islamaumaroc

رجال بلا عظام (تر.أ.ع.س.البقالي)

  دعوة الحق

144 العدد

كنا نشحن الموز على  متن الباخرة (( كلير ضادج)) في ميناء (( بويرتو بوبري )) حين صعد الباخرة رجل ضئيل محموم.
وخطا الجميع إلى الوراء ليدعوه يمر ... حتى حرس الميناء ذوي البنادق اللماعة الذين يمشون حفاة ولكن يلبسون أغطية سيقان من جلد ملمع، تركوا له الطريق لأنهم ظنوا به مسا من الجنون.
كانت مشاعل النفط تهسهس طوال الوقت. ومن فتحة العنبر كان صوت المشرف على العمال يجلجل من تحت: (( فاكهة! فاكهة! هاتوا الفاكهة!)) ويجيبه مشرف العمال من فوق بنفس الصيحة بينما تنزل عناقيد الموز واحدا بعد الآخر...
هذه المناسبة كانت ذكراها ستبقى عالقة بالدهن لو لم يكن إلا لروعة الليل، ولمعان جلد المشرف الزنجي البرونزي تحت ضوء المشاعل وخضرة تلك الفاكهة الزمردية، وروائح الميناء المتمازجة.
وخروج عنكبوت مزغب من عنقود موز فأفزع الحمالين وكسر سلسلة التفريغ حتى داس عليه صبي من ((نيكاراجو)) برجله ضاحكا وقال: (( انه غير سام)).
في تلك اللحظة بالذات طلع الرجل الضئيل المخبول على ظهر الباخرة دون أن يعترض طريقه أحد وسألني: ((إلى اين ستبحرون؟))
تكلم مسيطرا على صوته ولكن في عينيه كانت تلك النظرة الخاوية الضائعة التي أوحت إلى أن أبقى على بعد يتيح لي فرصة النجاة من يديه المرتعشتين اللتين تذكرانني الآن بالعنكبوت المزغب آكل الطيور.
فقلت مجيبا على سؤاله : ((إلى موبيل، الباما)) .
فقال: ((خذوني معكم)).
فقلت: ((آسف، ليس شغلي. أنا نفسي مسافر. الربان بالبر، الأحسن أن تنتظر، على الرصيف. فهو الرئيس)).
فقال: ((هل يمكن أن يوجد معك مشروب؟ فمددت إليه قنينة روم وسألته)) كيف تركوك تصعد المركب؟)). فقال: (( أنا لست مجنونا .. ليس حقيقة .. بي قليل من الحمى لا أكثر. الملاريا.. الحمى الفنكية حمى الأدغال، حمى عضة الفيران. هذا بلد الحميات، وأشياء من ذلك القبيل... اسمح لي أن أقدم لك نفسي ... أسمي ((كودبادي)) ... دكتور في العلوم من جامعة اوز بالدستور ... هل يذكرك الإسم بشيء؟ لا؟ إذن، أنا كنت مساعد الأستاذ (( يووارد)) هل يذكر ذلك بشيء؟
فقلت:((يووارد)) الأستاذ يووارد؟ أي نعم .. كان قد تاه، أليس كذلك في مكان ما بأدغال المرتفعات وراء منبع نهر الأمير؟))
فصاح: (( تماما ... لقد رأيته يهيم ...)) وجاء صوت الرجل من داخل العنبر ((فاكهة ! ـ فاكهة! ـــ فاكهة! ـــ فاكهة!))  كانت هناك منافسة بين زعيمهم، والزنجي العملاق الواقف بالبر...
وتراقصت المشاعل، ونزلت عناقيد الموز الخضراء. ومن جوف الغابة جاء صوت يشبه تنهد مريض من وراء النهر العفن ـ لا ريح ولا نسيم ـ شيء مثل أنفاس حمي بخراء ...
