islamaumaroc

جلالة الحسن الثاني والمرأة المغربية: رسالة مفتوحة إلى الاتحاد النسائي

  دعوة الحق

143 العدد

نالت المرأة المغربية في عهد جلالة الحسن الثاني نصره الله ، حق التصويت في الانتخابات حسب نص الدستور ، فكان حقا سياسيا لا زالت كثير من النساء في عدد من الدول لم تنله.
ثم تأسس بأمر جلالته الاتحاد النسائي المغربي ليقوم هذا الاتحاد بمهماته في المجتمع بما يتناسب وكرامة المراة وتمشيا مع هذه المرامي السامية أبدى جلالته رغبته المولوية في أن تشترك المرآة في المجلس الأعلى للإنعاش الوطني ، فجاء في  خطابه الكريم الذي وجهه لهذا المجلس بتاريخ 7 أبريل سنة 1970.
الفقرات التالية : وقد دعونا عددا من أعضاء الاتحاد النسائي رغبة منا في أن تسهم المرآة التي يعنيها أمر المخطط كما يعني الرجل وتطلع مثلما يتطلع شقيقها إلى أن تتمتع البلاد بالرخاء المطلوب ، وتنعم بالنماء المنشود.
وتمشيا مع هذه التعاليم السامية كتبت هذا البحث الوجيز عن حق المرآة مع الرجل في الهبة والعطايا والوصايا الصادرة من الآباء أو الأجداد للأبناء والبنات أو الأحفاد الجهتين حتى تتحقق المساواة في الحقوق التي أرادها الشاعر الحكيم للبنين والبنات على السواء ويستمر تماسك الأسرة في العطف والبرور بين الآباء والأبناء في إطار كريم طبق الأوامر الشرعية فنقول:إن الإسلام رفع من شأن المراة وأعطاها من الحقوق ما لم تكن تحلم بها في كثير من عصور التاريخ وفي تشريع الأديان بصفة خاصة ، إلا أن بعض صفحات التشريع الإسلامي المشرقة غمرتها بعض نظريات الفقهاء بتأثير رواسب الحياة الاجتماعية في بعض البيئات فجرى العمل حسب التقليد العادي  على خلاف ما أعطاها الشارع الحكيم من الحقوق ، وخولها من المساواة، والباعث على هذا الاتجاه هو أن التشريع الإسلامي كان أعلى من مستوى الحياة الاجتماعية في ذلك.
ومثال ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في حق  رضى المرآة ثيبا أو بكرا بالزوج الذي يريد عقد الزواج معها ، قال عليه السلام : الثيب أحق بنفسها ، والبكر تستأمر  و أذنها صماتها (أي سكوتها) يعني أن البكر البنت العذراء لا بد أن تستأ مر ويطلب أمرها في نفسها عندما يريد وليها أن يزوجها ، ونظرا إلى أن البكر يعتر بها الحياء الذي تصرح بقبول من يريد عقد الزواج عليها يكتفي منها بالسكوت ، ولذلك يقولون : السكوت يدل على الرضى ، وتعبير الرسول عليه السلام بالثيب والبكر المراد بها الجنس فيكون هذا التشريع عاما لا يخص واحدة بعينها ، إلا أن الفقهاء أتوا بقياسات ونظريات لم تكن في الواقع في المستوى الذي حدده الرسول ، كما سيتضح وبذلك حمت البنات الأبكار  من حقهن الرضى بالزوج قرونا كثيرة ، حيث صرنا نقرأ وصية الأب على بناته وصيا ينظر في مصالحهن المعقود في المحاكم الشرعية قول الموصي: وجعل له (أي للوصي) أنكاح الأنثى قبل البلوغ وبعده جبرا دون إذن ولا استئمار، فجاءت هذه الفقرات بعدم إذن الأنثى ولا استئمارها ضد قول الرسول عليه السلام من غير شك.
لكن في عهد اليقظة الحالية أول استقلال المغرب رجع مؤلفو مدونة الأحوال الشخصية بنور بصيرتهم وإتباعهم لعلماء الحديث حتى تعرب البكر بنفسها عن رضاها بالزواج الذي يريد العقد عليها بعد التعرف على حالتها المجنية حتى لا يقع تدليس ولا تغرير أو تزوير.
أما نظرية الفقهاء في حرمان  البكر من حق رضاها بالزوج الذي يريد الاقتران بها، فيقول الحفيد ابن رشد في كتابه" بداية المجتهد ":واعتمدوا"أي الفقهاء" على أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح ،وكذلك ابنته الصغيرة ، ولا يستأمرها لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها بنت سبع وبني بها بنت تسع بالنكاح  أبي بكر أبيها رضي الله عنه إلا وما روى عن ابن شبرمة".
وهذه القضية في نظري لا تنقص الكلية العاملة التي أسسها الرسول عليه السلام وهي أن للبكر الحق في الرضى بالزوج أو عدم رضاها بعد استئمارها أي طلب أمرها وذلك لأمرين اثنين.
وأولهما أنه لا يوجد مسلم واحد في جميع الأمة يرى أي أحد أفضل للبنت من رسول الله الذي أرسله الله رحمة للعالمين ومن حسن عشرته للزوجة ومكارم أخلاقها معها.
