islamaumaroc

المقامة العصرية

  دعوة الحق

144 العدد

حدثنا أبو الفتح المراكشي فقال : كان لنا صديق ممن تمتع مجالستهم، وتطيب مخالطتهم ومصاحبتهم، عرف بتوقد الذكاء وحضور البديهة وسرعة الخاطر، والقدرة الفائقة على المقارنة والموازنة وربط أحداث الماضي بالحاضر، وعلاوة على هذه الملكات والمواهب، حباه الخالق عز من واهب، بمخيلة آية في الخلق والتصوير والتجسيم، والإبداع والتلوين والتضخيم. يعترف بعالم المادة والواقع وحدود الزمان والمكان، لكن روحه المجنحة الخيال لا تخضع له ولا تستكين أمام ما له على العقول والأجسام من قوة وسلطان، ينظر إليه من زوايا متعددة، فيحلله ويركبه ويعيد خلقه خلقا جديدا، حتى لكان غطاء المادة كشف عنه فأصبح بصره جديدا. وهكذا فعندما يقرأ كتابا فانه لا يرى حروفا ونقطا وأرقاما، وإنما تلتقط (( كاميرته)) صورا ومشاهد واجساما. وتجسم شاشته ما التقطته العينان أحداثا ووقائع وحركة والتحاما. ربما كان هذا نوع من الذاتية المسرفة، أو الأنانية المتطرفة، التي تجعله يضفي على كل مرئي عصارة من روحه وفكره ونفسه، وربما كان مصابا بتضخم الخيال وجموحه وفورته وسورته، لكنه خيال ممتع على كل حال، فقد حدثنا الصديق ذات مرة فقال:
جاشت نفسي وطسئت من هذا الأدب المستورد المانع الماجن، وهذا القصص المتعفن المغموسة أقلامه في القاذورات وماء المستنقعات الآسن وهذه الخرافات والخزعبلات التي يسمونها أنظمة عصرية ومذاهب اقتصادية وفلسفات، وما هي الا أوهاق وشباك حريرية وفقاقيع صابونية وبالونات. غايتها جذب العقول والأفكار، وصرف الانتباه والأنظار، عما يحدق بأهل الدار من مهالك وأخطار. وان شئت فقل هي نوع من حرب الأديان والعقائد والحضارات، تستهدف ما للشعوب من ايمان وتقاليد صالحة وعادات، ومسخها وتحويلها الى أذناب تابعة، وكلاب تحت الموائد قابعة، وقردة مقلدة وببغاوات، تعيش وتفكر وتقتات، بما يتساقط من موائد فكرها وحضارتها من حثالات وفتات وبعد أن تنفس الصديق تنفسا عميقا تابع حديثه الممتع فقال: أحسست بالانحباس والاختناق، داخل سوق الواردات المهددة لفكرنا بالإغراق، وعافت نفسي ما قدم لها من دسم بدون دال في صحون عسلية وأطباق، وتاقت إلى غداء من فكر قومي أصيل، لا تشوبه شائبة من مدسوس أو دخيل. فوليت وجهي شطر المشرق والشوق والحنين إلى ماضي الإسلام الصافي يحفزني ويهزني، وانعكاسات وترسبات أحداث عصوره الزاهرة تجذبني وتشدني، وصدى المعارك التي خاضها الأجداد تجرني وتقودني. وقاطعناه: لعلك كنت ترغب في استعراض المعارك التي دارت بين فرق المتكلمين، والمتصوفة والفلاسفة والباطنيين. فهز رأسه نفيا وقال: كلا، ما هذا نويت ولا إلى هذا 
المرمى رميت، فتلك معارك ومواقف طواها الزمن، وأدخلها في سجل تاريخ الآثار والدفن، ولم يترك في ضمائرنا ووجداناتنا الا صداها ومغزاها، وعبرها وذكراها، فالذين يحاولون احياء هذه الخصومات وبعثها والتبشير بها، وحصر دوران الأفكار في جاذبية أمثالها وضريبها، لابد أن يكونوا أعداء موتورين ينفسون عن حقدهم بشغلنا في معارك داخل الدار، أو عملاء مأجورين، يغمسون أقلامهم في محارب الروبل والجنيه والمارك والدولار، لأن التحديات التي تواجه المسلمين في الوقت الحاضر، ما هو مقنع مبطن وما هو سافر منها وظاهر، أعظم وأضخم وأخطر من ان تسمح لهم بصرف ثانية من