قال الدكتور ((كود بادي)) مرتعد الفرائص من التلهف، وفي نفس الوقت يهتز من برد الحمى لدرجة أنه كان يمسك كأسه بيديه معا ليرفعه إلى شفتيه ـ ومع ذلك أهرق أغلب الروم:
(( بالله عليك ألا أخرجتني من هذا البلد ـ خذني إلى موبيل، خبثني في قمرتك!)).
فقلت: (( ليس لي سلطة ... ولكنك مواطن أمريكي، ويمكنك التعريف بنفسك عند القنصل فيعيدك إلى البلد)).
فقال: ((بدون شك ... ولكن ذلك سيأخذ وقتا .. القنصل نفسه يظنني مجنونا وإذا لم أخرج من هنا أخشى أنني سأخرج حقيقة عن عقلي ... الا تستطيع مساعدتي؟ أنا خائف))
قلت: (( هدي روعك ... لن يمسك أحد بسوء وأنا معك مما أنت خائف؟)).
فقال: ((من الرجال بلا عظام!)).
فلففته في لحاف، وأعطيته بعض أقراص الكينة، وتركته يعرق قليلا ويرتعش قبل أن أسأله آخد بخاطره أي رجال بلا عظام؟.
فتكلم بصوت محموم منفعل قافز وعقله يترنح قريبا من الهذيان: (( أي رجال بلا عظام؟ ليسوا في الحقيقة شيئا يخاف ... فهم الذين يخافونك ... يمكنك أن تقتلهم بحذائك أو بعود ! فهم يشبهون الهلام .. لا ليس ذلك في الواقع خوف ـــ انه الغثيان، الاشمئزاز الذي يثيرون .. أنه يسيطر، ويشل، رأيت فهدا!، وأقول فهذا كامل النمو ـــ يقف جامدا بينما هم يلتصقون به بالمآت ويأكلونه حيا ...)) 
صدقني ... لقد رأيته! ربما كان بسبب زيوت يفرزونها أو رائحة تصدر عنهم ... لا أدري؟)) .
وبعد ذلك، قال الدكتور(( كود بادي)) باكيا: (( يا الهي . انه حلم مرعب! كابوس كابوس! تصور الحضيض الذي يمكن أن يهوي إليه مخلوق نبيل بسبب الجوع! فظيع، فظيع ! )) .
فقلت : (( هل كان ذلك مخلوقا مشوها عثرتم عليه في أعالي مصب نهر الأمير؟ مخلوق آدمي منحل؟ )).
فرد معارضا: (( لا،لا،لا، ... رجال! أكيدا تتذكر بعثة الدكتور ((يووارد )) الانتروبولوجية .
قلت : (( تاهت ... ))
فقال: (( كلها الا أنا .. كان حظنا سيئا .. في شلالات (( أنانيا)) فقدنا قاربين، ونصف عتادنا، وأغلب أدواتنا .. وكذلك الدكتور (( تيري)) و(( رجال لامبرت)) وثمانية من حمالينا، وحينئذ دخلنا أرض هنود (( الاهو)) الذي يستعملون السهام السامة. ولكننا استأنسناهم وجعلنا منهم أصدقاء، وأغريناهم بحمل اثقالنا غربا خلال الأدغال .. لأن العلم كله بدأ كما تعرف، بتخمينة ، باشاعة، بخرافة عجوز، وهدف بعثة الدكتور (( بووارد)) كان البحث في صحة بعض الأساطير الهندية التي طابق بعضها  البعض أساطير سلالة من الآلهة هبطوا من السماء على لهب عظيم حينما كان العالم في شبابه ..
((وخطا بخط متقاطع، ودائرة بدائرة متراكزة ضبط الأستاذ (( يووارد)) المكان الذي نبتت فيه جذور هذه الاساطير ـــ مكان مجهول من جميع المكتشفين ولا اسم له، لأن الهنود رفضوا أن يطلقوا عليه اسما، لأنهم يشيرون اليه (( بالمكان الشرير!)).
وبدا برد الحمى يغادر جسم الدكتور (( كودبادي)) فأخذ يتكلم بهدوء وتعقل. وضحك ضحكة قصيرة، وقال: ((لا أدري لماذا، كل ما أصبت بلمسة حمى تعود إلى ذكرى أولئك الرجال بلا عظام في كابوس مرعب)) ...
