islamaumaroc

على هامش مؤتمر البحوث الإسلامية

  دعوة الحق

143 العدد

وزع الشيخ الجليل عبد الحميد السايح وزير الأوقاف السابق للأردن في مؤتمر الوالدية وثيقة من مقررات وتوصيات مؤتمر البحوث الإسلامية الذي انعقد في القاهرة سنة 64 وسنة 65 وقد جاءت هذه المقررات والتوصيات في مستوى الآمال الكبيرة التي تعلقها المجتمعات الإسلامية على مثل هذه المؤتمرات التي ينتظر منها المجهود المتواصل لمعالجة ما جد على الإسلام وبنيه من أحداث وقضايا لا تزداد مع تقدم الحضارة الجديدة  وتعقدها إلا تضخما واستعصاء- من هذه المقررات ما جاء في البند الرابع من الوثيقة (إن السبيل لمراعاة المصالح ومواجهة الحوادث المتجددة هي أن بتخير من أحكام المذاهب الفقهية ما يفي بذلك فإن لم يكن في أحكامها ما يفي بالاجتهاد الجماعي (المطلق) وقد أعجبت كثيرا بهذا القرار الشجاع الذي يحرر العقلية المسلمة من الأسر المذهبي ويفتح لها باب الاجتهاد  والاستفادة الحرة من أحكام المذاهب لمعالجة كثير من قضايا حياتنا المتجددة إذا كان في هذه المذاهب أحكام لمثل هذه القضايا وإلا انطلق الفكر خارجها ببحث عن أنجع الحلول وأوفقها مع روح الإسلام الهادفة إلى تحقيق الخير والصالح العام...- وبقدر إعجابي بهذا القرار تمنيت صادقا لو أن علماءنا الباحثين الأجلاء الذين قرروا التخير من أحكام المذاهب الفقهية قرروا قاعدة التخير هذه أولا في أهم شيء يمني المسلم وفي أوسع مجال يمكن تطبيق قاعدة التخير فيه بنجاح إنه العبادات فالإسلام كعقيدة أولا يطوق أبناءه بفروض دينية تتجسم فيها ظاهرة الإخلاص والحب وتربط معتنقيه جميعا برباط واحد يتجه بأرواحهم إلى خالق الكون ومبدع الوجود. ومن المؤسف أن تتسرب الخلافات المذهبية المتعصبة إلى هذه الفروض الدينية إلى الإطار المقدس الذي يحتضن المسلمين في كل الجهات ويكون منهم أمة موحدة السمات ، فقد يجوز الخلاف في فهم النصوص لاختلاف الناس في المدارك وتفاوتهم في المقاييس وتأثرهم بالبيئات  والمناخات . قد يجوز الخلاف حول أشياء خارج عقيدة المسلم ومظاهر عبادته لربه.. أما هذه الخلافات المذهبية في ما يمس العبادات فشيء لا أفهم له مسوغا ولا أعرف له مبررا- إن الكلام عن التوتثر في نقل النصوص الدينية كثير ومستفيض عند فقهاءنا ومحدثينا ومن مرجحات النصوص عندهم أن يصل إلينا بطريق التواتر. ولست أعرف في حياة المسلمين شيئا كالصلاة يمكن أن يصل إلينا عن طريق هذا التواتر فقد كان المسلمون في الصدر الأول أحرص ما يكونون على تأدية الصلوات المكتوبة خلف الرسول صلى الله عليه وسلم وكان أشدهم حسرة من حالت الظروف بينه وبين الجماعة خلف الرسول فهم لهذا من أوعى الناس لما كان يقوله الرسول ويفعله ويدعو به في هذه  الصلوات وكما كانوا يحضرون صلاته كانوا يرون وضوءه وقد قال عليه السلام صلوا كما رأيتموني أصلي. ومع ذلك فإن الخلافات المذهبية في قمتها حول عبادة هي أحرى أن يتحقق فيها التواتر الذي نشترطه ونقبله في غيرها. والصلاة عبادة من أقوال وأفعال رآها المسلمون وسمعوها وتناقلوها ومارسوها فلا شيء سواها يتحقق فيه المعنى الكامل للتواتر ورغم ذلك فإنت تجد في مذهب من يقول في فعل أو قول أنه واجب وفي آخر من يقول أنه سنة فقط أو مندوب وفي مذهب آخر من يقول أنه حرام أو مكروه. ماذا سيفعل وماذا سيدع؟ وما نفعله من صلا ة تتأرجح بين المذاهب فهي باطلة في هذا وهي نفسها صحيحة في آخر. وهو معاقب في مذهب  ومثاب في آخر وتواجهك هذه الخلافات طبعا في الوضوء الذي يتقدم  الصلاة، متخليل شعر اللحية واجب عند المالكية لا يصح وضوؤك بدونه وهو سنة عند غيرهم لا يضرك تركه. والتسمية في أول الوضوء فرض عند الحنابلة لا صحة لوضوء بدونها وهي فقط سنة عند غيرهم. ودلك الأعضاء في الوضوء والغسل واجب عند المالكية يبطلان بدونه وهو سنة عند غيرهم. وتستقبل القبلة للصلاة مكبرا تكبيرة الإحرام فيعترضك الخلاف الكبير في البسملة قبل الفاتحة فالمالكية تكره التسمية في الفريضة سرية كانت أو جهرية، والشافعية تقول بفرضيتها لأنها آية من الفاتحة فالصلاة باطلة بدونها. وطائفة أخرى تقول أنها بدعة! ولعمري أن الخلاف لهذا الحد حول تسمية الله لهو البدعة. فقد ثبت أن المسلمين كانوا يصلون خلف الرسول صلى الله عليه وسلم في صفوف متراصة كالبنيان ، فكيف لم يسمعوا الرسول وهو يقرأ البسملة  سرا أو جهرا؟ وكيف تعذر على بعضهم أن يسمعها من أبي بكر أو عمر أو علي وكتفه في الصلاة إلى كتفه؟
