islamaumaroc

حرص ملوك المغرب على اتباع الكتاب والسنة: جلالة الملك الحسن الثاني جدير بأن يبني كما بنوا ويفعل فوق ما فعلوا

  دعوة الحق

143 العدد

قال تعالى في سورة آل عمران 102 (يا أيها الدين أمنوا اتقوا الله حق ثقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )103، قال بعض المفسرين في قوله تعالى (حق تقاته) أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر،وأن يذكر فلا ينسى، لما نزلت هذه الآية، قال الصحابة يا رسول الله ، ومن يقدر على هذا ، فانزل الله تعالى آية أخرى مبينة المقصود بها وهي قوله تعالى في سورة التغابن (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، وقال تعالى في أول سورة الأعراف(اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ولا تبعوا دونه أولياء قليلا ما تذكرون )،وقال في سورة الزخرف243(فاستمسك بالذي أوحي إليك انك على صراط مستقيم ، وأنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون).
 أمر اله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتمسك بالقرآن اعتقادا وعملا وتحكيما في كل من ينزل به من النوازل ،ثم قال تعالى وأنه أي القرآن لذكر لك يا محمد ولقومك لكل من أمن بك وسوف تسألون عنه أيها الناس هل اتبعتموه واستضأتم بنوره وتأدبت بأدبه ، أم جعلتموه وراء ظهوركم  وأهملتموه، قال تعالى في سورة آل عمران 105 وما بعدها (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم  فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وأما الذين ابيضت وجوهم ففي رحمة الله هم فيها خالدون)، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف، والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب الله العزيز ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ، رواه البقوي بسند جيد.
وبعد هذا التمهيد أقول أن ملوك المغرب كانوا من أشد أمراء المسلمين حرصا  على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونبذ كل رأي يخالفهما كائنا ما كان ، وسأنقل هنا شيئا مما يدل على ذلك من آثار الملوك العظام الذين بنوا المغرب صروح مجد خالدة لا يمحوها مرور الزمن ، قال الناصري رحمه اله في الاستقصأ في الجزء الثاني صفحة112 ما نصه:
(أمر عبد المؤمن بتحريق كتب الفروع ورد الناس إلى لأصول من الكتاب والسنة).
لما كانت سنة خمسين وخمسمائة أمر أمير المؤمنين عبد المؤمن بن على بإصلاح المساجد وبنائها في جميع ممالكه ، وبتغير المنكرات ما كانت ، وأمر مع ذلك بتحريق كتب الفروع ورد الناس إلى قراءة كتب الحديث ، واستنباط الأحكام منها وكتب بذلك إلى جميع طلبة العلم من بلاد الأندلس و العدوة فجزاه الله خيرا.
وقال المصنف المذكور في الكلام على دولة يعقوب المنصور في الجزء نفسه صفحة 178 ما نصه:
وكان المنصور يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس ، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمال الذين تشكوهم الرعايا، وأمر بفرض فروع الفقه وإحراق كتب المذاهب ، وأن  الفقهاء لا يفتون إلا بالكتاب والسنة النبوية ولا يقلدون أحدا  من الأئمة والمجاهدين بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس.
قال ابن خلكان: ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المعرب وصلوا إلينا وهم ذلك الفريق مثل أبي الخطاب بن دحية وأخيه أبي عمرو ، ومحي الدين ابن عربي نزيل دمشق وغيرهم ، وكان يعاقب على ترك الصلوات ويأمر بالنداء في الأسواق وبالمبادرة إليها، فمن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته عزره تعزيرا بليغا، وكان قد عظم ملكه واتسعت دائرة سلطته حتى أنه لم يبق بجميع أقطار بلاد المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلا من هو في طاعته وداخل في ولايته إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس، وكان محسنا محبا لعلماء، مقربا للأدباء.أهـ.
وفي حاشية الطبعة الأخيرة على ما ذكر المؤلف من عبد المؤمن علي من تحريقه كتب الفروع وإصدار أمره إلى العلماء بتحكيم الكتاب والسنة ما نصه... الذي في كتاب المعجب لعبد الواحد المراكشي أن يعقوب المنصور هو الأمر بذلك ، فانظر هل فعل هذا اقتداء بجده أم من ذاته لأول الأمر ، لكن الظاهر من كلام المراكشي أن إحراق كتب الفروع ورد الناس إلى الكتاب والسنة كان مقصدا وعزما لعبد المؤمن وابنه يوسف إلا أنهما لم يظهراه وأظهر يعقوب بعدهما .هــــ
وما ذكره المؤلف  هنا منقول عن صاحب القرطاس ، وكلام صاحب المعجب أولى بالاعتبار لقربه من الزمن المذكور ومشاهدته للواقع.ا هـ