((الحاصل، ذهبنا للبحث عن المكان الذي نزل فيه الآلهة على لهب من نار: في جوف الليل أخدنا الهنود الموشومون حتى حافة أرض ((الاهو)) ثم وضعوا أحمالهم وطلبوا أجورهم. ولم ينفع أي اعتبار في دفعهم الى المضي أبعد من ذلك. قالو لنا اننا ذاهبون
الى مكان شرير ... واقعى رئيسهم، الذي كان رجلا عظيما في أيامه، ليرسم بعود على الأرض قصة هيامه هناك مرة، فرسم صورة جسم بيضاوي الشكل، بأربعة أعضاء ثم بصق عليه قبل أن يمحوه بقدمه في التراب .. وسألنا هل كان ذلك عنكبوتا أو سرطانا أو ماذا؟.
(( المهم، هو أننا اضطررنا إلى ترك ما لم نستطع حمله وراءنا مع الرئيس العجوز حتى نعود وذهبنا وحدنا ((يووارد)) وأنا، لجوس خلال ثلاثين ميلا من أعفن  أدغال العالم. قطعنا حوالي ربع ميل في يوم واحد، بقعة مهلكة! وحين يهب ذلك الريح النتن من الأدغال لا أشم غير الموت والارتياع ..
ولكن في النهاية، اخترقنا الطريق إلى الهضبة المسطحة وتسلقنا المنحدر، وهناك رأينا شيئا عجيبا.. شيئا ربما كان آلة عملاقة. لا بد أنها في الأصل كانت على شكل إجاصة طولها ألف قدم على الأقل، وقطرها ستمائة قدم. لا أدري من أي معدن صنعت، لأنه لم يبق منها غير خط لحدود هيكلها الذي تحول إلى غبار، وأشباح آلات دقيقة شديدة التعقد لتدل على وجودها .. لم نستطع تخمين مكان انطلاقها، ولكن نزولها ترك على سطح الهضبة واديا عظيما.
كان ذلك اكتشاف العصر! اذ برهن على أن أناسا من النجوم جاءوا لزيارة هذا الكوكب مند عصور خلت ... وفي حماس عارم غصنا، (( يووارد)) وأنا ، في تلك الأطلال .. ولكن كلما لمسنا شيئا تحول إلى غبار دقيق.
((وأخيرا، في اليوم الثالث، عثر يووارد على صحن شبه دائري من معدن ذي صلابة غير عادية عليه رسوم بيانية مألوفة جدا، جدا .. فنظفناه وانكببنا على درسه مدة أربع وعشرين ساعة دون توقف الا للأكل أو الشرب.  وقبيل فجر يوم الخامس أيقظني يووارد بصيحة عالية وقال: (( انها خريطة ... خريطة للسماوات،  ورسم  لطريق من المريخ إلى الأرض)).
(( واراني كيف وصل أولئك المستكشفون القدماء للفضاء من المريخ الى الأرض عبر القمر))  وتساءلت أنا: ((لينزلوا على سطح هذه الهضبة وسط هذا الجحيم الخضر من الأدغال !؟)) فرد يووارد: ولكن هل كان هناك أدغال حينئذ؟ حدث ذلك، ربما خمسة ملايين سنة!)).
قلت: (( أوه ... عجبا ! (( روما)) بكاملها تغطت في ظرف مآت قليلة من السنين فكيف استطاع هذا الشيء البقاء فوق سطح الأرض خمسة آلاف سنة. دع عنك خمسة ملايين سنة؟.
فرد ((يووارد)): (( لم تبق على سطح الأرض طوال تلك المدة .. فالأرض تبتلع الأشياء ثم تنقيأها .. وهذه منطقة بركانية .. بانقلاب بسيط يمكن أن تبلع مدينة بأسرها وبهزة خفيفة في باطنها يمكن أن تعيد بقاياها الى سطح الأرض ولو بعد مليون سنة .. وهذا في الغالب، ما حدث للآلة التي هبطت من المريخ)) ..
