islamaumaroc

علم الأنساب في العصر العلوي: فتح العليم الخبير في تهذيب النسب العلمي بأمر من الأمير (للعلامة النسابة سيدي محمد بن الصادق ريسون)

  دعوة الحق

143 العدد

من الذائع المستفاض لدى كل مطلع  على التاريخ أن علم الأنساب من العلوم الجليلة التي اعتنى بها العرب منذ قديم العصور، ذلك أن موضوع النسب احتل عندهم مكانة مرموقة جدا لكونه بالنسبة لهم ضرورة حياتية، وظاهرة اجتماعية لا استغناء عنها بحال، وكيف يستغنون عنها وهي حصنهم المكين الذي يذود الدخيل عن (؟)، لذا تعاطوا هذا الفن برغبة ، وشجعوا على البحث فيه، وقد أدى بهم شغفهم ذاك إلى الاهتمات بأنساب الخيل ومن يعتمد إلى كتاب "أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها" لابن الكلبي يقف على الحقيقة الناصعة. وبعد الإسلام صرف الناس جهودهم في الاحتفال بعلم النسب- لا من أجل التفاخر والتعرة القبلية فذاك مظهر جاهلي حفه الإسلام فيما محق من المظاهر الجاهلية الرعناء- حتى يكون كل واحد على إلمام بأصله، وحتى يستقر التعارف بين الناس، فلا يعزى الفرد إلى غير أجداده، وإل هذا يشير قرآننا الكريم في قوله :( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). وعلى ضوء هذه العبارة القرآنية الكريمة نستشف أن علم النسب تتوقف عليه أحكام الورثة وأحكام الأولياء في النكاح وأحكام الوقف (1) ، وغير ذلك مما لا يتحقق إلا بمعرفة هذا العلم ، وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تعلموا أمر أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة ارحم محبة في الأهل، مثراة في المال منساة في الأجل (2)).
وقد أمر السول صلى الله عليه وسلم شاعره حسان بن ثابت أن يأخذ ما يحتاج إليه من علم نسب قريش عن أبي بكر رضي الله عنه وأبو بكر معروف بتضلعه في هذا المضمار. وقد اشتهر في هذا الضرب من العلم كثير من العرب والعلماء، من بينهم دعفل بن حنظلة الذي ضرب به المثل في معرفة النسب، وزيد بن الكيس النمري وفيهما يقول الشاعر:
      فحكم دعفلا وأرحل إليه
                   ولا تدع المعطي من الكلال
أو بن الكيس النمري زيدا
                 ولو أمسى بمنحرق الشمال
وأبو عبيدة والبهيقي وابن عبد البر (3).
وإذا كان علم النسب يحتل هذه المنزلة  السامية في نفوس العرب ، والعلماء فإنه أمسى من الضروري البحث في النسب النبوي بمجيدا لسيد الأنبياء وتقديسا لشخصه الكريم، ومحافظة على السلالة البهية، ويظن البعض ممن في قلبه مرض أن أمثال هذه البحوث مضيعة للوقت، وقتل له وخصوصا بعد أن فصلت بيننا وبين نبينا عليه السلام قرون وقرون اختلطت فيها الأنساب أيما اختلاط، وتسلل إليها الدخلاء فلم نعد نميز بين هذا وذاك من الفروع، ولكن بنظرة (؟) في الأمر نتيقن من أن هذا المزاعم قامت على أساس من الرمل لا يلبث أن بنهار ، لأن النسب الطاهر- على الرغم ما شاب بعضه من غموض وتلف- أولاه النسابون عنايتهم الفائقة فبينوا مزيفه من صحيحه بطرقهم المعلومة التي لا تقبل أدنى شك، وإن ارتبنا في هذا فإنه يصح لنا حينذاك أن نرتاب في كل أمر تاريخي متواتر