قال محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي : وما المانع من أن يكون البادئ بهذا الأمر الإصلاحي عبد المؤمن والمجدد له حفيده يعقوب وقد اعترف صاحب الحاشية بأن، إحراق كتب الفروع ورد الناس إلى الكتاب والسنة كان مما عزم عليه عبد المؤمن وابنه يوسف، ومن ابن له أنهما لم يظهراه؟ والثقات أن عبد المؤمن أظهر ذلك، ومن علم حجة على من لم يعلم ، وعبد الواحد المراكشي وأن كان زمانه قريبا من زمانهم فلا يلزم أن يحيط عليما بجميع أخبارهم، ومن درس تاريخ دولة الموحدين علم يقينا أن هذا النوع من الإصلاح كان شغل ملوكهم الشاغل لم يتوانوا فيه في أي وقت من الأوقات ، وقد قرأت خبرا أخر في أخد كتب التاريخ من أخبار يعقوب المنصور رحمه الله أنه قال لوزيره ، المسألة الواحدة من مسائل الفقه أجد فيها أقوالا عديدة في المدونة فما المخرج ، قال يا أمير المؤمنين اختلف العلماء الأصول فقال بعضهم المشهور ما قوى دليله وقال بعضهم المشهور ما كثر القائلون به ، وقال بعضهم المشهور ما وافق مذهب مالك في المدونة ، فقال المنصور ما زدتني إلا حيرة ، ثم أخذ المصحف وسنن أبي داود وقال أنظر أيها الوزير أنا ما عندي إلا هذا وأشار إلى  القرآن ، وهذا و أشار إلى سنن أبي دواد، ثم سل  سيفه وقال أو هذا أنا لا أحكم إلا بالقرآن والحديث ومن أبي حكمهما فما له عندي إلا  السيف ، وتأمل كلام الناصري رحمه الله لما حكي عن عبد المؤمن أنه أمر بإحراق الفروع وأمر القضاة والمفتين ألا يقضوا ولا يفتوا إلا بأدلة الكتاب والسنة ، قال بعد ذلك  فجزاه الله خيرا، وهذا يدلنا على أنه لم يزل في المغرب من يدعو إلى الكتاب والسنة ونبذ كل ما خافهما حتى في هذا الزمان، لأن الناصري رحمه الله استحسن عمل عبد المؤمن بن علي في إحراق كتب الفروع  وحصر القضاة والإفتاء في أدلة الكتاب والسنة ، ومن المعلوم أن الناصري رحمه الله عاش زمن مولاي عبد العزيز بن الحسن ، أما في هذا العهد الحسني فإن الدعوة على إتباع الكتاب والسنة قد انتشرت وانتصرن وهي في إقبال مستمر وأعداؤها في أدبار ، والفضل  لله سبحانه ثم لجلالة الملك الحسن الثاني الذي فسح لها المجال أدام الله توفيقه و تأييده.
فإن قلت فما الدليل على صحة ما فعله عبد المؤمن بن على وحفيده يعقوب المنصور من إحراق كتب الرأي وحمل الناس على الاستغناء عنها بنصوص الكتاب والسنة ؟ أقول دونك الجواب ، ننقله من تأليف إمام عظيم كان في ذلك العصر نفسه حاملا للواء الكتاب والسنة وهو حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر ألثمري الأندلسي مؤلف كتاب التمهيد الذي لم  يؤلف في الفقه الإسلامي مثله بشهادة أئمة عصره ، كتاب الاستذكار لما في الموطأ من الآثار ، وكتاب التقصي وهذه ثلاثة شروح لموطأ ، وهو أيضا مؤلف  جامع بيان العلم وفضله وغير ذلك من الكتب.
قال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في الكتاب المذكور الجزء الثاني صفحة 26 في بيان أنه لا يحل لأحد أن يقول في شيء أنه حلال أو حرام ألا بنص كتاب أو سنة أو إجماع معتد به أو قياس على اختلاف فيه ، وقال بسنده إلى أنه قال ، إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن قال بعد ذلك شيئا برأيه فما أدري أفي حسناته يجده أم في سيئاته، ثم قال بسنده إلى  الشافعي أنه قال ، ليس لأحد أن يقول في شيء حلال أو حرام إلا من جهة العلم ، وجهة العلم ما نص في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع أو القياس على هذه الأصول ما في معناها ، قال ، قال أبو عمر أما الإجماع فمأخوذ من قوله تعالى (ومن يشاقق  الرسول  من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى  ونصله جهنم وساءت مصيرا،النساء115) لان الاختلاف لا يصح معه ، هذا ، ظاهر ، وقوله النبي صلى الله عليه وسلم(لا تجتمع أمتي على ضلالة)وعندي إن إجماع الصحابة لا يجوز خلافهم والله أعلم لأنه لا يجوز على جميعهم جهل التأويل،وفي قول الله تعالى(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)دليل على أن جماعتهم إذا اجتمعوا حجة على من خالفهم، كما أن الرسول حجة على جميعهم ودلائل الإجماع من الكتاب والسنة كثيرة ، ليس كتابنا هذا موضعا لتقصيها وبالله التوفيق ثم روى بسنده إلى بقية أبن الوليد أنه قال سمعت الاوزاغي يقول العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وما لم يجيء عن واحد منهم فليس بعلم ، ثم روى بسنده إلى معن بن عيسى أنه قال سمعت مالك بن انس يقول أنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكلما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وكلما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
