islamaumaroc

وضاح

  دعوة الحق

144 العدد

(( .. لا يهمني كيف أبدا .. بل يهمني كيف انتهي ..)). والتفت (وضاح) وواجهنا جميعا، وأكمل.
ـ من كان يظن اننا الجيل الضائع .. الجيل الذي يعيش بلا قضية..؟ رد عليه ( درويش) بصوت حزين.
ـ ليت الجيل الذي سبقنا عرف نصف القضية .. اذن لكانت الأيام وحدها، بطولها، قد عرفته على النصف الآخر ..
قال وضاح بحزم وهمة:
ـ المهمات عريضة أمامنا .. والفجر أوشك على الطلوع .. فعلينا أن نبدأ الآن وبسرعة ..
وأكمل مذكرا.
ـ ولا تنسوا حكمة عمار المثلى .. الضرب بقوة والانسحاب بسرعة ..
قال حازم:
ـ هل من الممكن أن نختصر مهمتنا ..؟
قال وضاح:
ـ أجل .. هذا ما سأفعله ..
ووقف، وعدل رشاشه على كنفه، وقال، وخارطة صغيرة أمامه انبسطت على طاولة خشبية متكاملة.
ـ درويش وزمرتك إلى الشمال .. حازم وزمرتك إلى الغرب .. خالد وزمرتك عند المنعطف الشرقي .. وتطلع ( وضاح) إلي وقال:
ـ وأنت يا قاسم معي فمهمتنا نسف خزانات الماء..
وواجه (وضاح) الجميع، وقال متسائلا:
ـ هل في الأمر سؤال ..؟
وأومأ الجميع بهز الرؤوس نفيا، ووقفوا متأهبين .. ولكن ( وضاح ) أردف:
ـ لقنونا بعد الفجر عند مرتفع (أشدود).
 
                                                   ـ*ـ
وكانت أقدامنا تلتمس الأرض لمسا خفيفا .. وكأننا كنا نخشى أن نوقظ من تحت التراب من رقادهم الطويل، وعيوننا تخترق حجب الظلام، وقلوبنا تسبق منا الأجساد إلى لقاء العنف، ومعانقة النار، والتحام الرصاص بالأجساد..
وكانت ليلة شتوية .. ذكرتني بأمس بعيد .. وطافت بخيالي صورة مهزوزة لا أكاد أعي منها الا عجوزا مسنة تحمل على كتفها طفلها الصغير .. إذ  أدمت قديمه أشواك الطريق ونتوءات  الصخور على طول الطريق ..
ـ أماه .. لقد سال الدم من قدمي..
ووقفت الأم اللاهثة تحضن طفلها الصغير وتمسح بكفها اليابسة الدماء عن قدميه، ثم ترفعه الى صدرها وتنقله الى كتفها .. وتسير وهي تتطلع في كل نقلة قدم الى وجهه .. لترى هل ما زالت انطباعات الالم مرسومة على محياه الدقيق ..
ووقف على البعد اثنان .. نزعا من جوفهما شيئا، واستبدلا به لؤما ودناءة وخسة، وقال أحدهما للآخر:
ـ انك جبان ولا تجيد استعمال البندقية ..
ـ لا أسمح لك بشتمي، ونحن عند الرهان نحقق البرهان ..
فقال الأول:
ـ الك دراية بالصيد..؟
قال الثاني :
ـ انها هوايتي منذ أصبحت جنديا ..
فقال الأول متحمسا:
ـ أنظر هناك .. أترى تلك المرأة المهرولة؟
فأكمل الثاني بحماس:
ـ .. التي تحمل ابنها على كتفها ..
قال الأول:
ـ .. أجل .. هل تراها ..؟
قال الثاني:
أيها تريد .. الأم .. أم الوالد ..؟
قال الأول سافرا:
ـ كنت أظنك ستقول لي فع رصاصة واحدة .. الاثنين معا ..
فارتعد الثاني، وزمجر ..ورفع بندقيته وهو يقول:
ـ ولو أن المسافة بعيدة لكنني لن أخيب ظنك .. وانفجر الكون ..
وابيضت الدنيا في عيني الطفل الصغير، فقد ارتطمت جبهته وهو يسقط من فوق كتف أمه بشيء صلب .. ولم يع شيئا ..
وعندما ابتدأ لبياض ينحسر عن ناظريه .. وجد عند مسقطه أما مضرجة .. وقطرات من الدماء جبلت مع تراب الأرض تحت قدميها .. نهض الطفل .. وأخد يلق الدم المتفجر من صدر أمه .. وبكى ..
وأحسن فجأة أن صدره قد انشق وابتلع حصاة صغيرة جدا، ومضى بهذه الحصاة في أرض المتاعب .. ومضت الأيام كانت الحصاة تكبر في صدره .. وبمسها بين يوم ويوم جمر يحرق، ونار موجعة.
 