معزز بالمصادر والوثائق التاريخية، بل يصح لنا أن نرتاب حتى في وجودنا نحن، وبذلك سنكون قد جنينا على التاريخ جناية عظمى لا مبرر لها البثة إلا حقد دفين، وحسد بغيض. إذا تلك المزاعم لا تستند على واقع عقلي أو دليل معقول مادام النسابون قد بذلوا جهدا مضنيا في الحفاظ على النسب النبوي الشريف حتى وصلنا دقيقا في بابه مع الاعتراف بأن بعضا منه قد ظل مجهولا أو مشكوكا في صحته لظروف وقفت سدا منيعا في وجه المتخصصين  من النسابين. ولا مشاحة في أن عصر الدولة العلوية قد تميز بنهضة علمية، ومن جملتها نهضة علوم الأنساب، وخير شاهد على ذلك اهتمام المولى اسماعيل بضبط الأنساب الشريفة عندما تولى الملك فوجد أمر الإشراف فوضى حتى أن أغلب الرعية ادعت النسبة إلى البيت النبوي، من أجل ذلك قام على ساق الجد وأمر أعيان الأشراف وعلماء جيل (العلم ) بالبحث في ذلك على ضوء ما بيد الناس من الوثائق والرسوم وبكيفية شرعية، كما أور بعد التحري بتسجيل من تحقق نسبه وتسجيل من زوره. وغلى هديه سار المولى محمد بن عبد الله رحمه الله وبطلب منه ألف صاحب المخطوطة كتابه الذي نحن بسبيل الكلام عنه. وخير شاهد كذلك على ما نقول المؤلفات التي ألفت في هذا العصر أذكر منها على سبيل المثال فقط ( الإشراف على بعض من بفاس من مشاهير الإشراف) للطالب بن الحاج و (الحادي المطرب في رفع نسب شرفاء المغرب) للزياني و (الدر النفيس في بني محمد ابن نفيس) للوليد العراقي و (شذور الذهب في خير نسب) للتهامي بن رحمون، وهكذا.

صاحب المخطوطة:
في أحضان قرية (تازروت) العلمية ملد العلامة المحدث المسند سيدي محمد بن العلامة المحدث سيدي الصادق بن ريسون سنة (1155 أو سنة 1156 هـ) في الغالب (4) وبها حفظ القرآن الكريم، وأخذ مبادئ العلوم ثو انتقل إلى فاس ودرس بها على كبار علمائها إلى أن تثقف ثقافة واسعة في كل فن من فنون العلم فأصبح إماما في الفقه وعلم الكلام فأهله ذلك كله للتدريس والفتوى والاتصال بالأمراء العلويين، فقربه إليه السلطان العالم سيدي محمد بن عبد الله، ثم استوزره الملك العالن مولاي سليمان واعتمد عليه في كثير من الأعمال، ويوضح لنا هذا ظهير سليماني اقتطف منه ما يلي: ( يستقر بيد ماسكه ابن عمنا الفقيه الاجل العلم الأكمل الشريف الأفضل ابى عبد الله السيد  محمد بن الصادق بن ريسون الحسني العلمي، يعلم منه بحول الله وقوته وشامل يمنه وبركته أننا وجهناه لحضرتي فاس ومكناسة المحروستين نائبا عنا في جميع الأمور ومفوضا له في تأمين من خوفه منا في الصدور، فكل من أمنه فقد أمنه، وكل من أجره فقد أجرناه، ولقد أدناه في أعطاء المواثيق والعهود لكل لكل من طلبه من الوفود إلخ.
 وحينذاك أمسى ذا مكانة ملحوظة في الوسط المغربي يقصده الناس، ويتشفعون به عند أولى الأمر ويتعلقون به فيما يعرض لهم من أمور، ومن غير شك أن هذه المنزلة التي تبوأها على الصعيد الملوكي والشعبي لم تتحقق له بعلمه وثقافته فقط، وإنما بأخلاقه كذلك وكريم خصاله وطيب منبته وجميل خلاله التي أقر له بها مترجموه، والشجرة من ثمرها تعرف كما يقول السيد المسيح عليه السلام.