قلت: ((ياترى من كان بداخلها؟)) فرد ((يووارد)): ((من المحتمل جدا أن تكون مخلوقات غريبة للغاية لم تحتمل الأرض وماتت، أو قتلت في صدمة السقوط .. ولا هيكل يستطيع البقاء طوال هذه الحقبة من الزمن)).
الحاصل، أوقدنا نارا، وذهب (( بووارد)) لينام، وبما أنني كنت نمت قبله بقيت صاحيا أحرس. من ماذا؟ لم أدر .. هل من الفهود أم من العقارب أم من الأفاعي؟ .. لا حيوان من هذه كان يوجد على الهضبة، لم يكن يجذبها شيء إليها .. ورغم ذلك فقد كنت خائفا ..
كان الزمن يثقل  كاهل المكان .. ويقال للواحد منا دائما أن يحترم السن .. وكلما تقدم السن زاد الاحترام .. ولكن لم يكن هناك احترام ، كانت تمة رهبة، خوف من الزمن والموت يا سيدي ! لا بد أنني أغفيت .. لأن النار كانت قد همدت ـــ وكنت شديد  الحرص على إبقائها حية ناصعة ـــ حينئذ وقعت عيني، لأول مرة على الرجال بلا عظام.!
وأنا أنهض، رأيت على حافة الهضبة، عينين تتألقان من ومض النار الهامدة، وفكرت .. هل يكون ذلك فهدا؟ واخرجت بندقيتي. ولكن لا يمكن أن بكون فهد إذ حين نظرت يمينا ويسارا رأيت أن الهضبة كانت مطوقة بعيون بارقة .. كما لو كان طوقا من أحجار الأوبال، وهبت على خياشمي رائحة لا يعرف الا الله نوعها .. فاطلقت النار على العينين اللتين رأيتهما في البداية .. وعندئذ  اختفت جميع العيون بينما ضجت الغابة بزقزقة الطيور وزعيق القرود اذ ترددت أصداء الطلقة في جوف الغابة ..
والحمد لله على طلوع الفجر، فما كنت أرغب في رؤية الشيء الذي أصبت برصاصتين بين العينين تحت ضوء صناعي.
كان حيوانا رمادي اللون سميك النسيج هلاميا. ولكن مظهره الخارجي لم يكن مظهر مخلوق بشري. كانت له عينان وبقايا أو آثار رأس وأعضاء ...
وقال لي ((يووارد)): يجيب أن تتشجع، وتتغلب على هذا الفزع الصبياني كما سماه، وتنكب على البحث في طبيعة ذلك الوحش .. ويجب ان أقول أنه بقي بعيدا عني حين فتحته .. كان ذلك واجبي كعالم حيوان البعثة، وكان لابد لي من القيام به .. كانت المجاهير والأدوات الدقيقة الأخرى قد ضاعت مع القوارب، فاستعملت سكينا وكلابا ومادا وجدت؟ لاشيء: شبه جهاز هضمي مدفون داخل هلام صلب وآثار جهاز عصبي ومخ في حجم الجوزة، أما طوله فلم يتجاوز أربعة أقدام ..
كان يمكن أن أقول لك شيئا عنه لو كنت في  مختبر ومعي مساعد أو اثنان ليؤنساني ولكن في ذلك الوضع فعلت ما استطعت بسكين صيد وكلاب، وبدون أصباغ ولا مجهر ابتلعت غثياني ـ كان شيئا يقرف النفس ـ وحفظت ما وجدت، ومع طلوع الشمس تحول ذلك الشيء إلى سائل، ذاب حتى لم يبق، مع التاسعة منه شيء، غير بقعة رمادية لزجة بعينين خضراوين تسبحان فيهما .. وهذان العينان انفجرتا ـ وأكاد أراهما الآن ـ فصنعا تموجات خائرة في تلك البركة العفنة.
