islamaumaroc

الغزو الإعلامي للعالم الإسلامي -1-

  دعوة الحق

144 العدد

مهد الغزو الإعلامي لتوطيد دعائم كثير من المفاهيم والأفكار والأنظمة في العالم الإسلامي. ويمكن القول ابتداء أن الصحافة والإعلام لعبا أخبث الأدوار في النكسات والهزائم المتتالية التي لحقت بمعظم الشعوب الإسلامية، ابتداء من سقوط الوحدة السياسية للمسلمين المتمثلة في الخلافة العثمانية، ومرورا بضياع فلسطين، وانتهاء بنكبة 25 صفر 1387 (( 5 يونيو 67)). ولا زالت أجهزة الإعلام المتعددة توالي تنفيذ مخططات الاستعمار: الصهيونية والصليبية والشيوعية على شتى الجبهات.
ونحن نقرأ في بروتوكولات حكماء صهيون (( حقائق مدهشة)) يصح أن نسوقها كأساس لأي دراسة عن الغزو الإعلامي للعالم الإسلامي: (( الصحافة هي القوة العظيمة التي بها نحصل على توجيه الناس..)). (( من خلال الصحافة أحرزنا نفوذا، وبقينا نحن وراء الستار)) ( 1). وليست الخطة مقتصرة على فترة معينة، فان الغزو الإعلامي ملازم لأي تخريب تحدثه القوى الاستعمارية العالمية تحث أي شعار. أن الإعلام المعاصر يضطلع بأدق المهمات التخريبية، أنه يعتمد أساسا على ((رأي عام )) يخلقه خلقا ويكيفه وفق تصميم خاص. واذا أدركنا أن الشعوب الإسلامية من المحيط الأطلسي الى المحيط الهادي جاهلة وأمية وفقيرة في معظمها اتضح لنا مفعول تحدثه الصحافة والإعلام في المحيط الإسلامي، وكأن قضية مسلمة بها الإقرار أن (( الرأي العام الإسلامي )) ـ تجاوزا ـ يعوزه كثير من التوجيه السليم. وحتى على الصعيد الثقافي يبدو واضحا مفعول الإعلامي. والصحافة الأدبية، وخاصة تلك التي تحسب على اليسار، تمثل صورة مكبرة لهذا الغزو المنظم ما في ذلك شك.
ان هناك خطوطا رئيسية للاعلام المعاصر يمكن تلمسها بصورة واضحة في كثير من الكتابات الصهيونية. ولست أدري لماذا قعدت همة كثير من الباحثين الإسلاميين عن إجلاء هذه الصورة وإظهارها للناس حتى يكونوا على بينة مما يروج حولهم فيأخذون الحيطة والحذر. والدارس لواقع الإعلام في العالم الإسلامي يوقن أن كثيرا مما خطط له أعداء الإسلام والحاقدون عليه في أوائل هذا القرن قد تحقق بصورة أو بأخرى. والصحافة هي المجال الذي يبدو فيه الغز أمرا لا يرقى اليه الشك. ذلك ان ميدان الصحافة لا يقيده ما يقيد المدرسة من مناهج ورسميات، ولا يختص بعدد محدود من التلاميذ، انها وسيلة شعبية ناجحة تستطيع أن تغير بموضوعاتها وأساليبها العقول والأفكار، والقيم والموازن، وأن توجه الرأي العام الى ما تريد من مفاهيم جديدة (2) . ومن ثم كانت الصحافة بإمكانيات التأثير التي تملكها إحدى الوسائل التي اعتمدها الاستعمار بشقيه الغربي والشرقي لغزو العالم الإسلامي، وكان الغزو الإعلامي بالتالي أشد وأقوى وأبعد تأثيرا.

