islamaumaroc

أسباب مصرع ابن الخطيب بين السياسة والتصوف

  دعوة الحق

143 العدد

                                          ابن الخطيب
                                    بين السياسة والتصوف(1)

كانت نهاية ابن الخطيب نهاية مؤلمة كما هو معلوم إذ خنق بالسجن على يد جماعة من الأوغاد أوعز إليهم بقتله الوزير سليمان بن داود بمدينة فاس، ثم أخرجت جتثه في الغد ودفنت بباب المحروق (2). ثم أخرج كم قبره فأضرمت النار في جثته ثم أعيد إلى حفرته وذلك في شهر ربيع النبوي أو أوائل ربيع الثاني سنة 776 هـ. وحياة ابن الخطيب (713-776 هـ) حياة حافلة بالإنتاج الأدبي والتاريخي (3). ولكنها حياة سياسية مليئة بالأحداث والتقنيات التي كانت فصلا من فصول الرواية المأساوية التي انتهت بخروج المسلمين من الأندلس. ويتساءل القارئ لماذا انتهت حياة ابن الخطيب على تلك الصورة المفجعة. أما صاحب (نفح الطيب) فيؤكد أن وفاته أو قتله جاء نتيجة لاتهامه بمدهب الحلول، وأن (روضة التعريف) كتاب غريب المنزع، تكلم فيه على طريقة أهل الوحدة المطلقة وبذلك سجل عليه أعداؤه في نكبته الأخيرة التي ذهبت فيها نفســه (4). ولأجل أن يعرف الإنسان وجه الحقيقة في هذا الموضوع الذي تلتبس فيه عوامل السياسة بعوامل مذاهب الصوفية المتطرفة في تحديد مصير هذه الشخصية الأندلسية البارزة على الباحث أن يلقي ضوء على تصوف ابن الخطيب أولا وعلى الأحداث السياسية التي عاشها، وعلاقة ذلك كله بمصرعه.

تصوف ابن الخطيب
يتساءل المرء: هل كان ابن الخطيب متصوفا؟ وهل كان كتابه تعبيرا عن وجود هذه النزعة الروحية لديه؟ لاسيما وهو يتحدث في بعض معارض كتابه السالك الذي تذوق أحوال القوم، ولمس خواطرهم عن كثب، ولم يخل وجدانه من توهج صوفي. ذلك ما لا نستعبده، وسأسوق هنا بعض القرائن الباعثة على هذا الاحتمال وإن كانت لا تنتهي إلى رأي قاطع في الموضوع. إن للمنكبات تأثيرا على حياة الإنسان النفسية مثل كا لها من التأثير على حياته المادية وأدنى هذا التأثير إلى النفوس انقلاب آمالها يأسا وظلاما، وأنسها وحشة وغربة وذكرياتها الماضية في النعماء عظة واعتبارا، فيتحاول تعاظمها واعتزازها بالذات خمولا وانكسارا. وذلك ما نعتقد أنه حصل لابن الخطيب بعد نكبته الأولى مع سلطانه الغني بالله سنة 760 هـ حيث وفدا على البلاط المريني بفاس. وقد كان ابن الخطيب يوم ذاك يناهز سن الخمسين، وهي سن الارتداء إلى الشيخوخة، فكانت نكبته في مثل هذا السن بمثابة اليقظة من نوم الغرور في الحياة، كما خلقت في نفسه الرغبة نحو التزهد وإطراح الألقاب، واغتنام بقية العمر في القربات والاعتكاف على التعبد (5) كما تدفقت ينابيع نفسه بالشعر المؤثر، المعبر عن اتجاهت روحية جديدة (6). لقد قام ابن الخطيب بعد وصوله إلى المغرب وانعزاله عن سلطانه برحلة عبر مدن المغرب، يزور المعالم والآثار، ويطرح نفسه على قبور الأولياء التأمل والاعتبار (7). واتخذ مدينة سلا إقامة، لما لها م المزايا في هذا الباب، وفيها التقى بالصوفي الشدير الشيخ أبي العباس بن عاشر وتأثر به. ثم توقيت له زوجته أثناء ذلك. هذه هي الحياة الخاصة التي عاشها ابن الخطيب خلال سنتين في مدينة سلا، متعظا معتبرا وباحثا ومؤلفا، وهي التي ألهبت مشاعره الدينية، وأثمرت له اليقظة الصوفية.