وإذا عدنا إلى المصادر التي تحدثت عنه وجدناها تطنب في ذكر مناقبه العلمية والأخلاقية مما يضيق به المقام، واذكر من ذلك ما قاله فيه الشيخ السيد محمد جسوس من أنه ( الفقيه النبيه العالم النزيه سلالة الأخيار وتحفة الأبرار (6) وما قاله فيه العلامة سيدي جعفر الكتاني في كتابه (الشرب المحتضر) بالحرف الواحد ( ومنهم الفخر العلامة الصدر الفهامة كريم الأخلاق وطيب الأعراق و(؟)الدنيا وعميد الأشراف الرحالة الراوية الحجة في السلوك على طريق الصوفية أبو عبد الله سيدي محمد بن محمد الصادق بن ريسون الحسني العلمي اليونسي (7))، وما تحدث به عنه المحدث سيدي عبد الحي الكتاني في كتابه (فهرست الفهارس) بقوله : (ياقعة صقعة، عميد الأشراف العلامة المسند المحدث الضابط النسابة الرحالة الراوية الصالح أبو عبد الله محمد بن العلامة المحدث أبي عبد الله محمد بن الصادق بن ريسون الحسني العلمي اليونسي التطواني (8). وشيوخ مؤلفنا كثيرون من بينهم الشيخ محمد ابن الحسن الجنوي، وقد درس عليه الحديث والفقه والنحو والتصريف والمنطق والبيان والأصول وأجازه إجازة عامة، والشيخ الناودي بن سودة أخذ عنه التفسير والحديث والفقه وأجازه إجازة عامة، والشيخ عمر الفاسي وأخذ عنه الفقه والحديث وكبرى السنوسي وأجازه كذلك ، والشيخ محمد بن الحسن بناني قرأ عليه الفقه والتفسير والحديث وأجازه إجازة عامة أيضا، وقاضي فاس السيد عبد القادر بوخريص ومحمد بن أبي القاسم الفلالي الرباطي، ووالده المحدث السيد الصادق بن ريسون، والشيخ محمد بن علي الورزازي التطواني.
وأما تلاميذه فهم السلطان العلم مولاي سليمان، والشيخ مولاي  علي بن أحمد الوزاني، والشيخ التهامي ابن المكي بن رحمون، والشهاب أحمد بن عبد الرحمن الكرابلسي الطبولي.
وكان ابن الصادق جواب آفاق، ففي سنة (1216 هـ) حج إلى الديار المقدسة، وبالمدينة المنورة أجازه الشيخ عثمان الشامي المدني والسيد زين العابدين جمال الليل المدني، وبمصر الشيخ عبد الله الشرقاوي، والأمير الكبير وعبد المنعم العمودي المالكي وأحمد العريش الحنفي والشمس محمد الدسوقي وسالم بن مسعود الطرابلسي الأزهري وعبد العليم الفيومي الضرير، وبتونس محمد بيرم الأول، وبطرابلس البرهان ابراهيم بن محمد بن علي بن عبد النور اليزنيتني الطرابلسي.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن بن الصادق روى الحديث المسلسل بالفاتحة عن الإستاذ أبي زيد عبد الرحمن المنجرة، وأخذ الطريقة الشاذلية عن أبي محمد الطيب بن محمد الوزاني، وطريقة أسلافه الريسونية عن الشيخ مولاي محمد بن علي بن ريسون، والطريقة الخلوتية عن الشيخ السيد أحمد الصقلي. ولا نعلم عن إنتاج ابن الصادق إلا فهرسته عن شيوخه وتقاييد وتقاريظ وإجازات، وكتابه الذي بين أيدينا الآن. وقد عدد مؤلفنا رحمه الله في حياته الزوجية  فتزوج ثلاث نسوة، هن: الشريفة السيدة فاطمة بنت الشريف سيدي الطيب بن حليمة، بمقر أجداده (تازروت) الشريفة السيدة الزهراء بنت الولي الصالح سيدي محمد بن علي بن ريسون بمدينة تطوان، والشريفة السيدة الباتول بنت الشريف مولاي علي الوزاني بوزان. وتوفي ابن الصادق رحمه الله بمدينة وزان سنة (1234 أو 1236 أو 1237 ) على خلاف بين مترجميه (9) ، ودفن بقبة مولاي علي بن أحمد الوزاني.