فبدأ الرسول نفسه مخاطبا أصحابه حاضا على حسن العشرة "خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".
الأمر الثاني أن الرسول تزوج السيدة عائشة بعد رؤيا صادقة من رؤياه عليه السلام ، ورؤيا الأنبياء حق  ووحي من الله ، ففي صحيح البخاري باب ثياب الحرير في المنام ، وساق قول الرسول لعائشة ، أرأيتك قبل أن أتزوجك مرتين ، رأيت الملك يحملك في سرقة من حرير ، فقلت أكشف ، فكشف فإذا هي أنت ، فقلت أن يكن هذا من عند الله يمضه الحديث.
ولم أر من نبه على هذا ، وبناء على ما صح في هذه القضية لا أراها تصلح للقياس عليها مع صريح نص الحديث الذي يعطي الحق للبكر ، فلله در مؤلفي مدونة الأحوال الشخصية حيث رجعوا إلى نص الحديث بعد ترك العمل به قرونا عديدة.
نعم هناك ملاحظة  على مدونة الأحوال الشخصية تتعلق بعدم تنصيصها على رضى الفتى بزوجته ، فبقى حقه في الرضى بزوجته إذا زوجه أبره دون أمره مهملا ، وإن كانت المدونة حددت أهليته بثمان عشرة سنة،مع أن الفقهاء شهروا لزوم النكاح له الذي عقده عليه والده مثل الأنثى كما تقدم عن ابن رشد ومعنى هذا أن مؤلفي المدونة اخرجوا الأنثى من الحجر والإجبار دون الذكر، مع أنه أول بهذا الاعتبار أو نقول أنه مساو للأنثى في هذا العصر الذي هو عصر المساواة كما يقولون.
أما القضية التي لم يتناولها التشريع في المدونة وهي من الأهمية بمكان في مساواة الإناث للذكور في الهبات والعطايا بصفة خاصة، فقضية التفضيل بين الأولاد أو بين الذكور والإناث كما هي العادة عندنا في المغرب، نهى الرسول عليه السلام عنها نهيا قاطعا بقوله الصريح (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم )، لأن العدل بين الأولاد ذكور وإناث يستمر تماسك الأسرة ويبقى التعاطف بين الأولاد في المستوى العالي الذي أراده الرسول ، ويستمر البرور بالوالدين الذين  يعدلان على أتم الأحوال وأفضلها ، وقد روى هذا الحديث بصيغ كثيرة مرماها واحد ، وقد ساق شارح الموطأ العلامة محمد الزرقاني المالكي  الصيغ الكثيرة الواردة في هذا الحديث وهي تدع أو تترك مجالا للشك في أن الرسول أراد المساواة بين الأولاد في العطايا والهبات حيث قال في رواية للبخاري قال، أي الرسول لا تشهدني على جور، وفي أخرى لا أشهد على جور ، ولمسلم فقال : فلا تشهدني إذن فإني لا أشهد على جور ، وله أيضا :أشهد على هذا غيري ، وفي حديث جابر :فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق ، وللنسائي : وكره أ، يشهد له، ولمسلم أعدلوا بين أولادكم ، في النحل (أي العطايا) كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر ، فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟قال نعم ، قال فلا إذن .
ولأبي دواد أن لهم  عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك ، وللنسائي ألا سويت بينهم ؟. وله ولابن حيان "سو بينهم".
ثم قال الزر قاني ناقل هذه الصيغ للحديث:واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد وتمسك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد كطاووس وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق والبخاري وبعض المالكية والمشهور عن هؤلاء أنها باطلة وعن أحمد تصح ، وعنه يجوز التفاضل لسبب كان يحتاج الولد لزمانته أو دينه  أو نحو ذلك دون الباقين ، وقال أبو يوسف تجب التسوية أن قصد بالتفضيل الإضرار واحتجوا أيضا بأنها  مقدمة لواجب لا، قطع الرحم والعقوق محرمان ، فالمؤدى إليهما  حرام ، والتفضيل يؤدي إليهما .
ثم ذكر الزرقاني اختلاف العلماء في المقصود بالتسوية هل يكون للذكر حظان وللأنثى حظ كالميراث، لأن هذا الفريق من العلماء يقول ظاهر الأمر بالتسوية تفسير لهذا واستأنسوا له بحديث ابن عباس رفعه (أي إلى الرسول).
سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء ، أخرجه "أي الحديث" سعد ابن منصور والبيهقي من طريقه وإسناده  حسن ، ثم قال الزرقاني : وقال الجمهور التسوية مستحبة فإن فضل بعضا صح وكره ، وندبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع حملا للآمر على الندب والنهي على التنزيه ، وأجابوا عن حديث الموطأ محمد الزر قاني عشرة ، وقد بحث فيها ، كلها لما فيها من ظاهرة التكلف.