أوقاتهم الثمينة الغالية، في نزاع داخلي أهلي وخصومات طائفية ومذهبية محلية، بينما الأعداء حولهم محدقون متربصون، يحيكون ويدسون ويمكرون، يحاصرون مصابح الإسلام مخافة أن يحصحص نوره ويسطع ضوؤه الوهاج، ويكشف زيف ما يصدرون لنا ويشغلون به من جدل ولجاج .. قال الصديق كنت قد وضعت هذه الاعتبارات في يدي، وجعلت مقتضاها هادي ومرشدي. ولذلك ما كنت أحلم الا بأفكار جديدة، وآراء نيرة سديدة، تستمد قوتها وأصالتها من تاريخ الإسلام الحافل بالأمجاد والملاحم والبطولات، كنت أحلم بأن أجد كتابا تتخذ من مداد ودماء الأسلاف ومن أقلامهم ورماحهم وسروجهم سرجا وقناديل، تربط حلقات المواضي بالأواخر، وتقدم زبدة تجارب الأوائل للأواخر، تقارن بين التحديات التي واجهت الأسلاف وعاصرتهم، وبين التي جابهت الأخلاق وحاصرتهم، وكيف صمدوا أمامها ووقفوا مكتوفي الأيدي والفكر عاجزين، لا يملكون لها ولا منها فكاكا، ولا يستطيعون إزاءها مقاومة ولا حراكا أو عراكا .. كنت أتخيل صدى لتلك الوحدة الرائعة التي تحققت فهزمت النثر في عين جالوت والصليبين في حطين، وذلك الحلف المقدس الذي تكون بين الفرق الدينية فتكسرت على صخوره موجات الزنادقة والملاحدة والمارقين. ( لا تقاطعوني أيها السادة فليس في الإشارة إلى الماضي أي ارتداد أو انتكاس أو رجعية، فنحن نواجه الآن نفس التحديات ولكن في أثواب وأصباغ وأشكال طرية عصرية. البارحة تسرب الكفر والدخيل إلى الإسلام باسم الفلسفة اليونانية والمزدكية والمانوية، واليوم باسم العلمانية الغربية والماركسية والمانوية. بالأمس هوجمنا باسم التتر والصليبية، واليوم باسم تقرير المصير والثورات الشعبية المحلية. ولن أبالغ أيها السادة اذا قلت لكم، حفظكم الله ورعاكم، اليوم في فلسطين ونيجيريا وباكستان، وغدا في الصومال وغينيا وأفغانستان أو في العراق وأندونيسيا وسيلان ...) هذه الاعتبارات كانت نصب عيني وأنا أقر من طوفان الكفر والزندقة والزيف والدخيل، وأبدأ رحلة في بطون كتب توحي عناوينها بأنها تعالج الفكر الإسلامي الأصيل ... وما أن انطلقت سفينة الفكر في بحار العبر وقلت باسم الله مجراها ومرساها، حتى تقززت نفسي مرة أخرى وعاودها الغثيان والجيشان وغشاها. فقد رأيت أمورا غريبة وعجبا عجبا: جيوشا ومعسكرات وغنائم وأسلابا، وأعلاما ورايات وأوسمة وألقابا، هذا علم التراثيين المحافظين، وتلك راية العصريين المجددين، هؤلاء موصومون بالرجعية والتخلف والانهزامية والجمود، وأولئك موصوفون بالسطحية والانحراف والتبعية والجحود، النظريات لافتات ملفتة للأنظار والآراء رايات، والأقوال قنابل والحجج أحجار دامغة والأفكار كرات نارية ومتفجرات الجيوش ملتحمة، والنار مضطرمة، وسحالب الدخان والقنام ترتفع فتعشي الأبصار، وتغشي العقول والأفكار، وتحجب الحقيقة والسماء وما فيها من شمس ونجوم وأقمار. قال الصديق، فوقفت مشدوها أمام هذه الرايات والأعلام، وحاصرتني الأسئلة بكل أدوات الاستفهام، فيم هذا النزاع والاحتدام والخصام؟ ولماذا كل هذا الجدل والعراك والصدام؟ وكان الجواب لعلها صراعات الأحزاب الدينية السياسية القديمة، فربما بعثت مرة أخرى تلك المجادلات والمناظرات العقيمة السقيمة، التي فرقت في الصدر الأول كلمة المسلمين، وجعلت من وحدتهم شيعا وأحزابا وأعداء متناحرين. هذا حزب الخوارج الثائر وتلك جماعة الأمويين، هؤلاء أنصار الزبيريين أو مؤيدو الشيعة، وتلك فئة المرجئة المحايدين. الا أنني سرعان ما سحبت هذا الافتراض، لما بدا لي عليه أكثر من اعتراض، ذلك أن الامامة والخلافة كانت مصدر الصراع والخلاف، الذي نشأ واستفحل بين الجدود والأسلاف، أين تكون ومن هو أحق من دون المسلمين بها، أما الآن فلا وجود لها ولا لحزب يدافع عنها أو يرغب في أحيائها وبعثها. وقلت  لعلها تلك المعارك الفكرية الكلامية، التي احتدمت بين السنيين والقادرية والكرامية، والمعتزلة والاشاعرة والباطنيين، والفلاسفة والقرامطة والمتصوفين. وبعد فحص المشابهة ووجه شبهها، تبين لي أن المقارنة في غير محلها، وأنني مخطئ فيها كما أخطأت في أختها، ذلك أن الأوائل كانوا يستندون في حكمهم وفتواهم، وحججهم واثبات دعواهم، على أي من الذكر الحكيم، وأحاديث الرسول الكريم: اذ كانوا يحملون الآيات  والأحاديث الدائرة حول ما هم فيه متنازعون، كأعلام ورايات بوارق ظلالها يستظلون، وكأسلحة وذخائر بها يهاجمون ويدافعون. فرغم ما كان بينهم من فروق في الذكاء واختلاف في الفهم والمدارك، التي جعلت آراءهم في تفسير القرآن عديدة المذاهب متنوعة المسالك، ورغم شطط البعض وإسرافه في التأويل و(( التعطيل))، ورغم مغالاة البعض الآخر في محاولة التوفيق بين الإسلام وما يناقض جوهره من فكر دخيل، فقد كان القرآن لهم حكما ومنهجا وصراطا، ودستورا وشرطيا وسراطا، قائد المعركة وموجهها وراسم المسير، والمصدر الذي تنبثق منه القضايا واليه تصير. حتى الأمويون، ونادوا هذا كتاب الله حكم بين الحق والباطل والفساد والصلاح. أما هؤلاء فيبدو أنهم لا يعتمدون على القرآن أو يحتكمون اليه، ولا يتكئون على الحديث أو يستندون اليه. فاقتربت مما يحملون من أعلام وبيارق ورايات، لأمحص الحجج وأقارن بين ما يصطرعون حوله من أفكار ومذاهب ونظريات، ولا ميز بين محق مهتد ومبطل يعمه في الغي والضلالات. فما استطاعت العينان أن تصدق ما ترياه، وما كان في مقدور العقل والفكر أن يترجم ويهضم ما التقطتاه: راية تحمل (( آية)) لماركس، وثانية سيفا صليبيا وثالثة حديثا للينين، المنجل يهاجم المطرقة ويشخن في جيشها، والسيف يكر على الإثنين. والثلاثة يكونون معسكرا تهاجمه فرقة صفراء وتثخن في ما يحيط به من ((رفاق)) وأنصار وأعوان، وهناك أعلام أخرى ملطخة بما لا حصر له من الشعارات والمصطلحات والأصباغ والألوان. بحثت عن رايات وألوية، محلاة بآيات وأحاديث نبوية، فحسرت عيناي وكلتا، وضاعتا في متاهات الشعارات وضلتا، وبعد جهد جهيد وتعب ونصب ما عليه من مزيد، وقع الطرف على راية بيضاء، مكتوب عليها بأحرف خضراء (( لا اله الا الله، الرجوع الى الله)) لكن العجب أيها الأحباب، ما كان ما كان يلصق بحماة هذه الراية من نعوت وألقاب، فقد رأيت فرقا تحاصرها وتصول حولها وتجول، تصوب نحوها الأصابع والبنادق وتصرخ وتقول: حزب التأخر، عباد الماضي مهرفون، أعداء التطور دعاة الجاهلية متخلفون مخرفون .. فبدأت أدرك الحقائق وأخرج من متاهات الحيرة والضلالات، وأفك الرموز وأحل الألغاز والإشكالات: أهل لا اله إلا الله رجعيون انهزاميون، وأهل لا اله الا ماركس عصريون تقدميون!! مرحى مرحى لقلب المفاهيم  والمصطلحات، مرحى لتزيف الأفكار والمبادئ والنظريات، مرحى لسلخ الكلمات وإفراغها بما بها من مضامين ومحتويات. كيف أصبح أنصار الكفر لدنيا فكر سادة، يتبوءون صدارة المعرفة ويعتبرون لها أئمة وقادة!؟ من لنا بمجاهد يجرد قلمه وسيفه القاطع، ومفكر يسلط مصباحه الساطع، على هذا الغلس والغبس والظلام الدامس، وغسق الليل المدلهم الحالك الحالس، من الجهل والانحراف والتجهيل، وقاب المفاهيم والتحريف والتضليل، فيقلق نواة الزيف ويفتح مغالق فلسفاتها ويفريها ويفليها، ويستخلص الحقيقة ويكشفها ويجليها، ويرفع كلمة الله وينصرها ويعليها. من لنا بغزالي آخر غيور، يخوض لجة الفلسفات خوض الفارس الجسور، لا خوض الجبان الحذور، فيدرس المذاهب ويفحصها، ويغربل الأفكار ويمحصها، ويميط اللثام عن المصدرين الحقيقيين لهذه المذاهب والنظريات، ويكشف مالهم من (( مقاصد)) من وراء نشرها وأغراض وغايات، ويفضح ((تهافت)) مروجيها وما يتسمون به من جهل وتبعية وغوايات. من لنا بابن تيمية جديد بمذهبه النقدي الفاصل، ينبه ( 1) الرجل العاقل الى تمويه الجدل الباطل، يقارن بين صحيح المنقول (2) وصريح المعقول، وبين زائف الأفكار ومجثوث المذاهب وما له جذور إسلامية عميقة وأصول. يفرق مرة أخرى بين العبد ومن يستحق وحده ركوعا وسجودا وقياما، ويقول انكم رفعتم الإنسان فوق قدره وعندما اتخذتم من ماركس ولينين وأمثالهما قدرة واماما، ومن المذاهب المنحوتة من فلسفتهما وفكرهما آلهة وأصناما، يحقق مرة أخرى معنى انسانية الإنسان، فيقول أن الاجتهاد ليس وقفا على زمان دون أزمان، وليس خاصا بالصليبيين والملحدين، دون الهلاليين والمؤمنين، وأنكم بالتقليد والتبعية والاتكالية، تلغون ما أودعكم الخالق عز وجل من مزايا وخصائص إنسانية. فمن حقكم أن تنتجوا وتبتكروا، كما اجتهدوا وفكروا. فلماذا تظلون في أفلاكهم دائرين، وبأسلحتهم متقاتلين متناحرين؟ قال الصديق كنت أمني النفس بمثل هذه الأماني وأحدثها بمثل هذه الأفكار، والجيوش ملتحمة والمعركة مضطرمة الأوار، والأصابع الخفية تحرك الدمى من خلف الأستار، وتدفع بقافلة الفكر الى هاوية ليس لها قرار .. فنفضت يدي من نتائج هذه السفرة الخاسرة وطويت الكتب والأسفار، وقلت والله انها لداهية الدواهي، الا يكون للقرآن علينا أوامر ولا نواهي، وأن نظل نفاخر ونكاثر ونباهي، بما صدر الينا من مذاهب مزيفة وحذلقة وترهات، ونتصارع ونلهث وراء ما ألقي في ملعب فكرنا من فقاقيع وبالونات، وما هي الا أشياء مجوفة حتى لكان رؤوس اللاعبين بها مثلها فارغات ...
قال أبو الفتح المراكشي، والمشغلين بتوافه فكر المبني والمكرو والماكسي، وما حكيتها لكم أيتها الجماعة الخيرة، أصحاب العقول والبصائر النيرة، الا على أمل أن يربح معسكر الإسلام منكم مجاهدين جددا وشيعا وأنصارا، ومدافعين غيورين وأصواتا وأفكارا، فاتخذوا من سيرة السلف الصالح قدوة وطريقة ومنهجا، ومن القرآن الكريم والحديث الشريف منارة وسراجا وهاجا، وجردوا على الكفر والدخيل وأنصارهما أسلحتكم وأقلامكم، واصبروا وصابروا ورابطوا، فإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.


   
(1) و (2) اشارة الى كتابي ابن تيمية : (( تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل)) و(( موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول)) أما مقاصدا لفلاسفتهم وتهافتهم فلا يحتاجان إلى تنبيه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here