وصف المخطوطة:
المخطوطة التي بين يدي الآن- فتح العليم الخبير- تضم 107 صفحة، في كل صفحة 18 سطر، مقياسها (22*16) نسخها والدي- أطا الله عمره- وكان فراغه منها كما ينص على ذلك بقوله ( في يوم عيد النحر من عام أربعة وأربعين وثلاثمائة وألف على يد ناسخه لنفسه، ثم لمن شاء من أبناء  جنسه الفقير الحقير الراجي غفر ذنوبه وستر عيوبه أحمد بن محمد الصادق بن المختار الريسوني الحسني العلمي اليونسي كان الله له وتولاه بمنه. وخط المخطوطة مغربي مقروء واضح متوسط الجودة وبياض قدر كلمة في بعض الصفحات وقدر كلمتين في بعض آخر وعند كل بياض ينبه السيد الوالد في الهامش بقوله بياض بالنسخة المنقول عنها ). وبجانب ذاك تطالعنا في المخطوطة في كثير من صفحاتها طرد وتعاليق للوالد مهمة في بابها ومفيدة في موضوعها ومصدره في ذلك الدرر البهية للعلامي سيدي إدريس العلوي و (الدر السني) للعلامة سيدي عبد السلام القادري وغيرهما.
وهناك بسخة أخرى للمخطوطة بقسم المخطوطات بتطوان تحت  رقم 856 كتبت بخط مغربي متوسط الجودة عدد صفحاته 86، مفياسها : (23*18). وهناك أيضا نسخ للمخطوطة عند بعض أبناء أعمامنا، ونسخة عند الأستاذ السيد محمد داود تقع في سبعين صفحة في كل صفحة ثلاثون سطرا، ويوجد طرف من أوله بالخزانة الأحمدية (10).

منهاج المؤلف في المخطوطة:
لقد انتهج المؤلف في مخطوطته نهج سابقيه من المتخصصين في علم الأنساب، ورتبع على مقدمة وستة فصول. الفصل الأول فيما ينبغي لأهل البيت النبوي والأمة عامة من الغيرة على النسب الشريف حتى لا يجد من ليس من هذا الشأن مجالا إلى الانتساب للدوحة الكريمة دون ما حق يخوله له ذلك، والفصل الثاني في فضائل أهل البيت ، والفصل الثالث في ذكر الجد الأكبر مولانا عبد الله الكامل، والفصل الرابع في ذكر بنيه، والفصل الخامس في ذكر بعض أخبار مولانا إدريس الأزهر، والفصل السادس في ذكر بنيه وبعض أخبارهم، ومن هذا الفصل ينطلق مؤلفنا رحمه الله في الحديث عن الشرفاء العلميين وبيان كل فرع على حدة. وأسلوب ابن الصادق في العرض لطيف سهل يتميز بوضوح الفكرة وسلاسة التركيب والبعد عن التقعر والتكلف، ونلمس المؤلف في أسلوبه يستشهد بالآيات القرآنية والنصوص الحديثية وخصوصا في المواطن التي تتطلب الاستشهاد كفوله ( في الفصل الثاني متحدثا عن فضائل أهل البيت ( وعن ابن عباس أيضا في قوله تعالى :( ومن يقترف حسنة قال المودة لآل محمد صلى الله عليه وسلم). ولا يكتفي المؤلف بذلك فقط، بل إنه يستدل بأبيات شعرية أو نصوص نظمية تعزز ما يعالجه من فكرة وذلك نلاحظه على سبيل المثال لا الحصر عند حديثه عن زيد بن الحسين رضي الله عنهما في قوله ( وزيد ابن الحسين الذي يقول فيه الشاعر:
وزيد ربيع الناس فس كل شتوة
                إذا اختلفت أنواؤها ورعودها
جموا الإنسان الديات كأنه
              سراج الرجا إذا فارقته سعودها
وفيه يقول قدامة أحد بني جمح :
فإن بك زيد غالت الأرض شخصه
              فقد بان معروف هناك وجود
ونلحظ في منهج المؤلف أنه في بعض الأحيان يقف  عند أسماء أعلام فيعرف بها تعريفا يوضح أهميتها، وتلك وثيقة تاريخية لحياة الرجال، وطريقة محببه لدى المهتم بتاريخ علماء أمته، ومن ذلك قوله متحدثا عمن ينتسب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في الفصل السادس (وإليه ينتسب اليلصوتيون كلهم، وقد قدم- يلصيو- رضي اله عنه ونفعنا به مع موسى بن نصير والعامة تسمية سيدي برزو وبه يعمر سوق النساء) ثم يقول( ومنها – أي الأخماس- أيضا العلامة الأديب الشاعر المفلق أبو الحسن سيد علي مصباح مؤلف أنس السير في مهاجات الفرزدق وجرير وغيره، ورأيت أصل مبيضته بخطه رحمه الله عند صاحبنا العلامة الأريب القاضي الأديب أبي عبد الله سيدي محمد العربي المساري أبقى الله بركته إلخ).

