islamaumaroc

سفارة فرنسية لدى جلالة الحسن الأول -1-

  دعوة الحق

143 العدد

كان ومازال تبادل السفارات بين الدول يمثل أحدى دعائم إقرار العلاقات  بينهما ، وكان وما يزال تقديم أوراق اعتماد السفراء لدى الملوك والرؤساء إمارة قانونية تثبت للملك أو لرئيس شرعية المهمة الدبلوماسية التي سيضطلع بها السفير أثناء إقامته في البلد  الذي سيزاول فيه أعماله ممثلا لدولته .
 في الماضي السحيق كان السفير بعد أن يقطع المسافات التي قد تطول وقد تقصر ، والتي قد تكون برية أو بحرية يؤدي المهمة المنوطة له من تهنئة أو تعزية أو مفاوضة في شأن أسرى ، أو أية قضية أخرى، ثم يقفل راجعا إلى بلاده وقد قضى المهمة وقام بها خير قيام أو عافه عن تنفيذها ما اعترض سبيله من العوائق .
كذا كان شأن المغرب مع سائر الدول ، حيث نجد سفراء مغاربة مثلوا المغرب في عهوده  السالفة لدى مختلف الدول، ثم عادوا إلى بلادهم. وقد تمكن بعض هؤلاء السفراء أو بعض المرافقين لهم من تسجيل معالم سفارتهم ، فتركوا لنا كتبا أو"رحلات" دونوا فيها مشاهداتهم  ومقابلاتهم وما تعرضوا له في رحلاتهم من أخطار.
وكذلك كان شأن الدول مع ملوك  المغرب : كانت البعثات الدبلوماسية تقدم لقضاء بعض المآرب ثم تعود من حيث أتت ، ولكن في العصور الحديثة التي تشعبت فيها المصالح ، واشتبكت الأغراض من جهة ، وتحسنت المواصلات  وكثرت وسائلها السهلة من جهة أخرى ، صار لزاما أن تتجه نيات الدول إلى إنشاء سفارات قارة، وإرسال بعثات دبلوماسية دائمة ، تستقر في عواصم البلدان التي يمثل فيها السفراء حكوماتهم.
وغنى عن البيان أن المغرب قام عبر تاريخه الطويل بدور الدولة المستقلة المقتدرة ، بيد أن الدول كالأفراد قد ينتابها الضعف والخور فتجتاز مراحل صعبة من حياتها ، خصوصا إذا كان موقعها الجغرافي وميزاتها الطبيعية ، وخيراتها المتوافرة مما يغري باقتناصها وإيقاعها  بين براثن التآمر الدولي أو الاحتلال الأجنبي .
وغنى عن البيان كذلك أن المملكة المغربية في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين ، كانت  تعاني من بعض الأزمات الداخلية ، وبعض التأخر في مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية، مما جعل بعض دول أوربا  تتربص بها الدوائر ، وجعل بعضها الآخر يطلق عليها " الرجل المريض الغربي    ............... ........"تميزا لها عن "الرجل المريض" الشرقي ، ويعنون بها الخلافة العثمانية التي كانت آنذاك آيلة للانهيار . لقد شاهد  المغرب كثيرا من مظاهر التألب الأوربي والاستفزاز خلال الفترات التاريخية التي سبقت أو لحقت هزيمة أيسلي على يد الفرنسيين (15 شعبان هـ/30غشت 184م) وهزيمة تطوان على يد الإسبانيين (13رجب 1276/5فبراير 1860).
يقول المؤرخ المغربي المعاصر للأحداث الشيخ أحمد بن خالد الناصري عن الحسن الأول بن محمد الرابع (1290-1311هـ/1873-94):" واستمر أيده الله على كرسي ملكه ، وأريكة عزه وسلطانه ، والأيام سلم له ، والدنيا مهنأة بعزه ونصره ، والرعية طوع نهيه وأمره إلا ما كان من نواب  أجناس الدول ، فإنهم أكثروا التردد إليه ، والاقتراحات عليه ، والتلونات  لديه ، فمرة بالنصائح  الفارغة ، ومرة بالنظمات الباطلة ، والحج الواهية ، وأخرى بطلب التخفيف من الأعشار ، والتنقيص من الصالحات إلى غير ذلك مما لا تكاد تقوم له الجبال الراسية ، وهو يدافعهم ويراوغهم ، وحيدا لا ناصر له ولا معين إلا الله الذي أيده به الدين ، وعصم به الإسلام والمسلمين (الاستقصا ج 9 ص 201)
وفي مكان اخر قال عن ابنه مولاي عبد العزيز حين مبايعته :" وهو الآن على كرسي ملكه بفاس المحروسة كما ينبغي وعلى ما ينبغي ، وقد تسرب إله جماعة من نواب الأجناس كعادتهم مع والده من قبله ، فقدموا عليه حضرة فاس مظهرين أنهم إنما قدموا للتهنئة ومرادهم خلاف ذلك (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ).  وما ظنك بمن يزعم أنه قدم لتهنئة وهو مقيم بالحضرة هذه مدة من أربعة أشهر ، يتجسس الأخبار ، ويتطلع العورات ، ويترصد الغفلات ، ويحصى الأنفاس ، لعله تظهر له خلة ، أو تمكنه فرصة ..." نفسه ص 207).
هذا هو الجو  الذي كان يسود العلاقات بين الدولة المغربية وبعض الدول الأجنبية ، وعلى الرغم من أن المغرب إمعانا منه في المحافظة على عزلة فرضها على نفسه ، وتفاديا لما كان يخشاه من التدخل الأجنبي وما قد يحمله هذا التدخل في طياته من مذاهب وسلوك  يتنافى مع العقيدة  والتقاليد الإسلامية كان حريصا على عدم الانغماس في مشكلات لا حصر لها ، إلا أن بعض هذه المشكلات كانت تعرف طريقها إليه بوسائل عديدة معظمها مفتعل من الخارج .