ثم روى بسنده إلى مطرق قال سمعت مالكا يقول، قال لي ابن هرمز لا تمسك على شيئا مما سمعت مني من هذا الرأي فإنما افتكرته  أنا وربيعة فلا تتمسك به ، ثم روى بسنده إلى ابن أبجر قال ، قال لي الشعبي ما حدثوك عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فخذ به وما قالوا فيه برأيهم قبل عليه ،ثم روى بسنده إلى عاصم الأحول، قال كان ابن سيرين إذا سئل شيء قال ليس عندي فيه ألا رأي أتهمه فيقال له قل فيه ذلك برأيك فيقول  لو أعلم أن رأيي يثبت لقلت فيه ولكني أخاف أن أرى اليوم رأيا ورأي غدا غيره فاحتاج أن اتبع الناس في دورهم ، وذكر وهب  عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن سالم بن عمر أن رجلا سأله عن شيء فقال له سالم لم أسمع في هذا بشيء ، فقال له الرجل إني أأرضى برأيك ، فقال له سالم لعلي أخبرك برأي ثم تذهب فأرى بعدك رأيا آخر غيره فلا أجدك ،و روى عن أبي السمح أنه سيأتي على الناس زمان يسمى الجل راحلته ثم يسير عليها حتى تهزل يلتمس من يفتيه بسنة فلا يجد إلا من يفتيه بالظن ، ثم قال أبو عمر رحمه الله في الجزء الثاني صفحة109(باب فساد التقليد  ونفيه والفرق بين التقليد والإتباع).
قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه فقال (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دن الله )، وروى عن حذيفة وغيره ، قالوا لم يعيدهم من دون اله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم ، وقال عدي بن حاتم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ، فقال لي (يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، قال، قلت يا رسول الله أنا لم نتخذهم أربابا، قال أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرموه، فقلت بلى، فقال تلك عبادتهم ، ثم روى بسنده عن ابن البحتري في قوله عز وجل (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، أكانوا يعبدونهم ، فقال لا ، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه، ثم روى بسنده أيضا إلى ابن البحتري في قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم)الآية ، قال ، أما أنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية .
قال أبو عمر ، في صفحة109،ح2..وقال جل وعلى (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من تدبر إلا قال مترو فها أنا وجدنا آباءنا على أمة ,أنا على آثارهم  مقتدون ، قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه أبائكم )فمنعهم الاقتداء بآبائهم على قبول الاهتداء ، فقالوا(إنا بما أرسلتم به كافرون (وفي هؤلاء ومثلهم قال الله جل وعلى(أن شر الدواب عند اله الصم البكم الذين لا يعقلون)، وقال إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فتتبرأ منهم كما تبرأو منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم )، وقال جل وعز عاتبا لأهل الكفر وذما لهم (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين )،وقال (إنا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل )،ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء ، وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك  من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وأيمان الأخر وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما قلد رجل فكفر وقلد آخر فأذنب ، فقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوها على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه ،قال الله جل وعز (وما كان اله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون )، وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم الأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك .
ثم قال بسنده عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إني لا أخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة، قال وما هي يا رسول الله ، قال أخاف عليهم زلة العالم وحكم جائر ومن هوى متبع )، وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله)،ثم روى بسنده إلى زياد بن جدير قال ، قال عمر ثلاث يهدمن الدين ، زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ، وأئمة مضلون )، قال أبو عمر في صفخحة112ج2 بسنده إلى أبي العالية الرياحي ، قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول ويل للإتباع من عثرات العالم ، قيل كيف ذلك ؟ قال :يقول العلم شيئا برأيه لم يجد من هو ألعم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيترك قوله ذلك ثم تمضي الإتباع ،أهـ.