ومن المؤسف أن نتائج هذه الخلافات لا تقتصر على الفرد الذي يدين بها فهي ذات انعكاسات سيئة على حياة الجماعة الإسلامية وعامل على تمزيق وحدتها وخلق التنافر بين أفرادها فمالكي لا يصلي وراء شافعي وحنفي لا يأتم بمالكي وتتحول الخلافات الدينية إلى شخصية وأحيانا إلى سياسية.
وقبل الصلاة يصطدم المسلم بالخلاف في ألفاظ الأذان واإقامة هل هو مثنى أو أربعا أربعا؟ وهو من غرائب الخلافات إذ أن ألفاظ الأذان قليلة ومحصورة وينادي بها في أعلى مكان في كل يوم خمس مرات مثل هذه الخلافات في الواضحات التي كانت تقع تحت بصر المسلمين وأسماعهم مما يفتح الطريق للزنادقة والمشككين ليثيروا الشبهات حول صحة ما نقل من الشريعة وأحكامها . فإذا كان المسلمون يختلفون ولا يتفقون على صورة كاملة للصلاة بعيدة عن الخلافات والتأويلات فكيف نطلب من هؤلاء أن يتقوا في صحة ما نقل إلينا من أقوال وأفعال مما لا يمارسه المسلمون في حياتهم  اليومية كالصلاة؟ ومن صور الخلاف في العبادات ما يبطل الصلاو ولا يبطلها في مذهب آخر. فعند المالكية أن تقدم المأمون على الإمام لا يبطل صلاته بينما هي باطلة عند الآخرين.. وعند الحنابلة أن الدعاء في التشهد الأخير بشيء من متاع الدنيا مبطل للصلاة بينما هو جائز ولا بأس به عند المالكية! وعند الشافعية أن ترك الصلاة على النبي من التشهد الأخير مبطل للصلاة وهو لا يبطلها عند غيرهم لأنها سنة. وعند جمهور الأئمة أن خطبة الجمعة من خطيب غير متوضئ حرام مبطل للخطبة بينما هو مكروه فقط عند المالكية!. وعند الحنابلة أن زيادة (ورحمة الله) بعد (السلام عليكم) ركن من أركان الصلاة المفروضة تبطل بتركه بينما هي صحيحة بتركها عند غيرهم.. ومن غريب ما اختلف فيه رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام فهو عند الزيدية بدعة وغير مشروع وكل بدعة ضلالة! وهو عند الظاهرية وابن حنبل واجب يأتم بتركه ولا يبطل صلاته. وهو رطن تبطل الصلاة بتركه عند الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري.
وقد رافقت هذه الخلافات المسلم حتى بعد مماته في الصلاة عليه فقراءة الفاتحة في الصلاة عليه فرض عند الشافعي وابن حنبل إذا لم تقرأ بطلت الصلاة، وعند مالك وابن حنيفة : ليس في صلاة الجنازة قراءة ولا فاتحة وإنما هو دعاء للميت وللمومنين والمومنات. وفي المكان المحدد لوقوف المصلي على الجنازة أيضا خلاف بارد وثقيل هل يقف أمام صدر الميت أم في وسطه أم في عجزه أو يفرق ذلك بين الرجل فتقف عند صدره وبين الأنثى فيقف عند العجز وهو خلاف كما ترون في أمور رآها المسلمون بأبصارهم وتكررت أمامهم فليس للخلاف حولها معنى معقول.. وخلافات غير هذه في نواقض الوضوء وفي النجاسات وطهارة المني أو في نجاسته وفي التيمم مدى فعاليته هل هو كالطهار المائية فيصلي به ما يشاء من غير تحديد أو لا يصلي به إلا فرض واحد.. وخلافات في الصيام يبطل معها الصوم، ويجب القضاء والكفارة ويصح بها فلا قضاء ولا كفارة. وخلاف في الكلمة يقولها المسلم فيصبح بها كافرا في مذهب ويبقى معها مسلما في مذهب آخر ...! ويتوقف القلم ولا ينتهي الخلافات فكأنما كان القوم في حلبة سباق. إلى هذه الخلافات، أيهم يضيف إلى الخلاف خلافا وإلى الخلاف تفصيلا أو تقييدا.. ونسيت أن أذكر خلافهم في الربوبات وفي الوصيات والتركات وفي الأنكحة والطلاق . فالنكاح مثلا قد يكون شرعيا وصحيحا عند قاضي مذهب آخر. قد يكون معه في نفس المدينة وفي نفس المحكمة الشرعية..