وعندما عاد سلطانه إلى الأندلس واستعاد مملكته سنة 763 هـ طلب من وزيره ابن الخطيب أن يتحقق به (8) ومن المؤكد أن ابن الخطيب كان راغبا عن ذلك، ولكنه مضى في إرضاء سلطانه وقدم عليه إلى الأندلس، يقول عن ذلك :( فعزمت على الوفاء بعهده عهد سلطانه) وأسرعت إلى قصده، بغد أن قررت عند المذكور وبين يدي سلطانه  عومي على تعجيل (؟) وعملي على إسراع العودة، وتركى الأهل والولد تحت جناح الحرمة والجوار المريني الوافي بالذمة (9) ويقول في مكان آخر بعد أن رجع إلى الأندلس وقبل الوزارة، وشتهر عنه ما اشتهر نت الانقباض عن خدمة سلكانه مما حبه البعض تيها عليه، فكتب إليه ابن خاتمة يصرفه عن ذلك، فيجيبه ابن الخطيب :"والنية مع الله على الزهد فيما بأيدي الناس معقودة، والتوبة بفضل الله عز وجل منقودة، والله قد عوض حب الدنيا بمحبته، فإذا راجعنا مثلي من بعد الفراق، وقد رقى لذغتها ألف راق، وجمغتني بها الحجرة . فما الذي تكون الأجرة؟ جل شأني، وإن رضي الوامق وسخط الثاني، وإني إلى الله مهاجر ، وللعرض والأدنى هاجر(10)". ويقول أيضا ما يفسر كونه قد سلك طريق السلوك بالذكر بعد رجوعه إلى الأندلس.": وكنت وصلت إلى المغرب ، ولي ورد من الليل، ووظيفة من الذكر، وحظ من الخير، ضايقني في ذلك كله فضول القول والعمل، فهجرت السبحة ، وطلقت الورد، وما طلت الفرض بوقته، وعمرت الزمان بما لا يغني عني من الله من شيء (11). وأكد له هذا الاتجاه، وعمق لديه الإحساس بضرورته تلبد جو السمايات به والنقمة عليه ، مما نتحدث عنه فيما بعد. وهكذا نستطيع بعد هذه الإلملمة بأطراف من رسائله، وصدور "روضة التعريف" في نهاية هذا التأزم النفسي، تستطيع أن تظن، ما دام الجزم بذلك عسيرا، إن ابن الخطيب تعلق قلبه بالتصوف منذ حلوله المغرب، وإن تلك اليقظة الروحية كانت تغشاها عنده غواش من تكاليف الأيام وفتنة الحياة وأهواء النفس في انسياقها مع النفوذ والسلطان، ثم تنجلي في ساعات الخلوة بالنفس، بل تتوهج كلما هبت عليها خواطر الروح تستحث على الخلاص.
لقد عاش ابن الخطيب في هذه المرحلة من حياته تواقا إلى التصوف، وإن لم يتصوف بالمعنى السلوكي الدقيق، فلم يصبح مريدا سالكا، ولكنه تصوف بالمعنى الذي يتأتى لكل مفكر يخلو بنفسه، ويتوق إلى الخلاص مما يشغل نفسه عن الله، وقد اطلع اطلاعا واسعا ودقيقا في هذه الأثناء على كتب الصوفية، وقطع أشواطا في تذوق الطريق. وليس من سبيل إلى ترجيح هذا الاحتمال سوى كتاب (روضة التعريف) نفسه، وسوف لا أطيل على القارئ بالإحالة على بعض فقراته التي تقوي هذا الظن، بل سأتركه للكاتب نفسه، حيث سيجد ابن الخطيب، وإن كان يعرض لنا التصوف بروح تعليمية، إلا أنه لا يكتمنا عواطفه نحو التصوف، وتذوقه لادق خواطر القوم وإيمانه بصلاحهم. وفي آخر الكتاب شبه ألم من أنه يوفق إلى سلوك سبيلهم في غمرة من شواغل الدنيا وفتنة الحياة.

