islamaumaroc

السلطان المولى إسماعيل وسياسته الخارجية مع فرنسا

  دعوة الحق

143 العدد

لما نذكر السلطان مولاي إسماعيل نثير صفحات خالدة من تاريخ البطولة المغربية والقوة السياسية وصورا رائعة للقصور الفخمة والبروج العاجية والجيوش الجرارة والسفارات المتنقلة. فمن هو هذا السلطان الجليل الذي حكم المغرب من أقصاه بحنكة سياسية مثالية وقوة  عسكرية لا تقهر وإرادة فولاذية لا تلين ، مدة ما يقرب من نصف قرن أي ما بين سنتي 1672و1727م.
 الذي وصل إلى المغرب في شهر يبرا ير من سنة 1690م بقوله Jean-Baptiste Estelle  يصفه القنصل الفرنسي:كان يناهز السلطان مولاي إسماعيل الأربعين من عمره (تبوأ العرش المغربي وهو دون الثلاثين) كان رجلا متوسط القامة ضعيف البنية ذا لحية سوداء ونظر حاد ومتوقد تشع منه العظمة والقوة ويبين عن فكر ثاقب وعقل جبار وضمير حي لا يخاف في الحق لومة لائم .
 في كتابه الذي نشره في القرن السابع عشر حول سفارته بالمغرب:Bi Dou de St-Oionويقول في حقه كذلك السيد أن المولى إسماعيل كان ملكا عظيما لا يعرف للخلود والسكينة سبيلا ولا يعرف له من بين ملوك المغرب مثيل لا من ناحية طول تاريخ تربعه على العرش المغربي ولا من ناحية حروبه وحضارته وانتصاراته كان يقدم أمامه كلما خرج للنزهة في بستانه على صهوة جواده المصحف الكريم،دليله المقدس في سياسته وسلوكه ومذهبه .ومن حين لآخر كان ينزل من فوق جواده ويقبل الأرض شكرا لله الواحد القهار الرحمان الرحيم.
وكان السلطان مولاي إسماعيل متأهلا بالسيدة خناتة بنت بكار المغافرية  التي كانت تصدر عنها ظهائر ومراسم في بعض الشؤون القبلية  وكانت لزوجها بمثابة وزير وسفير ومستشار سياسي. وقد لعبت دورا هاما في العلاقات المغربية الانجليزية كما كانت أول دبلوماسية مغربية ترأست أول بعثة توجهت إلى القطر الليبي سنة 1730م وكان سيدي محمد بن عبد الله حفيدها عضوا في هذه البعثة .
وقد علم عنها في التاريخ أيضا أنها اقتنت العقار بالبقاع المقدسة وصرفت عليه ما يناهز الآلف مثقال ذهب وعينت ناظرا للسهر على ربع الوقف وتوزيع فوائده .
وقد استطاع المولى إسماعيل القائد المحنك بفضل جيشه الجرار المؤلف من رجال الوداية الأشداء ومن رجال الباخرة (وهم بقايا العبيد الذين أتى بهم المنصور السعدي من السودان والذين أتى بهم مولاي إسماعيل كذلك من حملاته بالجنوب المغربي)أن يضمن الاستقرار في البلاد ويعيد الأمن إلى  نصابه ويقضي على جميع الثورات الداخلية ويقل من شوكة رواد الفتنة والمشاغبين ويعيد للمملكة سيدتها ووحدتها وصولتها ، وبفضل هذا الجيش القوي كذلك هدد المولى إسماعيل باحتلال المغرب الأوسط للوقوف في وجه زحف الأتراك ، وحرر المهدية بعد سبعين عاما من الاحتلال الإسباني وميناء سبتة بعد معركة حامية الوطيس، وحاصر مدن مليلية والحسيمة وبادس واسترد مدينة طنجة بعد أن تم جلاء الانجليز عنها وبعد احتلال دام عشرين سنة (والجدير بالذكر أن ملك البرتغال ألفونسو الخامس قرر أن يسلم سنة 1662م لابنته كاترين التي سوف تنزل إلى شارل الثاني ملك انجلترا مدينة طنجة كصداق لها )(1).
وبعد هذه الانتصارات والحصارات العسكرية الموفقة أصبح المغرب في عهده موحدا سياسيا وعسكريا.
وفي ميدان السياسة الخارجية  كان المولى إسماعيل يتبادل المراسلات مع جميع الملوك الأوروبيين المعاصرين لجلالته في مواضيع سياسية واقتصادية ودينية.
من ذلك أنه بعث كتابا إلى شارل الثاني ملك انجلترا يشرح له فيها الأسباب التي دفعته لشن حرب هوجاء ضد القراصنة الذين يجهلون القانون ويعبثون به ويوجهون الهجمات تلو الهجمات على السفن والشاطئ المغربية .
كما وجه جلالته رسالة أخرى إلى جاك الثاني ملك إنجلترا الذي تنازل على العرش والتجأ إلى فرنسا يدعوه إلى اعتناق الديانة الإسلامية .
وكان جلالته يريد تجديد معاهدة السلام والاتفاقيات التجارية المبرمة قديما بين المغرب وفرنسا .