العاصمة الدبلوماسية:
كانت مدينة طبنجة في هذه الأثناء تقوم بدور العاصمة الدبلوماسية  ومقر سفراء الدول الأجنبية بالمملكة المغربية ، وكان لزاما على كل سفير جديد يريد أن يقدم أوراق اعتماده إلى جلالة السلطان ، أن يرحل إلى الداخل ، إلى قاعدة الملك ومقر الحكومة  المغربية ، وتحقيقا لهذا الهدف نجد المسيو أورديكا .................. الذي عينته حكومة الجمهورية الفرنسية سفيرا لها جديدا لدى بلاط الحسن الأول سلطان المغرب ، يشد رحاله ويستعد ليقوم برحلة طويلة يقطع فيها المسافة الفاصلة بيم بلده وبين مدينة مراكش مقر جلالة السلطان حينئذ ، وقد كانت المواصلات آنذاك ما زالت تعاني بعض البطء النسبي ، حيث أن المسافة التي تفصل بين مدينة جبل طارق  وبين طنجة وهي لا تزيد عن عشرة فراسخ أو ثلاثين ميل  قد تم قطعها في أربع ساعات كاملة .

الإقلاع من طنجة:
كانت البعثة الدبلوماسية الفرنسية تتألف من الوزير المفوض السفير فوق العادة السيد أوري ديكا، ومن سكرتير السفارة السيد .................... ومن الطبيب ................. ومن الرسام ....................ومن ثلاثة ضباط أحدهم .....................بدرجة كومندار ويمثل جنرال الجيش الفرنسي بالجزائر ، وثانيهم .............. بدرجة قبطان في المدفعية الفرنسية  ، وشخصيات فرنسية أخرى أنظمت إلى السفارة  من الجديدة وآسفي والصويرة ، ثم بعض التراجمة، يضاف إلى أولئك أربعة جنود  مغاربة وضعوا في حراسة البعثة منذ إقلاعها مدينة طنجة في اتجاهها نحو الجديدة .
كان على البعثة الدبلوماسية أن تغادر طنجة عن طريق البحر في الساعة الواحدة بعد ظهر يوم 23 مارس 1882 3 جمادى الأولى 1299، وكان في توديع السفير بالميناء حاكم طنجة السيد ابن عبد الصادق الذي كان في استقبال البعثة  ، أما السيد  محمد بركاش وزير الشؤون الخارجية بحكومة صاحب الجلالة فقد وصل في وقت لاحق ، بقصد توديع السفير الفرنسي أيضا .
وما كاد أعضاء السفارة الفرنسية يضعون أقدامهم  في الزوارق التي كانت في انتظارهم كي توصلهم إلى السفينة الحربية التي ستقلهم ، حتى أطلقت المدافع المغربية 17 طلقة للبعثة الدبلوماسية ، ولم تبخل بطاريات الباخرة الحربية في هذا الميدان ، إذ لم تلبث أن أرسلت بدورها طلقات مماثلة.
ولم تكن هذه السفينة غير اليخت ................................ المسمى باسم الأمير الذي كان قد سافر فيه إلى منطقة الشمالي ... كانت السفينة مسلحة بأربعة مدافع من صنع جيد ومزودة باسطوانتين كبيرتين ركبتا فوق هيكلين من هياكل حمل المدافع . وكان طول كل أسطوانة مترين فأشبهت بذلك أنبوب مرقب (تليسكوب ) ضخما ، ولم تكن الأسطوانتان سوى مطلقتي نوع من " الطوربيدان " يعرف باسم مخترعه ................