علاقة الكتاب بمصرع المؤلف
مجمل الرأي عندي في هذا الموضوع أن هذا الكتاب لم يكن السبب في مصرع ابن الخطيب . وإن كان يقول :" وهذا الكتاب- أعني روضة التعريف- غريب المنزع... وتكلم فيه على طريقة أهل الوحدة المطلقة، وبذلك سجل عليه أعداؤه في نكبته الأخيرة التب ذهبت فيها نفسه ونسبوه إلى مذهب الحلول وغيره (12). نعم كان الكتاب من جملة ما تذرع به خصومه للفتك به حين عزت الذرائع، أو التمسوا منها ما يقنع العامة، فكان اتهامه في دينه أقوى الأسباب. ولقد كان مما سنفضي إليه حوادث مملكة غرناطة أن يقتل ابن الخطيب حتى ولو لم يؤلف هذا الكتاب. وكانت نكبته التي لقي بها حتفه أشد مما حل بآخرين كانوا عمدة مذهب القول بالحلول والاتحاد. وهو الذي لم يزد على حكاية مذهبهم والتعقيب عليه بالنقد والرفض. إن كل الاتنهامات التي وجهت إلى ابن الخطيب جاءتنا مفصلة في رسالة كتبها أبو الحسن النباهي أحد كبار خصومه والمفتين بقتله، بتاريخ أخريات جمادى الأولى من عام 773 هـ (13). وقد وجهها إلى ابن الخطيب بقصد ما سماه بالنصيحة له. وإذا رجعنا إلى هذه الرسالة وجدناها (؟) عن روح عداء واتها. مع أحكانم المنطق. وأشد ما ذكره خصمه فيها أنه وقع في المس بالجناب النبوي الشريف بما لا يليق، وإنكاره لبعض مقررات السنة والعقيدة، ونحن نعلم مدى بعد ابن الخطيب عن هذه التهمة دون دليل إلا الأخذ بطبائع الأشياء ودلائل الظواهر.
أن محنة ابن الخطيب في أساسها نهاية صراع وانقلاب تم في بلاط فاس بمساعدة الغني بالله سلطان غرناطة ، مبادرة منه في كسب ظروف خصومه في فاس للهيمنة على سير الأحداث، وما كان يجري وراء ذلك الصراع والانقلاب من أطماع، وضمان مصالح ومراكز من كانوا يحطبون في حبل الأحداث وتفصيل القول في ذلك أن ابن الخطيب لما شعر بتغير رأي حاشية سلطانه فيه، وهو على رأس وزارة غرناطة، وسعاياتهت به لديه، لما وجدوه من غضاضة على نفوذهم من نفوذه ، ومططلق حكمه واستبداده، أخذ يفكر في عواقب ذلك إذا ما تغير السلطان عليه. وكان يرى في المغرب خير ملجأ ينقلب إليه من شغب الناس وعوادي الدهر وتقلباته، وظاهرة لجوء الثوار في الأندلس أو في المغرب إلى هذا القطر عادية في ذلك العهد . فكان من ذلك أن اجتاز إلى الأندلس الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن المرينر ووزيره مسعود ابن مأساي ، ونزلا ضيفين على مملكة غرناطة سن ة 767 هـ ، ولكن هذا الحادث أقلق بال السلطان المريني عبد العزيز، وتوقع الانتفاض من الأمير اللاجئ إلى الأندلس عليه بعد ذلك، ولكن ابن خلدون، فداخله في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي ، ولراحة نفسه من شقيهما، على أن يكون المكان من دولته إذا نزح إليه. فأجابه السلطان المريني بتلمسان إلى ذلك، وكتب له العهد بخطه على يد سفيره إلى الأندلس وكاتبه أبي يحيى بن ابن مدين (14).