 ويرجع تاريخ العلاقات بين الدولتين إلى سنة 1533م حيث كتب فرانسوا الأول ملك فرنسا رسالة إلى سلطان المغرب يطلب من جلالته فيها أن يحمي الرعايا الفرنسيين القاطنين بمدينة فاس .وقرر هنري الثالث إقامة قنصلية بنفس المدينة لتتفاوض مع المخزن السلطاني من أجل ضمان حرية وتحرير رقابهم .كما اهتم ريشليو الوزير الفرنسي بيع المنتوجات الفرنسية وإطلاق سراح المسيحيين بعقد اتفاقية مع المغرب قصد التخفيف من قيمة الضرائب المفروضة هي الواردات الفرنسية .
ووقع مع فرنسا سنة 1631معاهدة سلام وأمن استمر مفعولها ما يزيد على العشرين سنة .
وفي عهد الإسماعيلي طلب السلطان من لويس الرابع عشر أن يبعث إلى جلالته بفتيين مساعدين ليعملوا على تنمية وتجهيز بعض المرافق الاقتصادية للبلاد ولكن لويس الرابع عشر اعتذر عن تلبية الرغبة الملكية لاشتغاله بالحروب الطاحنة التي كانت تدور رحاها بين بلاده واسبانيا ، فاقترح عليه جلالته أن يبعث إليه بجيش من خيالته ليساعده على الانتصار في حروبه ضد الإسبان.
وفي أواخر القرن السادس عشر أبدي كل من العاهلين ملك فرسنا وسلطان الملكة المغربية رغبتهما في توقيع معاهدة تبادل الأسرى بين البلدين .
فعين السلطان عبد الله بن عائشة كسفير لجلالته لدى ملك فرسنا لتفاوض في شأن إبرام هذه الاتفاقية ، ولا يخفى أن ابن عائشة هذا كان من أمراء البحر الذين كانوا يضايقون في العصر الإسماعيلي السفن الفرنسية والإنجليزية التي كانت تقترب من الشواطئ المغربية.
ونزل السفير صحبة أحد العلماء السيد أحمد سوسان والسيد محمد التو زيري من قواد البحرية في ميناء"بربست"  في شهر نونبر من سنة 1698 وقد خصص للوفد المغربي استقبال حار. وبعد أيام استقبل من طرف لويس الرابع عشر وسلم السيد السفير للملك الفرنسي أوراق اعتماده لدى جلالته ورسالة خاصة من السلطان مولاي إسماعيل وعدة هدايا مغربية ثمينة .
ومكث السفير ابن عائشة خمسة أشهر في فرنسا .كان معجبا بإقامته بها وبزيارته لنوتردام  وبالمرصد الفرنسي الذي تسلم فيه رسالة من المنجم الفرنسي"كاسيتي " إلى علماء التنجيم بجامعة  القرويين بفاس، كما أعجب السفير بقصور فرنسا ومتاحفها.
وعندما عاد السفير إلى المغرب سلم كتابا خاصا من الملك لويس 14 إلى جلالة السلطان وقدم له تقرير مفصلا عن مهمته بفرنسا التي توجت بالنتائج الموجودة من ورائها .
وقد توجهت بعثة دبلوماسية أخرى إلى بقيادة السيد الطاهر فنيش للتفاوض مع الحكومة الفرنسية ف شأن الأسرى بين البلدين .
وقد سمح المولى إسماعيل "لجان""(.........) صديق سفيره ابن عائشة بتأسيس شركة فرنسية سنة 1700م لتقوم بتسهيل التبادل التجاري بين البلدين .
ويتضح لنا من هذا العرض الوجيز أن سياسة مولاي إسماعيل الخارجية كانت تتصف بالمرونة وكانت تهدف أول ما تهدف إلى ربط أواصر المودة والصداقة بين الدول المجاورة للمغرب وخصوصا مع الدول الأوربية اتقاء شر أطماعها وللحد من غاراتها البحرية على الشواطئ المغربية ورغبة منه في الاستفادة من تقدمها ، في الميدانين التقني والصناعي ومن خبرة مهندسيها وعسكرييها وخبراتها في ميادين المواصلات والمبادلات التجارية الذين كانوا يتواردون على المغرب من حين لآخر.
وهكذا فإن شخصية مولاي إسماعيل الفذة وجهوده العظيمة التي بدلها من أجل توحيد البلاد سياسيا وعسكريا ونشر رداه السلامة والأمن عليها والدور الإيجابي الفعال الذي قام به من أجل تقوية المبادلات التجارية مع أرويا وخصوصا  مع فرنسا.
كل ذلك أثار انتباه وإعجاب جميع المؤرخين والسفراء والرحالة الذين دخلوا إلى البلاط الإسماعيلي وخرجوا منهم وهم يشيدون بعبقرية صاحبه وبشديد  صرامته وبقوة شكيمته ويحملون معهم إلى أرويا أحسن الإرتسامات  وأجمل الذكريات .

(1)أنظر مقال الأستاذ محمد العربي الشاوش في هذا العدد بعنوان:"دفاع عن مولاي إسماعيل"

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here