islamaumaroc

السفير عبد الله بن عائشة-1-

  دعوة الحق

143 العدد

تتسم دبلوماسية كل دولة بخصائص بارزة، تنبع عن أهدافها وغاياتها، وكلما كانت في مستوى الأحداث، إلا واستطاعت أن تطبع أعمالها بالإيجابية وتحرك التاريخ، وتحقق العمران في جو من الأمن والسلام.. ومهما تختلف المدارس الدبلوماسية في الوسائل المصطنعة فإن الهدف يظل دائما الغاية التي تستخدم كل الوسائل لتحقيقه وإبرازه... وقد يكون تعاقب الدول من الأسباب التي تغير الأهداف والغايات، كما هو الشأن في كثير من الأمم التي تبدلت عقائدها، وإيديولوجياتها فتغيرت لذلك أهدافها الدبلوماسية وغاياتها السياسية، كما فد تستطيع الدولة أن تظل وفية لأهدافها الدبلوماسية مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الدول.. وهذا ما يفسر ظهور معالم الدبلوماسية المغربية عبر تاريخها المديد.. فمنذ أن أصبحت البلاد ذات إطار حكومي يعمل بانتظام لخدمة الأمن. وهي تقفو سياسة خاصة قد تتغير وسائلها ولكنها لا تتغير أهدافها.. حتى إذا المغرب إلى العصر الإسماعيلي كانت الأهداف الدبلوماسية تبلورت في التفتح على عالم الغرب، لتبادله الاقتصاد، وتعرفه بمكانة المغرب عسكريا وثقافيا...
ولعل انهيار دولة السعديين أعطى فرصة لظهور مقاطعات أشبه ما تكون بملوك الطوائف التي عرفتها الأندلس في محنتها الأليمة ، مما جعل هذه المقاطعات "سعيا للتمكين لنفسها" تتسابق إلى دول أوربا لتقيم معها علاقات ودية لا تلبث أن تصبح علاقة الإمداد بالزاد الحربي مما يساعد كل مقاطعة أن تتقوى عسكريا وتسابق جارتها إلى توسيع نفوذها واستناب حكمها ، وهكذا عرف الدلائيون وأعقاب السعديين وغيرهم من الحكام الانفصاليين علاقات دبلوماسية مع مختلف العواصم الأوروبية حتى إذا جاء العصر الإسماعيلي وتوحدت البلاد ووعت هذه الوحدة كان من السهل أن يتفتح المغرب من جديد على أوربا، فيبعث إليها بالسفراء ويستقبل بدوره سفراء مختلف الدول الأوربية.
وإذا كان من الصعب أن نتتبع جهود الدبلوماسية المغربية في هذه الحقبة فإن من الممكن أن نتخذ من السفير اللامع عبد الله بن عائشة شخصية سياسية تنعكس عليها أعمال الدبلوماسية لأنها تستقطب نشاطا متواصلا في هذا الميدان، فقد كتب لهذا الرجل أن يعيش أزمة عصره بكل أبعادها وقضاياها، إذ هو من مدينة الرباط التي كانت آنذاك تعيش حياة انبعاثها على يد الأندلسيين الذين وفدوا إليها من غرناطة وضواحيها بعد أن أبعدت محاكم التفتيش المتعصبة كل العناصر المسلمة التي أبت الاندماج التام في المجتمع المسيحي فتوافدوا زرافات ووحدانا إلى عدة بلاد إسلامية وكان معظم هؤلاء المهاجرين من الذين جاءوا إلى الرباط كما مانوا في الغالب من (الهرناشوس) ، أو من (الموريسكو)..