 توضيحات
1- في هذه الأخبار الأربعة خبر حذيفة، وخبر عدي وخبر أبي البحتري فوائده.
الأولى أن كل من جعل الحكم لغير الله تعالى ولغير المعصوم صلى الله عليه وسلم بأن صار يحلل ما يحلله له برأيه ويرحم ما يحرمه عليه برأيه، ويعتقد وجوب ما يوجبه عليه واستحباب ما يستحبه له وإباحة ما يبيحه له لأنه بالغ في تعظيمه حتى جعل رأيه حجة بل يخالف الكتاب والسنة ويتبع رأي مقلده بفتح اللام فقد اتخذه إلها من دون الله .
الثانية: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي لما رأى عنقه صليبا ألق عنك هذا الوثن دليل قاطع على أن كل جماد يتبرك به ابتداعا كالقباب المبنية على قبور الصالحين يسمى وثنا شرعا يزيده وضوحا ما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )وكذلك حديث أبي وافد ألليثي ، قال كنا حديثي عهد بكفر ورأينا للمشركين شجرة يعكفون عندها وينيطون بها أسلحتهم يسمونها ذات أنواط ، فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (الله أكبر أنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى _اجعل لنا إلها كما لهم آلهة )، لتتبعن سنن من كان قبلكم ، فهؤلاء الصحابة الذين لم يمض على إسلامهم إلا وقت قصير لم يتمكنوا فيه من التفقه في الدين كما ينبغي ، لم يتخذوا تلك الشجرة شيئا يتبرك به ، ولكن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم في ذلك فأخبرهم أن ذلك شرك وأن من اتخذها شيئا متبركا به يكون قد اتخذ إلها من دون الله، أما قول النبي عليه الصلاة والسلام اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، الحديث ، فيفهم منه أن كل قبر كائنا ما كان إذا وصل إليه الجهال وتمسحوا به وطافوا به يسمى وثنا ويكون هؤلاء مشركين، فأن قلت فهل استجاب الله دعاء نبيه وحفظ قبره من وصول أيدي الجهال إليه أم لم يستجب دعاءه؟
فالجواب أن الله استجاب دعاءه ، وحفظ قبره الشريف فلم تقع عين فضلا عن أن تلمسه بد من زمان الصحابة إلى يومنا هذا، لأنه عليه الصلاة والسلام أوصى أن يدفن في بيته الذي توفي فيه وهو بيت أم المؤمنين عائشة، ليكون بعيدا عن متناول الجهال ، وكانت عائشة تسكن في البيت نفسه ولم يكن أحد من الناس لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم يأتون إلي بيت عائشة ويستأذنوها في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما توفيت سد بيتها من جميع الجهات ، ولما أراد الوليد بن عبد الملك أن يدخل الحجرة في المسجد منعه علماء التابعين كأبي لغرض خسيس تركت ذكره اختصاره، فاقترحوا عليه مثلث تكون زاويتاه من جهة القبلة ، والزاوية الثالثة من جهة الشمال حتى لا يصلي الجهال غالى القبور الثلاثة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وقبر عمر ، ثم جاء أحد الملوك بعد ذلك بمئات السنين فبني حوله سورا مربعا وهو الذي يراه الناس اليوم يصلون إليه ، وقد أشار الإمام بن القيم رحمه الله  في المتونية إلى ذلك فقال:

ودعا بأن لا يجعل القبر الذي
                 قد ضمه وثنا من الأوثــــــــــــان
فأجاب رب العالمين دعاءه
                وأحاطه بثلاثة الجـــــــــــــــدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائـه
                في غزة وحماية وصيـــــــــــــان

الثالثة: في بعض ألفاظ تلك الأحاديث فتلك الربوبية وفي بعضها فتلك عبادتهم ، وقد صرح القرآن الكريم بأن اليهود اتخذوا أحبارهم أي علماءهم أربابا من دون اله حين قلدوا تقليد الأعمى وصاروا يفتون بأقوالهم وأرائهم ويقضون بها بدون دلي من التوراة ولا من كلام موسى وهارون، واتخذ النصارى رهبانهم أي المنقطعين إلى العبادة أربابا من دون الله ، حين جعلوا الحكم كما فعل اليهود ، فجاءت هذه الأحاديث تحذرنا أن نفعل مع علماءنا وأئمتنا ما فعلوه اليهود والنصارى مع علمائهم وعبادهم
2- بين الحافظ أبو عمر رحمه الله أنواع التقليد الثلاثة
الأول: أن يقلد الرجل رجلا في أمر يخرجه من الملة كمن رأى رجلا يسجد  لمخلوق أو يدعوه ويستغيث به أو يذبح له وينذر له ، فقلده في ذلك ، فإن ذلك  يوقعه في الشرك الأكبر.

الثاني: أن يرى رجل رجلا يشرب الخمر أو يتعاطى الربا فيقلده في ذلك، فإن يوقعه في معصية من الكبائر إذا لم يستحل ذلك ، بل فعله وهو يعتقد حرمته .

الثالث: أن يقلد رجل رجلا في حرث أو زرع أو بناء بيت أو تجارة فيخطئ الصواب ، فقد أوقعه تقليده في الخطأ والخسران وهذه الأنواع الثلاثة من التقليد كلها مذمومة ، إلا أنها مختلفة في النتيجة، فأولها أوقع صاحبه  في الكفر ، وثانيهما أوقع صاحبه في الإثم ، وثالثها أوقع صاحبه في خسارة دنيوية، ولذلك احتج العلماء من أئمة أهل السنة بالآيات التي وردت في تقليد المشركين لآبائهم على القضاة، والمفتين الذين يقضون بالتقليد ويفتون به.
3- قول النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال ثلاثة ، زلة عالم الحديث ، زلة العالم ، أن يكون إماما مجتهدا في مسألة ويتبين أن قوله مخالف لنص الكتاب أو السنة فيصر إتباعه  على تقليده مع وقوفهم على خطئه ولذلك قيل (زلة العالم زلة العلم ، وقد تكون الزلة متعمدة لأن العالم غير معصوم فيعرف أتباعه أن فعله غير جائز ويصرون على إتباعه فيه وهذا شر من الذي قبله .
والحكم الجائز يدل على انحراف الأمراء والحكام وهو من أعظم أبوبا الفساد الذي يشت شمل الأمم ويوهن قوتها ويقضي بها إلى الفناء ، ويقال في الحكم صنفان من الناس إذا صلحوا صلح العالم وإذا فسدوا فسد العالم ، وهو العلماء والأمراء، وأما إتباع الهوى فهو سبب زوال العدل وفشوا الظلم وذلك سبب شقاء الأمم قال تعالى في سورة النمل (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهو لا يشعرون ، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم  أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ، أن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنحينا الذين آمنوا وكانوا يتقون)51،52،53.
وبسبب إتباع الهوى حكم أهل الجور بما تشتهيه أنفسهم ونبذوا كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهورهم قال تعالى في سورة القصص (فان لم يستجيبوا لك فاعلم إنما يتبعون أهواءهم ، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين)50 ثم قال ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال تذهب العلماء ثم تتخذ الناس رؤساء جهالا يسالون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون )وهذا كله نفي لتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدى لرشده ، وقال سفيان بن عيينة اضطجع ربيعة مقنعا رأسه وبكى فقيل له ما يبكيك؟فقال رياء ظاهر وشهوة خفية والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ما نهوهم عنه انتهوا وما أمرهم به ائتمروا، أهـ.
قال محمد تقي الدين معنى ذلك أن الناس غلب عليهم التقليد والجهل وصاروا يقبلون كل ما يقوله
  علماؤهم دون أن يضعوا أقوالهم في الميزان ويميزوا أصوابهم من خطئهم فما قام الدليل على صحته أخذوا به وقبلوه ، ما قام الدليل على أنه حطا طرحوه، وهذا هو الإتباع الذي أثنى الله على من صار عليه في قوله تعالى :(والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم)، ولم يقل والدين فقلدوهم ، فالإتباع محمود والتقليد مذموم، وقال أيوب رحمه الله ليس تعرف خطأ معملك حتى تجالس غيره ، وقال عبيد الله بن المعتز لا فرق بين بهيمة نقاد، وإنسان يقلد ، وهذا كله لغير العامة فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تبين موقع الحجة ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك جزيل الآجر لما علمت أن من الناس من يسرع أليه حفظ المظلوم ويتعذر عليه المنثور وهي من قصيدة لي :