                                                   ـ*ـ
قطع (وضاح) على صورة قديمة مهزوزة، حاول أن استرجع بها أول يوم انشق فيه صدري وابتلع حصاة صغيرة حين قال :
ـ ما لك يا قاسم .. تخفف الوطء .. وكأنما قدماك تعانق هذه الأرض ..
قلت وأنا اعود من رحلة بعيدة:
ـ هنا .. في هذا المكان تماما، عرفت الدم لأول مرة في حياتي ..
قال في همس خفيف، متسائلا:
ـ في معركة ..؟
قلت في شبه غيبوبة :
ـ في معارك ..
قال، وكأنما نريد أن نقطع الطريق في حديث :
ـ أولها ..
قلت:
ـ أولها عندما أدمت أشواك الطريق ونتوءات الصخور قدمي .. فلم أعد أحتمل المسير .. قال ( وضاح)
مبتسما :
- فركبت طائرة ..
نظرت اليه باستغراب موحش .. فلمحت أسنانه البيضاء وقد انشق عنها ابتسامة عريضة، أضاءت لنا الطريق .. وقلت :
ـ كنت صغيرا، فمسحت أمي دم قدمي بكفها .. والتأمت الجروح .. وحملتني على كتفها وواصلت المسير .. لكنهم اصطادوها فجأة ..

