islamaumaroc

أستعين بمشرك

  دعوة الحق

144 العدد

تجتاز الأمة الإسلامية اليوم في تقدمها وتطورها فترات صعبة، وظروفا عسيرة، وأحوالا قاسية، ومؤامرات شيطانية ناسفة، وانقسامات ممزقة قاتلة تذيب القلب، وتذهب النفس حسرات ..!
ولولا ما حباها الله من قوة صامدة، وطاقات رادعة، ومناعة ذاتية، تقيها عاديات الأعداء، وتحفظها مما يدبر لها في السر والعلانية، والجهر والخفاء لأودت بها تلك المؤامرات، وأجهزت عليها، وطوحت بها في قرارة واد سحيق ..!
وان الأسهم الجارحة التي تسدد للأمة الإسلامية في كل مكان، والتيارات الفكرية الدخيلة التي تعيث في ذهنية شبابها، والمؤامرات الماكرة المتوالية العنيفة التي تحاك ضدها لإخضاعها  لتبعية عمياء، وذل خانع تعانيه، وقهر ترزح تحت سلطانه، وعيش ذليل تنوء به، لو أصابت هذه البلايا والرزايا شعوبا أخرى غير الشعوب الإسلامية الصامدة المجاهدة لاستسلمت طوعا أو كرها، وعجزت عن مكافحة البغي، ومقاومة الظلم، ومحاربة العدوان، وباتت تندب حظوظها الطائشة، وجدودها العواثر، وصدوف الأيام عن تحقيق آمالها .. ولكن الله حفظ أمة الإسلام في تاريخها الطويل المديد، ووقاها من الاحتواء والفناء بفضل إيمان المخلصين الصابرين من أبنائها الذين أقاموا أود المائل، واجتثوا جذور الباطل، واثبتوا دائما عن حضورهم الدائم، ووجودهم المستقل ...
والعالم الإسلامي اليوم يجتاز أعظم امتحان عسير عرفه في تاريخه الطويل، المليء بالكفاح والنضال، والبطولة والجهاد، ويتعرض بجهود خفية واسعة من أعدائه وأشقائه للتفرقة والاستعباد، والاحتلال والاستعمار في ألوان شتى، ومسوغات متنوعة، وتتوالى عليه الخطوب والنوائب ممن لا يبغون له الا السوء، ولا يرقبون فيه الا ولا ذمة، ويتربصون به الدوائر، وينتهزون له فرص الاتهام، ويكيدون له بشتى الوسائل والذرائع للنيل منه، والضغط عليه، والفتك به حتى مزقوه نفسيا، وبعثروه عقليا، واججوا بين أبنائه نار العداوة والبغضاء، وأثاروا فيهم كل عناصر الشوك، وسوء الظن والاستعلاء والغرور، وزينوا لهم السيآت، وحسنوا لهم المثالب والخبائث، فاختلط عليهم الأمر، وهاموا في كل واد، وتفرقوا طرائق قددا، وتمزقوا اباديد، فأصبحوا زمرا وعقدا وشراذم لا يجمعهم نظام، ولا يؤلفهم رأي، ولا توحدهم عقيدة، كل حزب بما لديهم فرحون، مما ترك جرحا داميا يتقيح على مدى الأيام، ويهدد عاجلا أو آجلا بالانفجار..!
لقد أصبحت سيادة العالم اليوم تحت سيطرة الانتهازية الطامحة، والصهيونية الحاقدة، والاستعمار الكافر حيث يجد من كل هذا الثالوث في حق الإسلام ورجاله درجة واحدة من الحقد والكراهية والإنكار للحد من مده، والقضاء عليه بمختلف طرق الحيل والتضليل، والمخاتلة والتقتيل، وأنواع الضغوط لتحويله الى عالم ضعيف متهافت .. ولاسيما بعد أن أدركوا أن هذه الأمة الإسلامية المتطلعة إلى آفاق أوسع، وآماد أبعد، وغايات أسمى لا تزيدها الأحداث والنكبات الا مضاء وضراوة، وتنكر الحلفاء والأصدقاء الا اتحادا وصلابة، ومرارة الهزائم، الا صقلا للإرادات، وشحذا للعزائم .. بل أن الهزيمة المحزنة المخزية التي لحقتها عام 1967 قد فجرت فيها ينابيع الوعي على الواقع المر، والحاضر المؤلم، وأعطتها درسا قاسيا، بعث راقد الرمم، وأيقظ القلوب الغلف، وفتح بصيرة من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ...
وان الأمة الإسلامية التي تنعم في تاريخها بصفحات مجيدة رائعة تشرق بالصدق، وتفوح بالنضال، وتعطر بالتضحية والفداء، وتعمق بالإخلاص والإحسان، والتي واجهت الغزو الاستعماري الصليبي الصهيوني في حروب غير متكافئة، واستطاعت أن تصنع بايمانها المعجزات، وتحقق من أنواع البطولات، وتنشئ من الحضارات ما هو مسجل في صفحات الخلود لما تزل هي الأمة التي تستمد من ينبوعها الأصيل، وتاريخها المجيد مصادر قوتها ومنعتها وعزتها ...
والشمس راد الضحى كالشمس في الطفل ...
والمسلمون اليوم يعانون معيشة ضنكا في الحياة، وبلبلة مريجة في الأفكار، ونقصا فاضحا في الكفايات العلمية والتقنية تقتضيها طبيعة الحياة، ويستلزمها ناموس التطور ... وليس بينهم وبين الوصول الى الهدف المنشود، والغرض المرصود الا أن يعتمدوا ـ بعد الله ـ على أنفسهم، ويخوضوا معركة الحياة بكل أسلحتها وأبعادها، وفي جميع مجاليها ورؤاها الموافقة للشرع والطبع، والسنة والكتاب ...