وانقلب ابن الخطيب على صديقي الأمس اللاجئين، فأغرى سلطانه الغني بالله على اعتقالهما فقعل، وكانت مساومة بين وزير غرناطة وبين سلطان تلمسان، اقتضى كل منهما من صاحبه حاجته وطنيته،ولما استحكمت السعاية بابن الخطيب، واتسعت النقمة من حوله إن حقا أو باطلا دبرأمر مغادرته الأندلس باتفاق مع سلطان المغرب بتلمسان، حيث أصدر أمره باستقباله واستعمال سفن أسطوله بجبل طارق في عبوره إلى المغرب. وبدأ لسلطان غرناطة بعد فرار وزيره ما كان مستترا بأمره، ووجد مساغا لأقوال أعدائه فيه، وتأكد لديه ذلك عندما سعى سلطان بني مرين لديه بأن يخلي سبيل أسرة ابن الخطيب، إذ أصبح هذا السلطان في موضع من يتوقع شرا من بلاط تلمسان ويفسر هذا الاحتمال قول ابن خلدون: وتغير الجو بين اين الأحمر ووزيره ابن الخطيب، وأظلم وتنر له، فنزع عنه إل عبد العزيز سلطان المغرب سنة 772 هـ لما قدم من الوسائل، ومهد من السوابق، فقبله السلطاةن وأحله من مجله محل الاصطفاء والقرب . وخاطب ابن الأحمر في أهله فبعثهم إليه، ثم تأكدت العداوة بينه وبين ابن الأحمر ، فرغب السلطان عبد العزيز في ملك الأندلس وحمله عليه. وتواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان إلى المغرب. ونمى ذلك إلى ابن الأحمر فبعث إلى السلطان عبد العزيز بهدية لم يسمع مثلها ، واوقد بها رسله بطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه، فأبى السلطان ذلك ونكره (15). ووقف نفس الموقف من الاستنكار والرفض لطلب سلطان غرناطة الوزير ابن غازي الذي تولى السلطان الصغير السعيد بالله بعد وفاة والده السلطان عبد العزيز. فشعر الغني بالله في الأندلس بضرورة مواجهة الموقف بما يلزم، واستباق الأحداث، فأطلق الثوار المناولين لبلاط فاس من الاعتقال ، وهما الأمير عبد الرحمان بن أبي يفلوسن والوزير ابن ماساي، وأركبهما الأسطول، وأمدهما بالقوة على الثورة. وهكدا تطورت الأحداث بعد ذلك لصالح سلطان غرناطة ، فلم يكن بد من أن يلقي ابن الخطيب مصرعه هنا أو هناك. ومن الحق أن نتساءل عن أسباب فرار ابن الخطيب من غرناطة بتلك الطريقة المريبة، لأن في ذلك الضوء على أسباب محنته من بعيد قبل أن تأخذ لونها السياسي الخالص. وترجع عوامل ذلك في الواقع إلى بداية عهد توليه الوزارة في غرناطة من جديد سنة 763 هـ فقد ألح عليه سلطانه في ذلك فاستجاب، لكنه اقتضاه عهدا- فيما نظن- أن يخلي سبيله عندما تستقر الأوضاع، وتستقر رسوم الدولة. فقد كان ابن الخطيب يعتزم العودة إلى سلا ليس ليستأنف حياة العزلة والهدوء فيما بعد،(16) وهناط عامل آخر، وهو أن ابن الخطيب عندما رجع إلى الأندلس وتقلد أمر حكومة غرناطة أخذ الأمور أخذ استبداد، لأن ذلك ما تقتضيه العودة بالمملكة إلى حياة الاستقرار وتوطيد دعائم الملك بعد تلك التقلبات التي مرت بها،وهذا ما كان يقض مضاجع أولئك الذين اعتادوا الاستفادة من أحوال الضعف والتآمر و النفوذ وانعدام المسؤولية. ونترك لسان الدين ابن الخطيب يحدثنا عن واقع حياته في هذا العهد. ففي ذلك ما يوضح لنا أسباب النقمة عليه والسعاية به، كما يوضح لنا أن ذلك الفرار لم يكن إلا نتيجة حتمية لاتجاه نفسي قديم: ".. وقدمت عليه بغرناطة (يعني على السلطان) مع الولد قدوم الطبيب على المريض المشفي على الموت، القاطع بالفوت، وقد دالت الدولة، في أمة ليست فيها إلا إلا مذنب يقول أو عمل، والنال معدوم، وبناء الملك مهدوم، والألقاب قد ذهبت رسومها، والأحوال قد تغيرت صفاتها، والدنيا قد اختلفت مألوفاتها، والخدام المتقلبون على الدولة قد سفكوا الدماء، واتبعوا الحسائف، وأطاعوا المطامع، بحيث عادت الثورة، فلولا دفاع الله كانت القاضية. فشمرت لإصلاح القلوب،وسد الحسائف، وتأنيس الشارد، وتأمين الخائف، وإرضاء الجند، وتوفير المال، ومحاولة عدو الدين، وقد اقتضيت خطه (يعني خط السلطان) بالسراح إلى أمد معلوم حل، فنقلني إلى غيره، واستدرجني بسواه،  وقد عادت مع ذلك عوائد العافية، وفتحت على الأندلس أبواب الخير."