مصادر المخطوطة :
وعندما نستعرض الكتاب من ألفه إلى يائه نجد المؤلف يعتمد على مصادر مهمة في موضوع الأنساب وما بتعلق بها من قريب أو بعيد، ومن بينها، انموذج  اللبيب في خصائص الحبيب للسيوطي، والبحر المورود في المواثسق والعهود، للشعراني، ونظم العقبان في شرف بني زيان، والقرطاس لابن أبي زرع، وكتاب العبر لابن خلدون، والدوحة لابن عسكر، وحاشية الحسن بن الحسن على دلائل الخيرات ، وتقييد لمحمد أحمد المسناوي، وفتح التأييد في منلقب سيدنا الوالد وأخيه، والوالد للمحقق سيدي الحسن بن القطب سيدي محمد فتحا بن علي بن ريسون، وديوان النقيب لعلي بن عبد السلام بن عبد الوهاب، وهكذا. وقد استقى المؤلف معلوماته من المخطوطة من هذه المصادر وغيرها مما لم نشر إليه، وأورد منها نقولا متعددة منسوبة إلى أصحابها، وكل ذلك يذكر في المتن ى في الهوامش كما نفعل حن اليوم في بحوثنا، ورغم ذلك فإن الطريقة القديمة لا تخلو من محاسن أبدا، وتحر محكم، إذ يتسنى لقارئ له بها مقابلة النقول بالأصول.

موضوعها:
وأرى من الضروري أن ألقي نظرة عجلى عن موضوع المخطوطة حتى يأخذ القارئ فكرة عامة عنه.
إن السبب الذي دفع العلامة ابن الصادق إلى تأليف كتابه ( فتح العليم الخبير في تهذيب النسب العلمي بأمر الأمير)- كما أشرنا إلى ذلك سابقا- أن المولى محمد بن عبد الله طلب منه أن يدون النسب العلمي محافظة علة هذا النسب من أن يضيع وتلعب به يد الإهمال، وعنوان المخطوطة نفسه ينبئ بذلك كما أن المؤلف بدوره  يصرح به في قوله في المقدمة ( ومما أمر به مولانا الإمام أبقاه اله عزا للإسلام وارهابا للفكرة اللئام، وأنا له ما يرجوه من نيل المنى غي الدنيا وفي دار السلام، وأبقى البركة والملك في عقبه الشرف مادامت الليالي والأيام بجاه النبي وآله وصحبه عليه وعليهم السلام، اعتناءا منه بالنسب العلمي الطاهر ومحافظة على مكانته وقدره الباهر ليعز ويعظم ويجل ويحترم تقييد جميع روع الشرفاء العلميين الأدارسة المنتمين للشيخ الشهير العالي القدر الخطير سيدي أبي بكر.)