فإذا فهموا وضعهم في العالم فهما صحيحا، وعملوا وفقا لروحه وأحواله، ووثقوا ـ بعد الله ـ بأنفسهم، ولم يأملوا في الوصول الى النصر إلا بسعيهم، نالوا ما أملوا، وأدركوا ما إليه سعوا، وحققوا ما حققه المجاهدون الصابرون الذين عملوا بوحي من ايمانهم، واستجابة لواقعهم، وامتثالا لما فيه مصلحتهم من غير أن ينتظروا أذنا من أعلى، أو أمرا بعيدا عن الكيان وخارج الذات: فان من  أشد أسباب ضياع العز من المسلمين اليوم هو اعتمادهم على الطاقات الأجنبية التي لم تضمر لأبناء الإسلام أبدا الا كل خداع وعداء، وتدليس وتلبيس، ومخاتلة واحتواء، العاملة بكل جهد وقوة على تمييع القيم، وتخدير الأعصاب، وتفتيت القوى، وتشتيت الصفوف، وتحطيم الروح المعنوية، بل انهم فوق هذا وذاك، ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ...
وان اعتماد شعوب الإسلام على غيرها من الدول الكافرة، في حروبها وسلامها مهما كانت الشعوب الإسلامية ضعيفة ومحتاجة الى وسائل قوتها ومعداتها ومهما كانت الشعوب الأجنبية قوية في إمكانياتها ووسائلها وتستطيع الأخذ بيدها الى مرابع النصر والتأييد، وقمة العز والشرف، فانما ذلك كيد يجب الحذر منه، والتباعد عنه، وعدم الوقوع فيه ... وأن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ...
فالنصر محقق أكيد لمن أخلص لله دينه، وطلب العزة من الله ، وتلقى أوامره العليا المبينة في محكم تنزيله، وطرح جميع التيارات الوافدة من وراء البحار وخلف السهوب، وأعرض ونأى بجانبه عن كل ما يمس العقيدة والكيان، ولم يؤمن أسراره ومخططاته الا لمن تبع دينه، فما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ..!
فهذا عمر الفاروق رضي الله عنه يقول لأبي عبيدة عامر ابن الجراح وهما على مشارف الشام، وجيوش المسلمين تزحف نحوها فاتحة عقيدة صافية، ودينا طاهرا، وأخلاقا عالية، وحضارة يانعة:
(( كنا أذل أمة، فاعزنا الله  بالإسلام، فمهما ابتغينا العز بغير ما أعزنا الله، أذلنا الله ..  ))
فالرجوع الى الحق، والتمسك بالصدق، والوفاء بالعهد، والاعتصام بالمثل الصافية، والعقائد الثابتة هو الخلاص والمنجاة، والملاذ والملجأ الذي يعيد أمة الإسلام إلى النبع الصافي، ويحفظ شخصيتها من الاذابة والاحتواء... واننا مهما تنكرنا لديننا ولغتنا وقوميتينا وعاداتنا واخلاقنا لاسترضاء خصومنا وأعدائنا فليس ذلك بنافعنا فتيلا .. !
فمهما تطاولت الأعناق في ذلة ووضاعة، وانكسار واستخذاء تطلب العزة لهذه الأمة بغير ما أعزها الله أذلها الله ... وانما هي ضيعة الأعمار تمضي سبهللا ..
فماذا ينتظر منا أعداء الإسلام وخصومه غير أن نبقى في هذه الحياة متوانين متقاعسين متخاذلين، زوائد كواو عمرو، ومتخلفين عن المسيرة الإنسانية الطامحة كقدح الراكب!!؟ وكيف نشتري منهم القار، في صفة العنبر، وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر..؟!
وكيف نطمئن ونركن الى من يعمل على تخديرنا، ويكيد لنا في السر والعلن، ولو أطلعت عليهم لعلمت، يقينا، أنهم لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ولأوضعوا خلالكم الفتنة ... وفيكم سماعون لهم!!؟
اننا، والألم يعتلج في  الصدر، ويستوقد الضلوع، كلما حز بنا أمر، وضاقت بنا السبل، وتفاقم الخطب، واحمرت الحدق، واشتد البأس هرعنا البأس هرعنا مهطعي الرؤوس منكسري النفوس، نطلب العون والمؤازرة، والله يعلم أنهم ينتظرون هلاكنا، والإجهاز علينا، وخنق أنفاسنا، وتشتيت صفوفنا ..!!
ان الأفاعي الرقط وأن لانت ملامسها، عند التقلب، في أنيابها سموم ناقعات .. !
وان الثعلب مهما لبس جلد الحمل الوديع، وذرف من دموع، واظهر النسك والزهد، فهو ثعلب ماكر خداع يجب الحذر منه.
والغربان السود مهما أظهرت من الحسرة والأسى أمام الجرحى الذين يقدمون شكاتهم إليها، ويئنون متضورين لما أصابهم من جروح، فما ذلك إلا انتظار للإجهاز عليها والفتك بها ...
ورحم الله المتنبي حيث يقول:

ولا تشك إلى شخص فتشمته
                                 شكوى الجريح إلى الغربان والرخم

فالاستعانة بالمشرك الكافر، والركون إلى الذين ظلموا، والاعتماد على الملحدين لا تجوز في شريعة الله ... وانما يجب الاعتماد على النفس والاتكال على الله، والأخذ بأسباب الحيطة والحذر، والتوقي والتربص الجاد، والسير في الطريق اللاحب حتى تتحقق الوثبة الجديدة للعمل المثمر البناء، واليقظة الواعية التي نتجاوز بها الخطأ إلى الصواب ...
قالت عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان (حرة الوبرة) أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله (ص) : جئت لأتبعك، وأصيب معك، قال له رسول الله (ص) (( تؤمن بالله ورسوله؟)) قال: (( لا! )) قال: (( فارجع، فلن أستعين بمشرك)). قالت : ثم مضى، حتى اذا كان ب (( الشجرة)) أدركه الرجل فقال كما قال أول مرة ... فقال له النبي ( ص) كما قال أول مرة .. قال: فارجع، فلن أستعين بمشرك .. قالت: ثم رجع، فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أو مرة: (( تؤمن بالله ورسوله؟)) قال نعم، فقال له رسول الله (ص): فانطلق ...
تلك سنة نبوية في مجال المعاملات الحربية سنها لنا رسول الإسلام القائد العظيم في علاقتنا مع أعداء الدين، وخصوم الإسلام الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر والتي لا تدع مجالا للتردد والحيرة في اختيار من نطمئن اليهم وبمساعدتهم ومؤزارتهم ...
وأننا اليوم في كل مكان من بقاع الدنيا ورقاع الأرض إذا أردنا لنفوسنا فلاحا وتقدما، ونجاحا وانتصارا علينا أن نطمئن الى أصالتنا وعراقتنا، ونؤوب إلى الرشد، ونعقد النية للخلاص من كل العقد والمركبات التي تقعد لنا كل  مرصد، وتحول بيننا وبين تحقيق الأشواق والتطلعات، كما نحسن علاقتنا، في حسن نية وسلامة قصد، مع اخواننا وجيراننا المسلمين، ونكون أفراد الأمة وجماعاتها تكوينا صحيحا مهذبا يؤدي الى ازدهار حركاتنا التحررية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية سرعان ما تثمر ثمارا يانعة، وتؤتي أكلها ضعفين ..
وعندما نربط، بإيمان قوي وأمل متفتح للحياة، مسيرتنا المظفرة بسيرة الإسلام الأولى، ونجدد لعالمنا الإسلامي حضارته ونضارته، ونؤكد وحدته وأخوته، ونثبت وجوده وحضوره، ونقف سدا منيعا أمام تحديات المد الاستعماري التبشيري وموجاته السامة، ونعيد مجد الإسلام في أيامه الغر، ولياليه  البيض التي كانت له عندما:
كنا
نقدم للسيوف صدورنــــا
                            لم نخش يومــا غاشمــا جبارا
كنـا جبالا، في الجبال، وربما
                              سرنـا على موج البحـار بحارا
لم نخش طاغوتــا .. يحاربنا ولو
                               نصب المنايا حولنا أسوارا
ورؤوسنا، يارب، فوق أكفنــا
                               نرجو ثوابك مغنما وجوارا
ندعو جهارا لا إلاه سوى الذي
                              صنع الوجود، وقدر الأقدارا

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here