islamaumaroc

الاحتفال بذكرى عيد العرش مناسبة للتذكير بدولة العرش

  دعوة الحق

143 العدد

الحياة دول وأطوار، وصعود وانحدار، وتاريخ وأخبار، ومما كتبه التاريخ وأمضاه الواقع عن سياسة الدول العلوية التي دشنت وجودها الرسمي بالعزيمة الأكيدة على إنقاذ الوطن المغربي، الذي كان موزعا بين رؤوس الفتنة وملوك الطوائف، والذي كان قد أثخنته الجراحات، وأضعفته النزاعات، فأخذ المرحوم المولى الرشيد، العصا بيد من حديد، حتى أزال الفتنة ولم الشعب،وجمع الشتات، وعاد الأمر إلى نصابه، والحق إلى أهاليه.
 مما سجله التاريخ في آفاقها وأثبته الواقع في حياتها، إنها دولة توفرت على حسن السياسة، وكمال النجدة، وقوة الإرادة، وإنها من حماة الحقائق، ودعاة التوحيد والتجديد، والبناء والتشييد، وإن الطابع الذي طبعها في ظل نظام يستجيب للاختيار والاستقرار، ولتعاطي أسباب الرخاء والازدهار، هو الإيمان بدستور الشريعة الإسلامية، ورفع أعلامها ومعالمها، والفخر بنظامها وأحكامها، والسير وراء سلطان أوامرها.
وفي ذلك الثقافة الواعية، والتربية السامية، والحضارة الوافية، ولا بدع فالإسلام دعوة إلى الحق، وإلى المثل العليا في كل جهة من جهات الحياة سواء علينا أكانت الحياة مع الله  أم مع الناس، وهو لا يدين بدين العبودية والرقية، ولا بدين التفرقة والجنسية، ولا بدين الفروق الطبقية، ولا بالتقليد والتبعية، ولا بالاستبداد والأنانية، ولا يرضى لأتباعه الدلة والمسكنة، ولا الفلتة والمغرمة.
 وإنما قوامه- القيادة الرشيدة، والإدارة السديدة التي تتحرى العدل والوفاء في أعمالها وتنفد أحكام الله في مواضعها، وتسهر على رعاية مبادئها، وحماية مواطنها- والرجوع في الحكم إلى نظام المشورة، في غير نص الكتاب والسنة المأثورة- والمساواة في الحقوق الشرعية، والنواحي الأساسية، والفرص الحيوية، كما قال نبي المسلمين صلى الله عليه وسلم: لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى.
والتقوى استقامة الظاهر والباطن، والتعاون على خدمة الصالح العام ورفع مستواه المادي والأدبي، واعتبار المقامات والكفاءات، واختلاف القيمة باختلاف الملكات ، فإن قيمة كل امرئ ما يحسنه، إن من العدل أن ننزل الناس منازلهم.
وبذلك يتلاقى المسلمون في صعيد واحد، ويتصافون في صف واحد، ويتداعون إلى العمل الناجز في سبيل الله، والمتعدى إلى عباد الله، ويبنون البناء اللازم لحياة- تحنك بالتيارات القوية، والعوامل الخفية- وتسير في جبهة بسرعة حية، ولقد حاول كثير من ملوك هذه الدولة الشريفة تحقيق المطامح الاجتماعية عن طريق إصلاح وتجديد الأجهزة والأنظمة في كل الواجهات، وفي سائر المجالات كالتعليم والتربية، والتخطيط والتنمية.
وارتبط ذلك طبعا بإصلاح الفرد وتقويم أخلاقه، وتحسين مستواه الثقافي إذ هو أساس الجماعة التي ينهض بحياتها، ويرفع من ذكرها وقيمتها، ويحترم قانون الشرع في ساحتها، ومن ثم كان مستوى النهوض بالتربية والتعليم من أول ما حظي بعنايتها واستأثر بنشاطها وبخاصة أيام المولى محمد بن عبد الله العلوي، ومن التعارف الذي لا يجهله إلا ضال أن الله لا يعبد بالجهل، وأن الحياة لا تنهض بالجهل، وأن السلوك الحسن قوام النهضة وعماد السعادة في عالم الدنيا وفي عالم الآخرة.
 ومنذ نشأت هذه الدولة وهي تحمي كيان الوطن من أعدائه وتغار على وحدته وسمعته، وتسير بقوة ونشاط حسب إمكانياتها المحدودة في طريق الثقافة والحضارة ومراعاة النظام على الرغم مما كان يعترضها من هزات وحملات خلال بعض الفترات- وقد كانت الأطر الغربية والإسلامية هي المعتمدة في تحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، وفي تصريف الوضعيات السياسية ، والعلاقات الخارجية، وكان المستوى الفكري سابقا وقائما على القيمة والاستقامة ، وهذا أمر لا يسبق التاريخ  ولا يفوته في ديارنا وفي آثارنا، ولا يغيب عن أذهان الذين لهم ولوع تام بأحوال بلادهم، واطلع عام على أدوار حياتها وسياستها- فلتحرص كل الحرص على التمسك بطابع تراثنا، ولتساير حضارة الظاهر بظاهرنا، وتلك هي السيادة والسعادة ، وإن كان شيطان الاستعمار قد نقصنا من أطرافنا ، ونال من ضمائرنا، وطمس من مآثرنا، وفرض الازدواجية على مدارسنا، ولكن يجب أن لا نستسلم ولا ننهزم بل نحارب  سياسته ونعارض سيطرته حتى يتخلى عن مسخ حقيقتنا وتشويه حضارتنا، وعندما