.. وهوت على الأرض جنة ما تزال يدها تتحرك وتتحسس جراح قدمي ..
هنا اصطادوها ..
ووقفت فجأة .. ووقف ( وضاح) ونظر إلي كأنما يحثني على المسير .. لكنني أشرت بيدي الى موضع على الأرض، وفجأة أحسست بخدر لذيذ يملأ كل كياني .. فهويت على الأرض أشم التراب .. أعانقه أتنفس ذراته الناعمة ..
وأقول في نشوة عارمة.
ـ هنا .. هنا تماما .. انه رائحة دمها العطر.. دمها المسكوب .. أمي .. وهو (وضاح) الى جانبي .. يشم الأرض ويستنشق التراب .. لكنه قال بعد وقت مضى.
ـ أنظر يا قاسم .. أترى تلك الشجرة على يمينك .. هنا ..
فتنبهت اليه، ونظرت باتجاه يده الممدودة في الفضاء، وقلت:
ـ أراها ..
قال في اعتزاز:
ـ انها شجرة فتية، تشرب من روى هذه الأرض .. تشرب مما سكب فوقها .. تشرب وتنمو وترتفع أغصانها وتمتد فروعها عالية شامخة .. انها تشرب من دم أمك يا قاسم .. انها تشرب.!
فصمت فجأة .
وهذه الحصاة التي تكبر وتضخم في صدري حتى غدت صخرة تمزق نتوءاتها أحشائي ..
قال مهدئا:
ـ الم ترتو بعد يا قاسم .. الم  ترتو ..؟
قلت:
ـ لن أرتوي .. ولن أعرف الارتواء يوما ..
نهض ( وضاح) عن التراب .. وامسك بيدي، فنهضت .. وقال لي :
ـ وجهتنا منبع الارتواء الآن .. سترتوي يا قاسم .. بعد قليل .. هلم الآن فقد يفتقدنا الرفاق ..
                                                   ـ*ـ
ويشدنا سر الليل في رحلة شتوية .. البرد فيها غطاء، والقشعريرة تلامس أجسادنا الملتهبة فتذوب .. ونجد في السير .. وينقشع الليل فجأة عن أنوار بعيدة تبدد الظلام وكأننا في مطلع الصبح ..
يلتفت الي وضاح فيلمح تساؤلي، ويقول:
ـ أجل انها مستعمرة ( ريحافوت ) ستخمد فيها الأنوار بعد قليل .. ولا بد أن درويش قد وصل مع زمرته: بسيارتهم، الى هناك.. أما حازم فيقف خلفه الآن ليحمي تراجعه .. مع باقي الرفاق .. ونحن سنسير الان ببطء شديد .. زحفا نعانق الأرض .. نشم التراب .. حتى نصل الى سفح ذلك المرتفع ..
أكملت قائلا:
ـ وحينما نلمح الانفجار نستعد لتفجير الخزان الكبير ..
قال وضاح:
ـ مهمة جميلة .. وممتعة للغاية ..
وأخذنا نعانق التراب في زحف بطيء.. ومكننا على بعد قليل جدا من الخزان الكبير، ورحنا نراقب الأضواء، وكأننا نسمعها في عرسها الأخير .. وتمضي اللحظات ثقيلة وأحس في صدري مئات المعاول تفتت الحصاة التي كبرت في جوفي وأخذت نتوءاتها تمزق ما حولها .. وأسمع بأذني صوت ارتطام المعاول فوق صخرة أعماقي .. وتأخذ الصخرة تتفتت، وتبعث شرارا لا معا أحسه من سوق المعاول فوق الصخرة القاسية ..
واتلفت ورائي عساني ألمح عن بعد منظر الشجرة الفنية وهي تشرئب شامخة الى العلاء .. لكن وضاح يصيح :
ـ لقد بدأوا ..
وارتد بصري الى الأمام .. فرأيت براكين تتفجر، في (ريحافوت ) .. وهببنا معا الى الخزان الكبير ..
عند أسوار الخزان الاسمنتية أفرغت ما في جعبتي من متفجرات .. وكذلك فعل ( وضاح) وأخذ  يتدحرج على الأرض يحل شريطا دقيقا ملفوفا على بكرة فوق ظهره. وفي تدحرجه نحو الخلف
كنت أرقب المكان جيدا، واتطلع لعلي المح صيادا يحمل بندقية ويحاول  أن يجرب حظه في الصيد ..
ولكن الأضواء المتفجرة أرعبت كافة الصيادين، وحامت في الجو أشباح طيور تظهر ثم تختفي .. وتعود الى الظهور مع كل انفجار ..
كنت بالقرب من الخيط الممدود المتراجع مع ( وضاح) أحميه وأحنو عليه .. وألمس حرارته بكفي .. فتبعث اللمسة في نفسي ألف نشوة .. وفجأة أحس بالخيط يشدني شدات متلاحقة .. وأفهم الأمر .. فأترك جسدي يتدحرج الى الوراء .. وأحس كأنني قطعة من اسفنج هش يكاد يطير ..
أين الصخرة الكبير في أعماقي .. أين نتوءاتها الجارحة ..؟ أين المعاول والشرارات المنبعثة ..؟ اني أكاد أطير ..!
وصعدت، حين أصبحت في أسفل المنحدر:
ـ وضاح اني أطير .. أطير ..!
فلمعت ابتسامة ( وضاح) مرة أخرى .. وبانت أسنانه البيضاء فجرا جديدا يشرق علينا ونحن في أوج العتمة .. وقال لي بصوت متقطع:
ـ اشعل الفتيل وهيا ننطلق..
وعلى بصيص الفتيل لمحت دمعة تبرق في عيني (وضاح) وتساءلت ونحن نعود:
ـ ترى كم شجرة فتية باسقة، تعانق السماء في شموخ تنمو في صدر وضاح ..؟

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here