وقال الحفيد ابن رشد في كتابه "بداية المجتهد" وحجة الجمهور(يعني في جواز التفضيل والعطايا بين الأولاد) أن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ما له للأجانب دون أولاده ، فإذا كان ذلك للأجنبي فهو الوالد أحرى ، واحتجوا بحديث أبي بكر المشهور أنه كان نحل (أي  أعطى ) عائشة جـــ عشرين وسقا (أي حملا )من مال الغابة ، فلما حضرته الوفاة الحديث ، ولا أدري كيف حصل هذا الإجماع مع أن سعد بن أبي وقاص  لما أراد الوصية بجميع ماله منعه الرسول ، والله تعالى يخاطب الرسول بقوله :"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا "، وكذلك نهى الرسول كعب بن مالك عن جعل ماله صدقة لله ولرسوله لما تاب الله على الثلاثة الذين خلفوا ، فقال الرسول له كما في زاد المعاد : أمسك عليك بعض مالك.
والإمام مالك يقول عنه الحافظ بن عبد البر في تأويل رد الرسول لعطية البشير لابنه النعمان أن الموهوب  للنعمان كان جميع مال والده ولذا منعه ، فلا حجة فيه على منع التفضيل التي فيها أن الموهوب كان بعض مال البشير لا كله.
ثم أن أخذ جواز تفضيل بعض على بعض  في العطية من الإجماع الذي ذكره ابن رشد رده الزر قاني شارح الموطأ بقوله : ولا يخفى ضعفه فإنه قياس مع  وجود النص ، أما قضية إعطاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأم المؤمنين السيدة عائشة عشرين وسقا من مال الغابة بعد موت الرسول فلا ينبغي أن تبطل القضية الكلية التي أسسها الرسول لأمرين اثنين :
أولهما أنها عمل صحابي وهو غير حجة حسبما ذكره علماء الأصول لأن الصحابة اختلفوا في أموره كثيرة فلو كان عمل الصحابي حجة لحصل كثير من التناقض في القضايا المختلف فيها.
أما الأمر الثاني فهو أن لأم المؤمنين عائشة بعد موت الرسول وضعية خاصة لأن الرسول توفي عنها وسنها كان ثمان عشرة سنة ، وهي ممنوعة من الزواج بعد الرسول بنص القرآن.
ومن جهة فإن أبا بكر نفسه وعمر معه ، قد نقضا قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده عقب ازدياد مولود بعد وفاته حتى يأخذ حظه في الميراث ، كما في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية حيث استدل به على  بطلان تفضيل بعض البنات من الأولاد على البعض الآخر ، وقد نقل العلامة المونشريي في المعيار بحثا مستفيضا عن الأمام العبدوسي المالكي يؤيد ظاهر الحديث الشريف :اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم فلينظر من أراده .
ومقصودنا بهذا التوجيه هو أولا بيان أن التشريع الإسلامي راعى حقوق المرأة رعاية ، ولفت نظرها حتى تطالب بكل حقوقها ، وخصوصا في عهد تكوين الاتحاد النسائي الذي أصبح هيئة لها وزنها في الحياة  الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، كما أرادها جلالة الملك نصره اله ، وثانيا لفت نظر الأب والأم والجد والجدة إلى  حديث الرسول حول التسوية بين الأولاد حتى يعملوا به ولا يفضلوا بعض أولادهم ذكورا أو إناثا على بعض ،لأن ذلك يؤدي  إلى عدم رضاهم فيكرهون آبائهم ويكون العقوق المحرم.
وأخيرا نرى من الواجب الاجتماعي على الاتحاد النسائي  أن يساهم في الدعوة للسلوك الأخلاقي بنشر الثقافة الدينية في الوسط النسوي ، وأن تقوم الأستاذات بمحاضرات خاصة بالنساء ,أن يحض الاتحاد على الامتثال للأمر المولوي في لباس الحشمة وترك "المنيجيب" وكذلك ترك التبرج في المسابح والشوارع وأن تساهم هيأة الاتحاد النسائي في  الحضور في المساجد جماعات للصلاة وسماع المواعظ والإرشاد الإسلامي الذي يحفظ كيان المجتمع الإسلامي من الانهيار .
كما ينبغي لهذا الاتحاد النسوي أن يشجع المصنوعات الوطنية والصناعات التقليدية حتى يرتفع  مستوى الحياة الاجتماعية عند أهل هذه الصناعات والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
                                                                           

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here