ثم يقول بعد ذلك: ".. وفي كل آونة وساعة، وأثناء كل تفرد وخلوة، بعد أن كبر الولد، واستراح من هم الحرص الخلد، أخاطب نفسي فأقول لها : يا مشؤومة، أما تشعرين لما نزل بك، حملت كل هذا على ضعفك، وأوسعت هذا الشغب في فكزك، وعمرت بهذه الحظوظ حظ ربك، وتعرضت لأن تسخطي الطالب الممنوع بخيبته، وتسخطي المعطي بما يرى أنك قد متعته من الزيادة في عطيته، والميل إلى ضده، وتسخطي بالقبول على عدوه، والميل إلى ضده، وتسخطي الجاني بإنفاذ العقوبة في جنايته، والمجني عليه بالتقصير عن غرضه الذي يقتضيه شفاء نفسه، وتسخطي الجيش باختباره وعرضه، ومنع المدفوع إليه في غير حقه، وتسخطي الرعية باستقصاء الجباية، وأخذها بالإعداد لعدها في الشدة.  وتعادين خاصة السلطان بالإنفراد به دونهم، وتعادين الملوك المجاورة بالتةقف في أغراضهم التي يصعب قضاؤها، ويضر بالدولة إمضاؤها، وتعادين ولد السلطان وحظيته، فلكل منهم مطلب يختص به، وطور مثلك يعيد عن التهجم فيه، والاقتتات على صاحب الدار. وتعادين السلطان بعدله ي الشهوات والقيام دونه دون كثير من الأغراض... وصرت أنظر إلى الوجوه فألمح الشر في نظراتها، واعتبر الكلمات فأتبين الحالف في لفاتها، والصبغة في كل يوم تستحكم، والشر يتضاعف، ونعمة الولد تطلق لسان الحسون، والأصحاب الذين تجمعهم المائدة كل يوم وليلة يفتنون في الأطراء والمديح، وتحسين القبيح والمحالات في اللغي والتقرب بالسعي،انظر إليهم يتناقلون الإشارات بالعيون، فإذا انصرفوا- صرف الله قلوبهم- قلبوا الأمور، ونقلوا العيوب، وأفسدوا القلوب وتعللوا بالأحلام وقواطع لأحكام. وأنزل الله عز وجل على حبال العجز والكسل، وسقوط الأمل، وتوقع الشر، وفساد الفكر وجمع المطالب كلها، والآمال بأسرها في حصول راحة، وتمنى خلوة، وقطع ما بقي للعمر من برهة في دار آمن وخاو من شغب. فألححت على السلطان، تارة أطالبه بإنجاز وعده، والوفاء بعهده. وتارة بالعمل على اكتساب بغضه والجفاء الذي بحل عقدة اغتباطه ويذهب الحظ من باطنه. بلغت في ذلك بالقول والعمل إلى ما لا يبلغه محكم من عقله ولا محافظ على نفسه، وهو يحمل ذلك كله في جنب المظاهرة على أمره، وعملم بمحلى من الصبانة لملكه، والنظر بعين الأبوة لأهله وولده، إلى أن لم يبق بيني وبينه إلا أن يذهب القشر ويتكأ القرح (17)". هذه صورة دقيقة عن نفسية ابن الخطيب يصورها بقلمه. ولم يكن بد بعد ذلك من أن تدفعه إلى الفرار بنفسه، ما دام إسخاط هؤلاء وأولئك لا مندوحة عنه في هذا المسلك أو لقبضه على