وذهبت عنها بعد ذلك، وحين عدت كانت الشمس قد أحرقت كل ذلك ولم يبق إلا ما يمكن أن تراه من آثار سمك هلامي تبخر تحث لفج شمس الشاطئ.
وسألني ((يووارد)) بوجه شاحب: ((أي خبث كان ذلك)) قلت له لم أعرف، وأن ذلك كان خارجا عن حقل تجربتي، وأنه رغم انتسابي لرجال العلم بعقل بارد منفصل، لا شيء يستطيع دفعي للمس شيء مثل ذلك مرة أخرى!.
فقال(( يووراد)) بدأت تصاب بالهستيريا ((ياكودي بادي)) هدئ أعصابك !. الله يعلم أننا لسنا هنا من أجل صحتنا! نحن هنا من أجل العلم!  العلم أيها الرجل! لا يمر يوم دون أن يدخل عالم أصابعه في شيء أعفن من ذلك)) فأجبت: ((لا تصدق ذلك يا أستاذ (( يووارد))..  لقد قلبت وشرحت أشياء غريبة في أيامي .. ولكن هذا شيء مغثي. ان أعصابي قوية، أقول لك ذلك. ربما كان ينبغي أن نأتي بطبيب نفساني، فقد لاحظت انك لم تكن شديد الحماس للاقتراب مني بعد أن تناولت ذلك الشيء.. سوف أطلق عليها النار بسرور.. ولكن إذا أردت البحث فيها فافعل ذلك بنفسك لترى..
فقال ((يووارد)) أنه مشغول جدا بصحنه المعدني. وقال لي أنه لا يشك في أن الآلة العملاقة جاءت من المريخ .. ولكن كان يبدو واضحا أنه يفضل أن تبقى النار بيننا بعد أن لمست ذلك الشيء القدر.
وانفرد يووارد بنفسه ينقب في الأطلال وذهبت أنا إلى عملي أبحث في أشكال حياة الحيوان. لا أدري ماذا كنت سأجد لو كانت لي ـ لا أقول شجاعة، لأنها لا تنقصني ـ لو كان لي رفيق أما وحدي، فقد انهارت أعصابي ...
وحدث ذات صباح أن دخلت الأدغال المحيطة بنا محاولا أن أبتلع الخوف الذي كان يخنقني، وابعد عني الاحساس بالاشمئزاز الذي لم يجعلني فقط أريد أن أعود على عقبي هاربا، بل جعلني خائفا أن أولي ظهري لأنجو! وقد تعرف أو لا تعرف أن الكسلان هو أصعب الحيوانات مثالا بين جميع الوحوش الساكنة بهذه الأدغال .. فهو يبحث عن غصن ثابت يتسلقه ويتعلق به من مخالبه الفولاذية الاثني عشر .. ويعيش على الأوراق .. وهو عنيد في تمسكه لدرجة أنه يبقى معلقا بغصنه حتى ولو اخترقت قلبه رصاصة .. وله جلد شديد الصلابة يغطيه غلاف من شعر خشن متناسع .. حتى النمور والفهود تقف عاجزة أمام مقاومة هذا المخلوق فهو يجد لنفسه شجرة يتسلقها ثم لا يبرحها حتى يأكل كل ورقة عليها، ويختار لنموه غصنا لا تتعدى متانته حمل ثقله..
في هذه الغابة الموحشة، وأثناء إحدى رحلاتي القصيرة ـ قصيرة لأنني كنت وحيدا وخائفا. وقفت لأنظر الى كسلان عملاق معلق دون حراك من أكبر غصن في شجرة نصف عارية، نائما مغلقا غير مبالي.. وعندئذ، ومن ذلك الغلس الخضر النتن خرج قطيع من تلك الأشياء الهلامية فانكبوا على تلك الشجرة والتفوا على الغصن. 
حتى الكسلان الذي لا يعرف الخوف كان خائفا... وحاول الهروب فتعلق بغصن أرق فانكسر به وسقط.. وفي الحال غطته كتلة هائلة من الهلام ترتعد لها الفرائض .. أولئك الرجال بلا عظام لا يعضون بل يمتصون .. وبينما هم يمتصون يتغير لونهم من رمادي الى وردي فاتح فبني ..