وكان من الطبيعي أن يجعل هؤلاء من هذه المدينة عاصمة جديدة، يشيدون فيها الأساطيل، وينظمون أعمالهم الجهادية لينطلقوا إلى الشواطئ الأندلسية مستمرين في الجهاد ، فيصادفون أعداءهم في حرب بحرية لا تهدأ أوارها  ولا ينطفئ سعيرها... ولا شك أن هذه الحروب وما ينشأ عنها من أسار وفداء، تستبطن تعارفا وتفاهما وتعرفا على أوربا ومشاكلها وقضاياها الداخلية والخارجية...
وفي هذه المدرسة نشأ عبد الله بن عائشة الذي عرف تقلبات البلاد الأوربية، كما عرف نشاط البحرية المعادية لبلاده، ولطالما حارب مناضلا كقائد بحري ممتاز ، وعانى من الإسار ما بعاني الأبطال ولا يدع أن يتألق في سما العالم الإسلامي أمرا الأساطيل البحرية كخير الدين بربروس والرئيس بلانيكو ، وأحمد بوعني ومراد الرايس الذين قادوا الحملات البحرية فوفقوا في جهادهم، وردوا الاعتداءات المتوالية على الشاطئ المغربي على أن عبد الله بن عائشة احتفظ التاريخ بذكره كسفير لامع بجانب السفير علي الريفي ومحمد تميم وغيرهما..
و لسنا نعرف تاريخ ولادة عبد الله بن عائشة، مما يدل على نشأته في أسرة متواضعة على أننا نعرف وفاته سنة 1124 الموافقة لسنة 1712 ميلادية.. ونعرف آثاره العمرانية في الرباط مما يدل على أنه من هذه المدينة.. وإذا كان يوقع أحيانا بالنسبة إلى (سلا) فذلك لأن الرباط أصبح يحمل اسم (سلا الحديثة) عندما ورد عليه الأندلسيون تعريفا لموقعه بالنسبة لاصطلاح الغرب بإطلاق مدينة سلا على الضفتين...
وغامر عبد الله بن عائشة في مجاهل البحر المحيط ثم لم يلبث أن قاد الأسطول المغربي عبر الشواطئ الأوربية حتى إلى الدانمارك وجزرها.. وقد تعلم بن عائشة اللغة الفرنسية والإسبانية واشتهر بذكائه وحزمه، مما جعله أهلا ليكون سفيرا إلى بلاط لويس الرابع عشر ليحقق مرامي السياسة الإسماعيلية التي تعرف أوربا بعظمة المغرب وقوته وازدهاره، كما تطلعه على ما في الإسلام من محاسن ودعوة للعلم وحث على السمو بالإنسانية، إذ أن المتعصبين من الرهبان والأسرى كانوا يحملون لأوربا صورة مشوهة عن المغرب وحضارته ودينه وعقيدته، فكانت السياسة الإسماعيلية تهدف إلى التعريف بالإسلام وحضارة المغرب.. ولهذا نجد عدة رسائل إسماعيلية موجهة إلى إنجلترا وفرنسا وغيرهما تهدف إلى هذا الغرض النبيل، وكان بن عائشة المعتز ببلاده ودينه أعظم سفير مضطلع بهذه المسؤولية، فلهذا نراه في (باريس) وقد احتفظ بلباسه المغربي الأنيق يستجلب الأنظار في قصر (فرساي) ويعرف ببلاده، ويعتز بدينه ثم يمزج الجد بالهزل في نكت تتناقلها الألسن، فتعبر عن لباقته وخفة دمه كما يقال اليوم.. ولقد أبدى جهودا موفقة في التعريف في المغرب، وتعريف المغرب بما في فرنسا من ازدهار وعظمة، وثقافة وعلم، وإذا كان قصر (فرساي) ما يزال إلى اليوم يحتفظ بروعته وعظمته، فإن القصور الإسماعيلية في مكناس تشهد ساحاتها الواسعة ، وباحاتها الممتدة، وأبوابها العالية ، ورياضها الغناء، وحجراتها المزخرفة بما يدل على تقارب العناصر الهندسية لفن البناء.. فهل يكون هذا مجرد صدفة، أو لعل الدبلوماسيين ساهموا في نقل هذا التطور المعماري؟ قد يحتاج الجواب السامي الصحيح إلى كثير من البحث و الاتاة..!
ويظهر أن عبد الله بن عائشة لم يكن مجرد سفير يؤدي وظيفته في نطاق ضيق بقدر ما نراه متفتحا متطلعا، يشاهد المسرح الفرنسي ويتتبع الثقافة المعاصرة، حتى إذا عاد إلى بلاده كان محاضرا لبقا عن رحلاته ومشاهداته. ولم يلبث الدبلوماسي الرباطي أن استقر في الرباط حيث ما تزال المدينة تحتفظ له ( بصقالة) برخ بن عائشة على شاطئ المحيط من جهة أبي رقراق حيث يوجد (بالبرج) نفق يتصل بدار سكناه في زنقة سيدي مأمون قرب الزاوية المختارية بجانب سقاية (ابن المكي) الحالية، كما أن في الرباط سقاية ابن عائشة المعروفة إلى اليوم نسبة إليه، وفندق ابن عائشة الموجود حاليا بالقيصارية..
ويحمل مسجد بزنقة (بوقرون) بالرباط اسم أخته نخلة..

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here