islamaumaroc

الحسن الثاني وازدهار القراءات القرآنية بالمغرب -2-

  دعوة الحق

143 العدد

كنت حدثت قراء مجلتنا (1) الغراء هذه في نفس هذه المناسبة السعيدة من السنة المنصرمة عن القرار المولوي القاضي بتحقيق وطبع تفسير العالم المحقق عبد الحق بن أبي بكر بن عبد المالك الغرناطي ابن عطية (2) المسمى " الجامع المحرر الوجيز في تفسير القرآن الكريم" إلى ألفه في الأندلس، والذي كان في الأصل كما قلت (3) لتفسير أثير الدين ابن عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف أبي حيان الأندلسي الغرناطي (4). كنت قلت: "وما الذي بقي في طي الخفاء ينتظر من يبعثه من جديد نورا وضاء ينير عقول العلماء والباحثين، فهو تفسير ابن عطية المسمى"المحرر الوجيز" ومعلوم أن تفسير بن عطية الذي لم يكن أصلا فقط تفسير البحر المحيط، وإنما أيضا لتفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5) موجود منه نسخة رائعة الجمال في الخزانة العامة بتطوان تحت الأرقام 629، 630، 631، 623، 633، ولقد قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنتين تقريبا بأخذ صورة منه بإعانة المصالح الفوتوغرافية بخزانة الوثائق بالرباط، ثم وزعتها أولا على عمداء الكليات التابعة لجامعة القرويين ، قبل أن تسلمها للعلماء المغاربة الذين لا شك كلفوا بهمة تحقيق هذا التفسير. ولا أدري أين وصل العمل في هذا التحقيق، كما أنني لا أعرف أجوبة السادة عمداء كليات جامعة القرويين عن استشاراتهم.
وتوجد في خزانة الجامع الكبير بمكناس نسخة خطية نقية من الجزء الثالث من هذا التفسير تحت رقم 120 ، وهي نسخة غاية في الأهمية نظرا لأنها تحمل وثيقة التحبيس التي كتبها المحبس نفسه، السلطان أحمد المنصور الذهبي، إلا أن هذا التحبيس وقع لجامعة القرويين، وتسرب هذه النسخة وحدها دون الأجزاء الأخرى من الغرابة بمكان.
و نظرا لأهمية العمل الذي تقوم به اللجنة المكلفة من طرف أمير المؤمنين بتحقيق هذا التفسير، ونظرا لحرص المغاربة على أن يظهر هذا التحقيق كاملا، مستوفيا لشروط التحقي الدقيق، تحقيقا يشفي الغليل، حائطا بكل ما أتى به المصنف، فإنه مطلوب، ولا شك، من أعضاء اللجنة المحترمين الاستعانة بكل من له خبرة بإحدى الاتجاهات التي تعود التعرض لها في تفسيره.
وليس معنى هذا أن اللجنة غير قادرة وحدها، ودون الاتجاه إلى الغير ، على تحقيق هذا التراث، وإنما يدل على أن تفسير ابن عطية أحاط بأشياء، وتعرض لأمور، يستحيل عل عالم أو عدد من العلماء قلائل التمعن فيها بالقدر الذي يجوز معه مناقشة أفكاره مناقشة علمية ، والتعرف على مواطن القوة أو الضعف فيها.
و سأقتصر في هذه الحلقة على إعطاء مثال لناحية من النواحي التي تعرض لها ابن عطية في تفسيره، والتي لم يوفق فيها التوفيق الذي كنا ننتظر.
وأننا لنرجو أن تعمل ، إن شاء الله، اللجنة على اعتبار هذه الملاحظات التي يشرفني أن أقدمها اليوم، والمستوحاة من متابعات أبي حيا لابن عطية ونقد آراءه نفد العالم المتطلع الخبير.
وبما أن البحر المحيط لأبي حيان لا يحتوي ، بكل أسف ، على فهارس ، سواء في طبعته الأولى، التي أمر بنشرها السلطان الجليل مولاي حفيظ سنة 1328 هجرية بتوكيل الحاج العياشي بن شقرون، أو في طبعته الثانية التي أنجزتها مكتبة النصر الحديثة بعاصمة المملكة العربية السعودية الرياض حديثا، فإني وجدت مشقة كبيرة في جمع جميع الاعتراضات التي واجه بها صاحب البحر المحيط ابن عطية.
والمثال الذي اختاره اليوم هي عشرات ابن عطية في ميدان القراءات القرآنية وتقويم أبي حيان لها.
 لكي يكون مثالنا مفيدا، وحتى نستطيع أن نكون آخر الأمر نظرة شاملة على هذه الفكرة المفيدة بالنسبة لتحقيق تفسير ابن عطية، فإنني ارتأيت أن أقدم تصويبات أبي حيان ابتداءا من سورة البقرة إلى آخر القرآن كما نتلوه ونتعبد به.
1- أول تخريج في القراءة كان غير متجه عند ابن عطية هو في قوله تعالى:" ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة يتفجر منه الأنهار وأن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وأن منها لما يهبط من خشية الله ، وما الله غافل عما تعملون "(6).
وأمر هذه القراءة التي ينصب على "أن" وعلى "لما" في المواضيع الثلاث أو على الأقل، وحسب رأي الجمهور ، على الموضوعين من الآية يخبرنا أبو حيان أن طلحة بن مصرف (7) يقرأ "لما" بالتشديد (8) ، الأمر الذي نقده ابن عطية وقال عن هذه القراءة أنها قراءة غير متجهة. لمن أبا حيان يرد عليه بقوله: "وما ابن عطية من أنها غير متجهة لا يتمشى إلا إذا نقل عنه أنه يقرأ "أن" بالتشديد، فحينئذ يعر توجيه هذه القراءة. أما إذا قرأها بتخفيف "أن" ، وهو المضنون به، فيظهر توجيهها بعض الظهور. إذ تكون "أن" نافية وتكون "لما" بمنزلة إلا. كقوله تعالى: "إن كل نفس لما عليها حافظ " (9) و "إن" كل لما الجميع لدينا محضرون" (10) و "إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا" (11) في قراءة من قرأ "أما" بالتشديد ويكون مما حذف منه المبتدأ لدلالة المعنى عليه التقدير (12)، وما من  الحجارة حجر إلا يتفجر منه الأنهار ، وكذلك ما فيها قوله :"وما منا إلا له مقام معلوم " (13). أي وما منا إلا له مقام معلوم ، و "وإن من أهل الكتاب إلا ليومتن به قبل موته (14)" أي وما من أهل الكتاب أحد. وحذف هذا المبتدأ أحسن لدلالة المعنى عليه إلا أن يشكل معنى الحصر" ثم يقول بعد شرح طويل على هذا الشكل، موجها الكلام إلى صاحبنا ابن عطية :"فإذا تخلص هذا كله كانت القراءة متجهة على تقدير أن يقرأ طلحة "وأن" بالتخفيف وأما إن صح عنه أنه يقرأ وإن بالتشديد فسيعسر توجيه ذلك. و أما من زعم أن"أن" "المشددة" هي بمعنى ما النافية، فلا يصح قوله ولا يثبت ذلك في لسان العرب. ويمكن أن توجد قراءة طلحة "لما" بالتشديد مع قراءة أن بالتشديد بأن يكون اسم إن محذوفا لفهم المعنى كما حذف في قوله: ولكن زنجي عظيم المشافر (15)".
واعتقد أن هذا التعليق الطويل لأبي حيان كاف لأخذ نظرة شاملة عن قراءة هذه الألفاظ في هذه الآية الكريمة. ولكن لا بأس أن مضيف هنا إلى أن ابن مجاهد رضي الله عنه أنكر هو نفسه أيضا تخفيف نون "وأن من الحجار" وكذلك "وإن منها" إلا أن ابن جني يرد عليه قائلا :"هذا الذي أنكره ابن مجاهد صحيح، وذلك أن التخفيف في أن المكسورة شائع عندهم، ألا ترى إلى قوله تعالى :"إن كاد يضلنا عن آلهتنا" (16) و"وإن كاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم " (17) أي أنهم على هذه الحال . وهذه اللام لازمة مع تحقيق النون فرقا بين أن المخففة من الثقيلة، وبين أن التي للنفي بمنزلة كما في قوله (سبحانه) (18) :"إن الكافرون لفي غرور" (19).والملاحظ هنا أن الأعمش يقرأ يهبط بضم الباء. أما أبو حيان فقد ذهب إلى أن الضم لغة،وأما أبو حيان فقد علل ذلك بمسألة تصريفية أشار إليها في محتسبه (20) بما عوهد عنده من الغوص في البحوث اللغوية التي تبهر متتبعيها ، وبسط القول فيها بسطا دقيقا حلوا في كتابه المنصف (21)
.