وقد افتتح ابن الصادق كتابه القيم بمقدمة مسجوعة على الطريقة المعروفة في المدرسة العربية النثرية يقول في أولها :( الحمد لله الفتاح العليم. الجواد الكريم. الهادي من يشاء بمحض فضله إلى صراط مستقسم إلخ.) . وتطرق ابن الصادق في المقدمة إلى النسب العلوي بمناسبة حديثه عن المولاى محمد بن عبد الله مبينا قرابته من النسب العلمي، ثم بعد هذا استطاع المؤلف ببراعة النسابة المتمكن أن يعرض علينا كل فرع من فروع الشرفاء العلميين بعد أن بسط الحديث عن المولى إدريس الأزهر وأولاده ثم جعل نقطة انطلاقه في ذلك الجد الجامع لشعبهم مولانا أبا بكر دفين عين الحديد بقبيلة بني عروس الذي خلف من الأولاد 7: اثنان لم يعقبا، ميمون والفتوح ، وخمسة عقبوا، أولهم: سيدي سليمان الملقب بالمشيش، وسيدي يونس وسيدي علي وسيدي أحمد وسيدي محمد الملهى، ومشيش السابق الذكر ترك ثلاثة أولاد منهم : القطب الشهير وقدوة الصالحين مولانا عبد السلام، وسيدي موسى وسيدي يملح، ثم يتحفنا المؤلف بذكر أولاد سيدي يونس عم المولى عبد السلام ووليه عبد الله وعبد الرحمن، ومن الأول أولاد ريسون الذين عرفوا بنسبتهم إلى العارفة بالله المرأة ريسون حفيدة الرواشد أمراء شفشاون، وقد علق والدي في الخطوطة على هذا بقوله ( تحدث عن ذلك سيدي محمد الدلالي في منظومته درة التيجان، وقد شرحها الشيخ محمد بن أحمد الفاسي ، يقول فيها:
ومن بني يونس عم ذا الولي
             أولاد ريسون بينهم جلي
ريسون كانت أم جد لهم
             من أجلها صار لهم ذا العلم
ودارهم دار صلاح وتقي
             وقدرهم في المجد عالي المرتقى
جدهم الأسنى الولي الصالح
             وسره في الناس نور واضح
هو محمد بن الإمام بن الولي
              ابن أبي عيسى وهو سيدي علي
ومما ذكرهم ابن الصادق من الفروع أولاد ابن عبد الوهاب وأولاد ابن رحمون وأولاد اخريف وأولاد الطريبق وأولاد الخراز وأولاد ابن حليمة وأولاد مبخوث وأولاد الحداد وأولاد شقور بغير مد الشين ، وأما بمد الشين (شاقور) وتخفيف القاف الذين بمدشر امزال من قبيلة ودراس فليسوا منهم بل نسبتهم ساقطة، 
وأولاد الشنتوف،وهكذا ذواليك بوالي ابن الصادق حديثه عن الشرفاء العلميين بطريقة النسابة البصير بفنه المتقن علمه يقف عند كل فرع محققا متحريا ولا ينهى تخربه ذاك إلا بعد أن يتيقن من صحته وأنه الحق وإذا خالجه شك فإنه يشير إليه ولا يتركنا في دوامة من الحيرة والتساؤل، واستمع إلى مثال من مناقشته حين يقول: ( ومن الشرفاء من يلمز أولاده مرسو الذين تقدم ذكرهم بأن فيهم مستدخلا بعض أولاد البوطي ولا أصل لذلك ولم يثبت شيء من ذلك ولم نسمعه ممن يقتدي به ولا ممن يعول عليه). ويتضح لنا من خلال تصفحنا بتمعن للمخطوطة أن ابن الصادق لم يكن ناقلا من مصادره وحاكيا لما قررته فقط، بل إنه يدلي بآرائه ويناقش تبعا لما تستدعيه طبيعة الموضوع ، كما نلقى ذلك في كلامه عن شرفاء القوس حين يقول: ( وأما شرفاء القوس الذين بشفشاون ويدعون بأولاد الشريف ومنهم العلامة القدوة أبو الحسن سيدي علي الشريف صاحب النوازل الشفشاونية التي يتعاطاها الحكام الآن ، فوقع فيما سلف  للشرفاء أولاد ابن عبد الوهاب ، فيهم كلام حتى أن الشرفاء في هذا الوقت وفيما قبله لا يتركونهم يأخذون شيئا مما يأتي من الهدايا من عند مولانا نصره الله أو من عند غيره لمولانا عبد السلام نفعنا الله به وقد ذكرهم العلامة القدوة سيدي العربي الفاسي في كتابه المسمى بمرأة المحاسن في أخبار الشيخ أبي المحاسن سيدي يوسف الفاسي رضي الله عنه مسلمين النسبة ورفع عمود نسبهم إلى الشيخ مولانا عبد السلام نفعنا الله به آمين.إلخ.