تحريف المفاهيم
اتجه الغزو الإسلامي في مراحله الأولى إلى المفاهيم الأساسية الكبرى للشعوب الإسلامية، أثار الشك والاستخفاف بهذه المفاهيم، ووجه لها النقد العنيف، وركز أضواءه على المنحرفين من علماء ومفكري المسلمين، وروج أسماءهم، وهيأ لهم السبل الى الشهرة وذيوع الصيت، فشاعت في الشعوب الإسلامية أساليب جديدة للتشكيك والطعن والهدم يقوم عليها أعلام من أبناء جلدتهم. وفي مقابل ذلك اتجه الغزو الإعلامي الى المفكرين المخلصين ـ وقليل ما هم ـ وشهر بهم، وألصق بهم تهما وشبهات، وأثار حولهم الحقد والكراهية، فخلا الجو لمرتزقة الفكر والثقافة يصولون ويجولون ولا من رادع.
ومن الحق أن يذكر أن كل المذاهب الفكرية والأنظمة الاقتصادية والسياسة الشائعة اليوم في العالم الإسلامي كانت في بادئ الأمر أفكارا هزيلة لا يستجيب لها العقل الإسلامي بسبب القناعة الفكرية التي كانت من الصلابة بحيث تتحطم عليها كل محاولات التشكيك. ولكن الإعلام الغربي والشرقي معا استطاع بعد إصرار حثيث أن يخرق الجدار ويقتحم العقول في عملية متوازية مع حملات الغزو الاستعماري العسكري والاقتصادي على البلدان الإسلامية، وانهارت بذلك الحصون من الداخل، ولا زالت تنهار فيما يشبه الطوفان، حتى تهيأ (( رأي عام)) ـ على المستويين الشعبي والثقافي العلمي ـ  أخص مميزاته أنه أبعد ما يكون عن الإسلام عقيدة وروحا. لقد أفلح الاستعمار بغزوه الإعلامي للشعوب الإسلامية في خلق ((رأي عام)) ينحاز غالبا ـ وكدت أقول دائما ـ الى الفكر الغربي. ولعل أهم ما ينعكس فيه هذا التحول الخطير هو الاعراض شبه الكامل عن الدين، وأقصد به الإسلام بطبيعة الحال.
لقد ثم تحريف المفاهيم الإسلامية وفق مخطط تقريبي. وأتت جهود جهابذة الاستعمار الفكري ثمارها. والواقع الإسلامي، أو واقع المسلمين بعبارة أدق، يعفينا من سوق الأدلة على تزكية هذا الرأي، وثمرة الموسم الدعوة الى (( الأممية)) ورفض الأصالة والارتكاز إلى المقومات الأساسية بدعوة الانغلاق ومعارضة روح العصر. وهذه الفكرة يرددها بنبرة عالية أحد مثقفي المغرب (3). وتلقى استجابة من قطاعات هائلة من المفكرين، ويساعد على هذه الاستجابة الغزو الإعلامي الوارد من الشرق في شكل مجلات (( تقدمية)) (4).
وعلى أساس ما ذكر، فان الإعلام المعاصر هو المسؤول عن موجات الإلحاد والإباحية والفسوق، وهو المسؤول عن الفوضى الفكرية، والتخبط السياسي، وهذا السقوط الحضاري المهول الذي تعيشه جل الشعوب الإسلامية. وحتى أكون (( موضوعيا)) في هذه الدراسة أركز على أهم التأثيرات الخطيرة التي أنشأها الغزو الإعلامي في المجتمع الإسلامي :
1 ـ سيطرة الفكرة القومية على الاخوة في الله واللقاء على صعيد الإسلام.
2 ـ شيوع الأفكار العلمانية القائمة على مبدأ (( الدين لله والوطن للجميع)). وهذه ظاهرة خطيرة رائجة في المشرق الإسلامي.
3 ـ الانبهار بحضارة الغرب المرتكزة أساسا على التمرد على الدين وإسقاطه من الحساب.
4 ـ الشجاعة في التظاهر بالإلحاد، وانتشار الفكر الملحد على نطاق واسع.
5 ـ تمرد المرأة على تعاليم الإسلام وتهافتها ـ الذي يبعث على الشفقة حقا ـ على أسلوب الحياة
الغربية بما في ذلك المغالاة في طلب الحرية المزعومة.
في هذه المجالات الخمسة لعب الغزو الإعلامي أبشع الأدوار. ويصح القول، دونما تردد، أن الضياع الهائل الذي نعاني منه ما كان ليكون لولا الغزو الإعلامي. وللقارئ أن يبحث عن الدليل الواقعي في صحافتنا اليوم يومية كانت أو أسبوعية أو شهرية، وفي أجهزة الإعلام الأخرى وفي مقدمتها التلفزة والراديو، وحتى السينما والمسرح. وغني عن البيان أن المفاهيم الإسلامية في الحرية والبحث العلمي وحق المرأة في المساواة تختلف على طول  الخط مع ما نرى اليوم، وهو نتيجة حتمية للغزو الإعلامي، ما في ذلك شك قط.
ان الإعلام أداة خطيرة، عرف الاستعمار كيف يستغلها في تنفيذ مخططاته الرامية إلى اضعاف هذه الأمة وكسر شوكتها وتمزيق وحدتها وتمييع شبابها وافساد نسائها. وهناك مجال آخر لعب فيه الغزو الإعلامي دورا خطيرا ألا وهو ((تغطية الحقائق )) الكبرى في العالم الإسلامي كأسلوب من أساليب أحكام الحصار على البلدان الإسلامية بعضها مع بعض. وهذا موضوع حديثنا في الحلقة الثانية ان شاء الله تعالى
.

(1) ص 124 . بروتوكولات حكماء صهيون ـ الطبعة الرابعة.
(2) (( الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا)) ـ الشيخ يوسف القرضاوي ـ ص 30 .
(3)  يراجع : (( الإيديولوجية العربية المعاصرة )) لعبد الله العروي دار الحقيقة ـ بيروت .
(4) للاطلاع على السر (( التقدمية )) هذه يراجع (( لعبة اليمين واليسار)) للدكتور عماد الدين خليل .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here