(1) انظر مجلة "دعوة الحق" العدد الثالث من السنة الرابعة عشرة ابتداءا من الصفحة 110.
(2) توفي ابن عطية حوالي 543 هـ. أو ما يا رب ذلك. توجد ترجمة له في القلائد ابتداءا من صفحة 239 إلى 247 كما توجد في البغية للسيوطي صفحة 49، وفي كتاب الصفة لابن بشكوال صفحة 835. ومن غيرها من كتب التراجم.
(3) انظر دعوة الحق العدد المشار إليه أعلاه.
(4) ازداد سنة 654 هجرية وتوفي بالقاهرة سنة 754 هجرية.
(5) طبع هذا التفسير في مصر في عشرين مجلدا سنة 1933- 1950.
(6) السورة الثانية البقرة الآية 74.
(7) هو طلحو بن مصرف بن عمرو بن كعب أبو محمد، أخذ القراءة عرضا عن الإمام النخمي والأعمش ويحيى بن وثاب وروى عنه القراءة كثيرون منهم على الخصوص علي بن حمزة الكساني. كان تلامذته والناس أجمعون منهم يطلقون عليه سيد القراء ، تجد ترجمته في النهاية لابن الجذري الجزء الأول صفحة 343 مات سنة 112 هجرية.
(8) البحر المحيط، الجزء الأول صفحة 264 السطر 28.
(9) السورة رقم 83 الطارق في المصحف الكريم الآية 4.
(10) السورة رقم 36 يس من المصحف العثماني الآية 32.
(11) السورة رقم 35 الزخرف من مصحف الإمام الآية 43.
(12) هكذا في جميع النسخ.
(13) السورة رقم 37 الصافات الآية 164
(14) السورة رقم 4 النساء من المصحف الكريمة الآية 159.
(15) البحر المحيط الجزء الأول صفحة 265 من أولها.
(16) سورة الفرقان الآية 42.
(17) سورة القلم الآية 51.
(18) سورة الملك الآية 20.
(19) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لأبي عثمان بن جني الجزء الأول صفحة 91 ابتداءا من السطر 12 وأول صفحة 92.
(20) نفس المصدر السابق صفحة 92.
(21) المنصف الجزء الأول صفحة 186.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here