وبعد أن يثبت عمود نسبتهم إلى مولانا عبد السلام يقول : ( فهذا معتقدنا وعليه معولنا بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة، فمن أراد سلامة نفسه فليسلك مسلكنا ، وم أراد خلاف ذلك فهو أدرى بنفسه، والآخرة تجمعنا إلخ.) وفي مكان آخر من للمخطوطة يتصدى لكلمة (العلم) فيقرر أنها تعني في اللغة مطلق الجبل وهو معرف بأل التعريفية فصار علما بالغلبة على الجبل الذي كان مقيما فيه القطب مولانا عبد السلام، وأقام به الأدارسة من أبنائه وأعمامه قيله ثم يفند ما يزعمه العامة من الجهلة من أن المولى عبد السلام كان يشاهد من جبله علم المنار بمكة لذلك سموه ( علم المنار) ، وهذا – كما يقول المؤلف- من خرافتهم التي لا أصل لها إذ لم يذكره الأنبات من العلماء. والنسبة إلى جبل العلم تطلق على كل من كان من سكانه وما جاوره سواء كان من درية المولاى عبد السلام أو من درية أخويه أو أعمامه من غير تمييز بينهم، وأما من يكن من سلالة أبي بكر بن علي الجامع لشعب العلميين بأسرهم فلا يطلق عليهم (علمي) وإن استوطن (العلم) كبعض العمرانيين وبعض العيشونيين القاطنين مع العلميين اعتبارا بما شاع استعماله، ذلك لأن النسبة من اختصاص أولاد سيدي أبي بكر.
ويؤكد لنا المؤلف رحمه الله في نهلية كتابه بأنه لم يأل جهدا في البحث عن الفروع العلمية وذكر مساكنهم حتى جاء مؤلفه جامعا ما لم تجمعه الدواوين الأخرى، معتمدا في كل ذلك على المحققين الذين عرفوا بتضلعهم في هذا الميدان، وكان فراغه منه عام (1191 هـ).
ونحن لو ساعفنا الرغبة في سرد ما أرأر عليه ابن الصادق مناقشته وأحادديثه التي تبرز شخصيته في المؤلف ، وتعطينا فكرة واضحة عن مجهوده لضاق المقاو بذلك. ومهما يطن من أمر فالمخطوطة جديرة بكل تنويه، فريدة في بابها، لطيفة في مضمونها لمن له شغف بهذا الفن الذي أصبح اليوم قبسا بعد ضياء.

 

(1) انظر القلقشندي أحمد – نهاية الأرب، تحقيق ابراهيم الإبياري،ط 1959- القاهرة،  6.
(2) انظر الناصري أحمد – طلعة المشتري في النسب الجعفري – ط فاس، ص 7.
(3) القلقشندي أحمد- نهاية الأرب، ص 9-10.
(4) انظر داود محمد: تاريخ تطوان القسم الثاني من المجلد السادس، ج 17، ص:274،ط 1970م.
(5) هذا الظهير مؤرخ بعام 1226 هـ ، وهناك ظهائر سليمانية أخرى ورد فيها ابن الصادق مع تبجيل واحترام، ومنها ظهير مؤرخ بعام 1206 هـ، يخاطب فيها المولى سليمان ابن الصادق بشيخنا.
(6) تاريخ تطوان ج 17، ص 266.
(7) ط فاس.
(8) ج 1،ص 333، ط 1346.
(9) تاريخ تطوان ج 17، ص 274.
(10) انظر ابن سودة عبد السلام : دليل مؤرخ المغرب الأقصى ، ط 1369- تطوان، ص 140.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here