في الجديدة :
وفي العاشرة من صباح اليوم التالي ألقت السفينة مراسيها في ميناء الجديدة ، وبعد ساعتين تبين أن المسافة  التي كانت تفصلها عن الشاطئ ومقدارها فرسخ واحد (ثلاثة أميال )يمكن أن تختصر، وفعلا شرعت السفينة في الاقتراب من البر إلى أن صارت تبعد عنه مقدار ميل واحد / حينئذ ألقت السفينة مراسيها ، وتنفست البعثة الصعداء بعد المتاعب التي قاستها بسبب هياج البحر .
وبعد فترة من الزمن أخذت السفينة المقلة للبعثة تطلق 15 مدفعية ، معلنة بذلك نزول السفير إلى البر ، فلم تلبث مدفعية الساحل المغربي أن استجابت لهذا فأطلقت بدورها طلقات مماثلة تحية لوصول السفير ، كانت معالم الزينة  بادية للعيان ، فالأعلام المختلفة ترفرف فوق سطوح المنازل التي يسكنها ممثلو الدول الأجنبية ، والتي تتألف في  جملتها من طابق أو اثنين ، وكانت المدينة في هذه الأثناء تعد من السكان نحو سبعة آلاف نسمة فقط.
وبعد تبادل التحيات بين رجال السلطة المحلية سفارته ، وبعد القيام بمراسم  التقديم والتعارف ، اتجه الجميع عبر "بناية الديوانية" حيث أدت التحية العسكرية للسفير فرق عسكرية تمثل حامية المدينة وتشتمل على جنود من المدفعية والمشاة والبحرية ، ولم تكن هذه الفرق العسكرية تحمل شارة ميزة ، وكان سلاح بعضها السيف ، أما البعض الآخر فلك يكن مسلحا على الإطلاق.
وصل الموكب في النهاية إلى دار الممثل القنصلي الفرنسي بالجديدة ، وهناك استقر أفراد البعثة، وتبادل الباشا وأعوانه تحية الوداع مع السفير ، وبهذا انقضت على الرحلة البحرية أربع وعشرون ساعة ساور فيها نفوس الراحلين شيء غير قليل من الهلع بسبب أهوال البحر .
وبعد قليل ورد السفارة رئيس الحامية الكولونيل علال بن قاسم فأبلغ السفير قائلا :"باسم الباشا وبأمر من السلطان ، أتيتكم بهذه المواد الغذائية (المؤنة) ، فإذا ظهرت لكم أنها لا تفي بالمقصود، أو إذا احتجتم إلى أي شيء آخر ، فإن الباشا يسعده أن يسرع في تلبية رغبتكم ".
ولكن المواد الغذائية كانت في الواقع أكثر مما يفي بالغرض ، فهي تتألف من كبشين كبيرين ، ونحو مائة دجاجة وديك ، ونحو ألف بيضة ، وسلال كبيرة ملأى بالخضر وأنواع الكامخ ( السلاطات) والفواكه  ، والأبازير لطبخ جميع  أنواع الطبيخ ، وعلب كبيرة من الشاي ، وكمية من ألواح السكر .