السواء. وكان لابد من هؤلاء وأولئك من أن يلاحقوه، فلاحقوه وقضوا عليه. وبذلك يتبين أن حظ الكتاب ، كتاب"روضة التعربف" في إنزال العقوبة به أو نسخ خيوط المؤامرة عليه حظ ضئيل. وإن كان التلبيس بنزعة الحلول والوحدة المطلقة على العامو متاح ميسور، كما كان الشأن قبل ذلك مع غيره من المفكرين والعلماء الذين اهتموا بنفس الدعوى للقضاء عليهم. ومع ذلك يبقى علينا حق كشف النقاب عن حقيقة اتهام ابن الخطيب ببعض ما جاء في كتابه هذا من كلام على طريقة أهل الوحدة المطلقة، كما أشار إلى ذلك المقري (18). فإذا رجعنا إلى الكتاب الذي بين أيدينا وجدناه لا ينطوي على شيء مما رماه به خصومه من قول بالحلول أو الاتحاد أو الوحدة المطلة، ولا ما يتم عن ذلك من قريب أو بعيد. نعم تكلب ابن الخطيب على جميع المذاهب والآراء المتصلة بموضوع المحبة الإلهية وأورد رأي أهل الوحدة المطلقة ورأي مذهب وحدة الوجود، ووقف عندها وقفات يدفع آراءهم ويكشف عما فيها من ضلال وانحراف (19). بل يحق لنا أن نؤكد أن ابن الخطيب كان في هذا الكتاب سنيا أشعريا دون لبس أو خفاء (20). وأحيل القارئ على فصول كتاب "روضة التعريف" ليتأكد من ذلك.


(1) فصل من مقدمة كتاب "روض التعريف بالحب الشريف" الذي حققه الكاتب ونشرته أخيرا دار الثقافة بالدار البيضاء في جزئين.
(2) هو باب الشريعة القائم من ناحية فاس الجديد، وسمى باب المحروق منذ العهد الموحدي لما أحرق فيه أحد الثوار، وهو يفضي إلى الخلاء الذي كانت تقام فيه الحدود. (سلوة الأنفاس 3/188).
(3) انظر فصل آثار ابن الخطيب. روضة التعريف ص 25-34.
(4) نفح الطيب 9/309.
(5) انظر : الاستقصا ج4 / 13 .
(6) راجع مثلا قصائده في قبر جبل هنتاتة، وشالة، ومدح السلطان أبي سالم. ازدهار الرياض 1 / 295.
(7) أعمال الأعمام . بروفنال 314.
(9) المرجع السابق. 315.
(10) ازدهار الرياض 1 / 219- 270.
(11) أعمال الإعمام. برونفال 316
(12) نفح الطيب 9 / 306.
(13) ازدهار الرياض 1 / 212.
(14) نفح الطيب 7 / 30. وانظر أيضا دائرة المعارف اللبنانية 3 / 14.
(15) نفح الطيب 7 / 32.
(16) انظر: أعمال الإعلام ص 314. ولسان الدين لعبد الله عنان ص 115.
(17) انظر: أعمال الإعلام ص 314-317.
(18) نفخ الطيب ج ص  309
(19) انظر روضة التعريف ج 1 ص: 214 ، 219 وانظر أيضا ج 2 / 574 ، 620.
(20) نشير إلى فصول الكتاب المشار إليها بأرقام الصفحات السابقة من طبعة الكتاب (بتحقيقنا).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here