعون فيه على أنهم بشر. وكل إنسان يمكنه أن يعتصم، أي يلجأ الى الله بل يجب عليه أن يفعل ذلك.
(( من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم )).
والنتيجة هي أننا في نظرنا إلى الحياة يمكننا أن نفهم الضعف والجريمة، ولكننا نفهم أيضا أن الإنسان يجاهد ضعفه أو ميله إلى الجريمة جهادا مستمرا وأن هناك قوة عليا تسنده في ذلك. ونحن نشترك مع البشر جميعا في اعتقادنا أن العقاب الذي ينزل بالخاطئ هو كفارة أو تكفير عن ذنبه، الا أننا نعطي قيمة كبيرة لجهاد النفس ونرى أن القوة تكون دائما قريبة منا في هذا الجهاد.
وهذا التصور للذنب أو الجريمة من الناحية الروحية مختلف إلى درجة كبيرة عن التصور الغربي الذي لا يزال مرتبطا بتراث اليونان كما نراه في تراجيدياتهم.
فالتراجيديات اليونانية حين تصور لنا سقطة البطل تفترض أن هناك صراعا بينه وبين القدر وبينه وبين نظام الكون الذي لا يفهمه أو لا يسلم به دون فهم، الا حين يرى هلاكه.
ولهذا تكون سقطة البطل في التراجيديات اليونانية شيئا نابعا من إنسانياته نفسها راجعا الى استعماله لعقله وقوته، كشأن أوديب الذي حاول بكل ما في الطاقة الإنسانية أن يتجنب الوقوع في المحظور.
ولكن قضاء الآلهة ( اليونانية ) نفذ فيه آخر الأمر وكان ما لا بد أن يكون.
ذلك هو البطل اليوناني ..
أما البطل العربي فأحسب أنه أكثر وعيا بالنسبة إلى دوافعه، وأكثر استعدادا للتفاهم مع القدر، ولا أظن أن ذلك راجع الى أننا لم نتجاوز عصر الملامح بعد، ففي كل أطوار حضارتنا بارتفاعاتها وانخفاضاتها لم نتصور الإنسان قط على أنه محكوم عليه بالخطأ وإنما تصورناه مركزا لصراع مستمر بين الخير والشر. وهو ميدانه وهو قابض على السيف فيه ولم نتصور صراعه مع القوى الخارجية إلا نتيجة لهذا الصراع الداخلي وتحقيقا له.(1)
ولا شك القصة التراجيدية أو المسرحية وفق هذا المفهوم تصادم النفس العربية الإسلامية من ناحيتين:
( الأولى): من ناحية الصناعة والتلفيق فالنفس العربية الإسلامية تومن بالواقع، والواقع يؤكد أن عشرات من الأبطال لم تنتهي حياتهم بالمأساة اذ أنهم لم يصادموا الأقدار بل كانوا مثالا عاليا للرحمة والعطاء وقد استطاعوا أن يقدموا لأمتهم إضافات جليلة ويحققوا أعمالا باهرة.
(الثانية): هو قسر القصة على أن تنتهي بالهزيمة: فتشرط المأساة (وهي عمل فني) وليس صورة واقعة من الحياة ان (ينهزم فيها الحق دون الباطل وأن يهوي الإنسان الطيب وينتصر الشرير) على حد عبارة مؤلف كتاب المصطلحات الأجنبية .
والواقع أن القصة في مفهوم الأدب العربي، وفي منطلق الحياة نفسها ووفق مقاييس الحق والعدل الإلهي لا بد أن تنتهي بانتصار الحق وسقوط الباطل والشرير، وأن هذا المفهوم الذي فرض على المأساة والمسرح الغربي انما يستمد من وجوده من بروتوكولات صهيون التي ترمي الى خلق جو دائم من التدمير، واعلاء قيم الشر والباطل وانتصارهما في وجه الحق والخير.
ولا شك أن خضوع الأدب العربي الحديث لهذا المفهوم بعد مفاجأة حقيقية للواقع وللصدق ومعارضة أكيدة للنفس الإنسانية في فطرتها وأصالتها التي تلتمس دائما الخير والضياء والحق.
وأن محاولة دفع المفاهيم الوثنية الإغريقية إلى القصة والمسرح واعلاء طابع الطقوس والموسيقى الجنائزية والصيحات الممدودة والاستعراضات الصاخبة، كل هذا مهما بدأ في ظاهره مثيرا ولكن النفس العربية تصد عنه ولا تجد لديها تقبلا.
ولا شك أن المزاج النفسي العربي بطبيعة تكوينه في ظلال المسجد وهتاف الله أكبر والأدان، قد شكل لنفسه جرسا خاصا يستريح له ويجد في سماعه طمأنينته بالله خالق الكون كله.


(1) مجلة الثقافة 1961

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here