قضية سرقة:
أراد السفير الفرنسي  على وشك تقديم  أوراق اعتماده أن يغتنم فرصة وجوده في مدينة الجديدة، ليحل ما اعتبره هو مشكلة ، وما أكثر المشكلات التي كان الأجانب يصطنعونها بغية إقلاق راحة الحكومة المغربية لعل المسألة لم تكن تستأهل  مثل هذا الاهتمام ، لأنها في الواقع تافهة أو كالتافهة ، ولكن الرغبة في إحراج الباشا حملت السفير على أن  يجعل من الحبة قبة ، ويعتبر المسألة ماسة بكرامة الجمهورية الفرنسية كلها .
وتتلخص القضية في أنه منذ مدة كان الوكيل القنصلي الفرنسي بالمدينة قدم شكاية للباشا مطالبا بتعويض لبعض المسروقات من مخزن للسلع التي كان يتاجر بها ، لهذا اهتبل السفير فرصة زيارة  مجاملة للباشا ليطالبه بحل المشكلة بطريقة طبيعية وسريعة ، ولكي يضفى السفير على المسألة مزيد أهمية ، استدعى جميع أفراد لهذه الزيارة وتحرك الموكب يقدمه حرس الشرف المكون من خمسة جنود مغاربة وخمسة أعوان حكوميين (مخزنيين).
كان المتهم في هذه السرقة (مخزنا) مكلفا بحراسة المخزن ، وسواء أثبتت عليه التهمة بالحق أو بالباطل فإن الباشا اضطر إلى الإلقاء به في غيا بات السجن ، ولكن السفير لم يكتف بهذا ، بل طالب بدفع التعويضات التي قدرت ب 750 فرنك ، في الحال ، أي قبل خروج السفارة من مدينة الجديدة ،وأعدا الباشا أنه في مقابل ذلك سيثني أمام السلطان على شخصية الباشا وعلى حسن إدارته ، أبدى الباشا استعداده لاستخلاص المبلغ ، بيد أنه طالب بمهلة ، ولكن السفير لم يكن يريد أيه مماطلة .
وفي الغد عندما كانت البعثة الدبلوماسية متجهة لإتمام رحلتها نحو مراكش ، وجدت عند مدخل المدينة الباشا ومساعديه في انتصار إجراء مراسم التوديع ، ووسط دهشة الجميع رفض السفير أن يمد يده لمصافحة يد الباشا ، ووجه إليه كلمات  جارحة:"أمس قدمت لك طلبا واحدا أبيت أن تستجيب  له رغم أنه مطلب عادل تماما ، إذن كل ما بيننا انتهى ، تيقن أني لا أ‘رفك ، سأقدم مطلبي للسلطان مباشرة ، أنها أول قضية أهتم بها عندما أصل إلى مراكش ، وأعرف جيدا أن السلطان سيسارع إلى تحقيق العدالة ، لأن سيدك لا يجهل أن فرنسا لا تدافع عن قضية إلا إذا كان الحق والعدل في جانبها ".
واندهش الباش العجوز لهذا التهديد والتبجح ، وقال كلاما شبيها بما ردده من قبل ، غير أن السفير أضاف قائلا :"أن الوعود والأعذار لا تفيد في شيء ، فأما أن تدفع المبلغ الذي أنت مدين به الآن ، وألا أنهيت الموضوع مع السلطان ، وطلبت منه أن يستبدل بك غيرك في الحين ."
وأمام هذا الموقف المتعنت الخطير لم يسع الباشا المسكين إلا أن يستجيب لمطلب السفير ، فبعث من يبحث عن كمية النقود المطلوبة وحضرت النقود ،وتصافح السفير والباشا ، وأعتبر الاثنان المسألة منتهية ، وكأن لم يقع شيء بينهما على الإطلاق .. واتجهت البعثة الدبلوماسية إلى مراكش برا تحرسها فرقة من الجنود الخيالة المغاربة .
وجدير بالذكر أنه قبل أن تغادر البعثة الفرنسية مدينة الجديدة ، حضر لتهنئة السفير الفرنسي ممثلو الدول بالمدينة كل على حدة ، وفي أعقابهم حضر ممثلو الجالية اليهودية دون تمييز لجنسياتهم ، وقال الناطق باسمهم :"أن لهم شرف تقديم تهانيهم واحترامهم لوزير فرسنا ، عربونا على اعترافهم بالجميل نحو الأمة الكريمة التي حسبما قال كانت تعطف على اليهود دائما ، والتي كانت في كل المناسبات تطالب وتدافع عن حرية الضمير ".
ولا نستطيع في هذه العجالة أن نتتبع رحلة البعثة الدبلوماسية الفرنسية في طريقها البري عبر مدن المغرب وقراه ، حيث كانت تجد ما يتاح لمثلها في مثل هذه المناسبات  من مراسم الاحتفاء والتكريم ، وإنما نكتفي بالاختصار ، فنلتقي بالبعثة في فاتح أبريل 1882(2 جمادى الأولى 1299) وقد حطت رحالها في مكان يبعد عن مراكش نحو ستة كيلومترات ويعرف بالقنطرة ، وهناك على حافة غابة من أشجار النخيل ضربت خيامها ، وهناك جاء لاستقبالها والترحيب بها كوكبة من الفرسان المغاربة كما هب لاستقبال البعثة والسلام عليها الوفد العسكري الفرنسي الدائم بمراكش .
وظلت رسل البلاط (............) تتوارد على المخيم طيلة تلك العشية ، بقصد تنظيم مراسم الدخول إلى العاصمة ، وتنسيق حفلة الاستقبال الرسمي . لقد وردت رسالة من الصدر الأعظم إلى السفير تعلمه أن الدخول الرسمي للسفير سيكون في الغد صباحا ، وحددت الساعة الثامنة لبدء المسير نحو مراكش ، هذه المدينة التي كان سكانها منذ قرن خلا يترواحون بين 500.000وبين600.000 نسمة ، غير أن عددهم قد انخفض إلى الخمس تقريبا عندما تمكن العلو يون من نشر سلطانهم على سائر أنحاء المغرب ، ونقلوا عاصمتهم إلى فاس أو مكناس .