ولكنهم يخافوننا .. هناك ذكرى عداء سلالي بيننا .. نحن نشمئز منهم ينفرون منا. وعندما أحسوا بوجودي، ـ كنت سأقول هربوا ولكنهم انزلقوا مبتعدين، واندمجوا في الظلال التي بقيت ترقص، وترقص، وترقص تحث الأشجار وطارت نفسي شعاعا فلذت بالفرار حتى وصلت إلى المخيم بوجه أدمته الأشواك وأنا في غاية الإرهاق.
((وجدت يووارد)) يجرح مكانا بعرقوبه وقد لوى مرماة تحت ركبته. وقريبا منه كانت حية ميتة، كان قد كسر ظهرها بنفس الصحن المعدني بعد أن عضته .. فسألني ماذا تسمون هذه الحية؟ أخشى أنها سامة لأني أشعر بخدر في خدي وحول قلبي، ولا أحس بيدي.
فصحت: يا الهي! لقد لذغتك (( جاراجاك))!. ((فرد بأسف: وقد أضعنا عدتنا الطبية .. وبقي عمل كثير .. واحسرتاه ! واحسرتاه ! مهما حدث يا عزيزي خذ هذا وارجع.
((وأعطاني ذلك الصحن شبه الدائري ذي المعدن المجهول كأمانة مقدسة وبعد ساعتين مات وفي تلك الليلة ضاقت دائرة العيون البارقة التي أحاطت بي ... وأفرغت بندقيتي  عليها عدة مرات ... ومع الفجر اختفى الرجال بلا عظام ...
((فكومت الصخور على جثة ((يووارد)) حتى لا يصل إليه الرجال بلا عظام وبعد ذلك أوه! في وحشة وخوف قاتلين ـ حملت جرابي على كتفي وبندقيتي وخنجري الطويل في يدي ونزلت هاربا عبر الطريق التي جئنا منها. ولكنني همت على وجهي ...
(( وانتهى زادي علبة بعد أخرى فهزلت وضاعت بندقيتي وذخيرتي، وبعدها رميت خنجري .. وبعد مدة طويلة ثقل علي الصحن شبه الدائري وعجزت عن حمله فربطته الى شجرة بألياف نبات متسلق، ومضيت في طريقي...
((وفي النهاية وصلت أرض ((الاهو )) حيث مرضني الرجال الموشومون وتلطفوا بي ومضغ النساء طعامي قبل وضعه في فمي، حتى قويت وتماثلت .. فلم آخذ مما اختزناه عندهم الا ما قدرت أنني سأحتاج اليه في رحلتي، وتركت لهم الباقي كأجرة للدليل والقارب الذي أخذني عن طريق النهر .. وهكذا خرجت عائدا من الأدغال ...
((أرجوك زدني قليلا من الروم )) كانت يده ثابتة الآن وهو يشرب وصفت عيناه. فقلت له : (( على فرض أن ما قلته حق من هؤلاء (( الرجال بلا عظام )) هل تعتقد أنهم كانوا من سكان المريخ؟ يبدو لي ذلك بعيد الاحتمال ..  اذ كيف يمكن لحيوانات لا فقارية أن تذيب المعدن الصلب)).
فقاطعني الدكتور (( كود بادي)) صائحا:
(( من قال لك شيئا عن أهل المريخ؟ لا لا لا! المريخيون جاءوا الى هنا وتكيفوا بأحوال الحياة على الأرض .. مساكين! تغيروا وانحطوا اذ مروا بمرحلة تطورية جديدة قاسية! الذي أحاول أن أقوله لك أيها المغفل، هو أن ((يووارد)) وأنا لم نكتشف المريخيين: ألا ترى يا أبله؟ تلك الأشياء بلا عظام هي الإنسان .. أما المريخيون فهم نحن! ))


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here