يا سائلا عن مواضع التقليد خذ
               عني الجواب بفهم لب حاضــــــر
وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي
             وأحفظ على بوادري ونـوادري
لا فرق بين مقلد وبهيمـــــــــة
              تنقاد بين جنــــــــادل ودعا تر
تبا لقاض أو لمفــــت لا يـــــرى
             عللا ومعنى للمقال السائـــــر
فإذا افتديت فبالكتاب وسنة المبعوث
              بالدين الحنيـــــــف الطاهـــر
ثم الصحابة عند عدمك سنـــــــــة
             فأولئك أهل نهي وأهل بصائر
وكذالك أجماع الذين يلونهــــــــم
            من تابعيهم كابرا عن كابــــــر
إجماع أمتنا وقول نبيــــــــــــــنا
            مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر
وكذا المدينة حجة أن أحموا
            متتابعين أوائلا بأواخـــــــــر
وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد
            ومع الدليل فمل يفهم وافــــر
وعلى الأصول فقس فروعك، لا تقس
            فرعا بفرع الجهول الحائــر
والشر ما فيه فديتك أســــوة
            فانظر ولا تحفل بزلة ماهر

حجج المقلدين وردها
وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحج نظرية عقلية بعد ما تقدم فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله وأنا أورده قال ، يقال لمن حكم بالتقليد دخل في حجة فيما حكمت به؟ فإن قال نعم أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد ، وأن قال حكمت فيه بغير حجة ، قيل له فلم أرفت الدماء وأبحث الفروج وأتلفت الأموال ، وقد حرم الله ذك إلا بحجة قال الله جل وعز(هل عندكم من سلطان بهذا )؟ أي من حجة بهذا قال ، فإن قال أنا أعلم أني قد أصبت وأن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيرا من العلماء وهو لا يقول ألا بحجة خفيت علي، قيل له إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك كما لم يقل معلمك ألا بحجة خفت عليك فأن قال نعم ، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول اله صلى اله عليه وسلم، وأن أبي ذلك نقض قوله ، وقيل له كيف تجوز تقليد من هو أصغر منك وأقل علما ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكتر علما ، وهذا متناقض.
فإن قال لأن معلمي وأن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك ، قيل له وكذلك من تعلن من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى عليه فيلزم تقليد وترك تقليد معلمك ، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمك فإن التزم ذلك جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع من دونه في قياس قوله والأعلى الأدنى أبدا ، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحا وفسادا ، أهــ.
هذه أدلة قاطعة ، وبراهين ساطعة ، على صحة ما فعلوه أولئك الملوك العظام ، ونرجو أن يوفق الله جلالة ملكنا عالم الملوك ، وملك العلماء ، أن يحي هذه السنة ، فيصدر أمره المطاع على قضاة مملكته ، وإلى
المعنيين فيها ألا يقضوا ولا يعتوا بالتقليد الأعمى ، بل بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح عند فقد الأدلة ، وليس ذلك على همة جلالته العالية بعزيز لا سيما وقد وفقه الله لإنشاء دار الحديث التي يتخرج فيها علماء محققون في علوم الكتاب والسنة وأصول الفقه قادرون على استنباط الأحكام ، وزاده الله نعمة أخرى تعين على ذلك وهي طبع كتاب التمهيد الذي هو بحر وأخر بالأحاديث الصحيحة والأحكام المحررة المثبتة.
وفي الختام نسأل الله تعالى متوسلين أليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وبمحبتنا لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإتباعنا له أن يبارك في حياة هذا الملك العظيم وأن يخلد ملكه ويبارك في ولي عهده سيدي محمد، ويؤيده بنصره وبالمؤمنين الصادقين حتى الآمال وهو لسمو الله خير من ينشد قول

لسنا وأن أحسبنا كرمت
           يوما على الاحتساب تتكل
نبني كما كانت اوائلــــنا
          نبني ونفعل مثل ما فعلــوا
بل نرجو من فضل الله الذي لا يتقيد بزمان ولا مكان، أن يفعل فوق ما فعلوا ، وأن يبني أحسن مما بنوا.
ونسأله سبحانه لسائر أفراد البيت الملكي الكريم أن يبارك فيهم كما بارك في أسلافهم ويحفظهم من كل سوء، ونسأله تعالى لجميع إخوانا المسلمين شعوبا وملوكا ورؤساء أن يقبل عشرتهم ، ويجمع شملهم وينصرهم على أعدائهم ويعزهم بطاعته ، ولا يذلهم بمعصيته وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here