تبوأ جلالة محمد الخامس- ملأ الله ضريحه نورا- عرش بلاده، رفع من مكانته وأدار الشؤون بحكمته وكانت له نزعة إلى حب الخير ومعالي الأمور، ويد بيضاء- في تنظيم التعليم وإصلاح برامجه ومناهجه، ورسم أهدافه وغاياته- وفي توحيد البلاد وتوجيهها، والدفاع عن عزها وكرامتها، والقيام على تطورها وازدهارها، وطن يعامل طاغية الاستعمار بالهواء واللواء، ولكن لما كشف عن أطماعه وكشر عن أنيابه عاكسه معاكسة صريحة، و نادى بالحرية والاستقلال وضحى في سبيل ذلك برفاهيته ونعمته وثار الشعب كله بثوراته، وتضامنت معه العروبة والإسلام وسائر عقلاء وأحرار العالم حتى خلص البلاد من قبضة الاستعمار الماكر الذي كانت له نوايا سيئة ومقاصد مبيتة، وذلك ما رسمه التاريخ العام في مذكراته القريبة والبعيدة، وأودعه تاريخ السياسة الجديد في صفحات الإبداع، وملأت به وسائل الإعلام الآذان والأسماع، وعلم رحمه اله بكفاحه الناطق ، ونضاله الصادق، كيف تكون البطولة والشهامة ومواقف الشرف في تحرير الشعوب وفي تحقيق المرغوب.
وقد خلفه في اعتلاء العرش المجيد أمير المؤمنين الحسن الثاني الذي كان موضع سره وشريك محنته، وما انفك حفظه الله يسير على نهج والده المرحوم، ويعاهد الله أن يقود سفينة الشعب في طريق النجاة، وإلى ساحل السلامة، ومرفأ السعادة، مستندا في ذلك على معونة الله ونصرته، مستنهضا إلى جانبه همم شعبه، ليخطو به خطوات إلى الأمام وحرص أعزه الله على خلق مؤسسات عمرانية و (ديمقراطية) ومشاريع اجتماعية واقتصادية، ولعب دورا حازما في إبراز معاني التعبئة والتنمية، وما زال يخطو ويحرص آملا أن يصل إلى الغاية التي يراها كفيلة بالاستواء على صهوة العز و منصة العلاء. ومن الحركة المباركة التي أنجزت في عهده تطور الفلاحة بعملية السدود واستصلاح الأراضي التي تفتح إن شاء الله أبوابا من الخيرات، وهو عملية سائرة ومستمرة بنشاط، إلا أنه طرأ على ذلك ما يجب التنبيه عليه. ذلك أن الخبراء المكلفين بضم أراضي الجماعات وقياس مساحاتها لتوزع على الفلاحين بمقياس معين، لم يحترموا الملكية الشرعية لأصحابها فحولوا المالك الشرعي من مسكن بنائه وغابة زيتونه إلى ناحية فارغة وجعلوا مكانه شخصا آخر لم يكن يحلم بذلك من قبل، وقد كان في الإمكان أن يبقى المالك في ملكه وهو أولى به من غيره ، ثم إن زادت مسطرة القياس نقص له وإن نقصت كمل له مما يليه أو من غيره.
ومما جد كذلك من المشاريع الإنمائية، العناية بطبيعة السياحة وتنظيم وسائلها وتجريد المآثر الحضارية القديمة، والمعالم السياحية الجميلة، فإن  البلاد بحمد الله أصبحت بذلك آهلة بالسواح من مختلف الأجناس، وذلك بفضل المجهود الذي بذل لاستقبال السواح في فنادق عصرية وقهوات مسلية. تشتمل على عمال ومرشدين أكفاء ونتج عن ذلك مورد جديد من العملة الصعبة التي يحتاج إليها لشراء الأدوات الأجنبية لاسيما أدوات الصناعة والفلاحة- إلا أنه عرض لهذا التطور أيضا ما يسمى بالهيبيين المستهترين بالأخلاق الذين أفسدوا كثيرا من شبابنا ، وتوغلوا توغلا مخيفا في وسطنا ، وأشاعوا بينهم المسكرات والمخدرات والفواحش التي لم تكن تعرف من قبل، ومن الظواهر المؤسفة قابلية الجيل الطالع لتقليد الأجانب من دون فرق بين ضار ونافع، وإزاء هذا الانحراف الخلقي فالعلاج هو المراقبة النزيهة الفعالة لا في خصوص ما ذكرنا بل في سائر المشاريع، إذ ما من مشروع إلا ويمكن أن يطرأ عليه ما بخبثه ويعكس نتيجته، لأن نظام الحياة الدنيا بني على الامتزاج بين الحسنات والسيئات والمنافع والمضار فما من حسن في الظاهر إلا وفي ضمنه ما يجعله سيئا، وما من سيئ إلا وفي طيه ما يجوز أن يكون حسنا، ونظام الإسلام هذا ناظر إلى الجهة الغالبة فما غلب من ذلك فهو الذي يسار إليه ، ويقاس ذلك بقياس العقل والنظر، وقياس الشرع والخبر. حقق الله بالعرش المغربي ما ينزع إليه الشعب – من سعادة الدين وسعادة الدنيا وذلك بإصلاح يشمل معاهد التربية، وموارد التنمية، ويرفض رواسب الفساد، و رواسم الإلحاد، ووفق عاهله الكريم لمواصلة القيادة في ميادين العز والنصر، وصب الله على ضريح مولانا محمد الخامس من الرحمات شآبيب القطر.
 ورفقاء الخير والإيمان، والسائرون على صراط القرآن، هم أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليما.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here