مطلب عجيب :
وخصص قصر المامونية بمراكش لإقامة البعثة الدبلوماسية الفرنسية ، وفي اليوم التالي لإقامتها وردت على القصر أرملة فرنسية مغرمة بالأسفار صادفت وجودها بمراكش ورود السفير الفرنسي فأرادت أن تهتبل هذه الفرصة ، وطلبت مقابلته ... ونظرا لجنسها وجنسيتها تمكنت بسهولة من نيل مطلبها ، فقابلت السفير وأعربت له عن رغبتها في توسط السفير لدى جلالة السلطان حتى تتم الصفقة  بينها وبينه لشراء قصر بطنجة هو في ملكه ، غير أن هذه السيدة قدمت ثمنا للقصر أقل مما كلف.
وفهم السفير أن غرض السيدة لم يكن سوى إتاحة فرصة لها كي تقابل جلالة الحسن الأول ، وأفهمها أن من غير اللائق في زيارتها الأولى للسلطان أن يمزج حديثه الدبلوماسي مع جلالته ، بحديث  يتعلق بأمر تجاري  ثم طلب من سكرتيره أن يرد لسيدة زيارة مجاملة .

زيارة الصدر الأعظم:
وفي نفس اليوم الذي وصل فيه السفير إلى مراكش ، قدم قصر المامونية الصدر الأعظم السيد محمد العربي الجامعي في زيارة رسمية للسفير ، وغير خاف أن الصدر الأعظم يعتبر الشخصية الثانية في الدولة ، وكان لأفراد السفارة شرف التقديم لدى الصدر الأعظم الذي سرعان ما بدأت المحادثة بينه وبين السفير بحضور أعضاء السفارة .
أعلن السفير أنه قدم لهذه البلاد صديقا للسلطان ولشعبه ، وممثلا لفرنسا الأمة القوية المحترمة ، ولو أن أعداءها حاولوا أن يشيعوا غير ذلك ، ثم أبدى السفير رغبته في "أ، يكون المغرب حليفنا غنيا بدوره قويا، لهذا يصير من اللازم لدى كل طارئ الاعتماد علينا نحن أصدقاؤكم النزهاء المخلصون ." 
ورد الصدر الأعظم على كلمات السفير مؤكدا أن هذه هي نفس العواطف التي تساور جلالة السلطان.أظهر السفير المسيو أوريكا رضاه  بأن يكون الأمر على هذا المنوال ، منبها مخاطبه إلى أنه قد قدم لمعالجة قضايا تهم البلدين الجمهورية الفرنسية والمملكة المغربية ، وأن عليه أن يقدم بعض المطالب ، وأنه يتوقع أن يسود المحادثات روح التوافق في وجهات النظر كشاهد على الصداقة المخلصة ، وكل ذلك يتطلب حسن النية إزاء ما يبدي من الرغبات حتى ليكون نصيبها الرفد . فأجاب  كبير الوزراء: كل مطلب سيلبي في الحين .
ثم طلب من سائر أفراد البعثة مغادرة المكان ، لأن الصدر الأعظم راغب في أن تتم المقابلة في جلسة مغلقة خاصة بين رجلي الدولتين ... وفي هذه المقابلة عولج موضوع  تحديد الموعد لاستقبال السفير من طرف جلالة السلطان ، وبطبيعة الحال أبدى  السفير أنه تحت تصرف العاهل المغربي ، وأنه مستعد للمثول بين يديه في اليوم والساعة اللذين يرغب فيهما جلالته .
وفي نفس العشي كان جواب السلطان أنه يقبل اليوم والساعة اللذين يروقان السفير ، وأخيرا استقر الرأي على تعيين يوم ثالث أبريل الساعة التاسعة صباحا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here