لا أحب أن أشعب الحديث عن الخلافات التي وسعت الهو بين المسلمين في مختلف عصور حياتهم ولكني أحب فقط أن أشير إلى مسألة تمس روابطنا الزوجية التي لا ينبغي أن تكون محل خلاف بحال من الأحوال تلكم في مسألة (اللبن للفحل) التي تتأر في باب الرضاع والتي تعد مشكلة خطيرة طالما هدمت أسرة مسلمة وأفسدت حياة زوجية كانت تنعم بالحب والسعادة.
ففي نطاق الحديث الوارد: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أطل هذا الخلاف الفقهي في ما تحرمه الرضاعة على الرضيع وهل تقف الحرمة عند المرأة التي أرضعت الطفل فتحرم عليه هي وفروعها وأصولها لأنها تصبح أما له؟ أم أن التحريم يسري مفعوله إلى زوج هذه المرأة فيصبح أبا للرضيع لأنه الفحل وبسببه تكون اللبن وثار؟ وإذا كان الرجل أبا للرضيع حرم على الرضيع كذلك فروع هذا الرجل وأصوله.- تلكم مسألة لبن الفحل التي انقسمت فيها آراء الفقهاء وتعددت مواقفهم فالآثار الواردة غير متحدة والرواة مختلفون قوة وضعفا والضحية لهذا كله هو الرجل الذي يسةقه الحظ العاثر إلى فتاة تكون أختا لأبيه من الرضاع فيريد أن يتزوجها أو هو قد تزوجها بالفعل إنه على مذهب قد يكون متزوجا بعمته من الرضاع وزواجه منها غير جائز ومسوخ إن حصل. وهو نكاح جائز لا غيار عليه في مذهب من يرى بتوقف الحرمة بين الرضيع ومرضعته لا يتعداها إلى الرجا زوجها.. أعرف صديقا عانى في حياته الزوجية من هذا الخلاف الذي نقص عليه حياته فاضطر إلى تطليق زوجته التي طلق معها روحه ولم يجد من الفقهاء من يملك الشجاعة ليفتيه بالجواز تمشيا مع روح الإسلام القاءمة على التيسير ورفع الحرج، والمتتبع للآثار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم يجدها طافحة بما يوحي بضرورة التيسير وعدم الإحراج و(؟) فعن عائشة (ض) قالت: ما خير رسول الله من أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. وعندما بال الأعرابي في المسجد فثار الناس عليه ليضربوه قال لهم النبي دعوه وصبوا على بوله دلوا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين. وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يسأل يوم النحر بمنى فيقول لكل سائل : لا حرج لا حرج، سأل رجل فقال : حلقت قبل أن أذبح. فقال: اذبح ولا حرج. وقال رجل : رميت بعدما أمسيت.. فقال: لا حرج. وقد عد بعضهم الأشياء التي سئل عنها صلى الله عليه وسلم فأوصلها إلى أربع وعشرين.. بهذه الفلسفة وبهذه الروح ينبغي أن نتصرف  في كل ما لم يرد في شأنه تحديد أو توضيح من الرسول نتصرف في  ذلك حسب اجتهادنا وطاقاتنا في غير عسر ولا إحراج إذ لم كان للشيئ وجه مقصود ومراد بعينه لبينه الرسول الذي أمر بالتبليغ الكامل ولا شفق على أمته من التيه في بيداء الخلاف والخلاف شر كله وهو الذي وصفه الله في كتابه :"لقد جاءكم رسول من لأنفسكم عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم".
واعتقد أن هذه الخلافات مع علو قيمتها أحيانا وتفاهتها أحيانا أخرى قد استنفدت الحاجة إليها في وقت كانت المعركة فيه حامية بين رجال الفقه الإسلامي مدفوعين إلى ذلك بدافع الغيرة على الدين وإبراز حقائقه وصيانة شعائره أو بدافع الطموح إلى الخلود والمجد العلمي ، وقد مرت على أم الإسلام حقب من التاريخ استدبرت فيه ما  استدبرت واستقبلت من شؤونها ما استقبلت وتبلور فيه الفقه الإسلامي فبدأ يرفض عن نفسه كل ما يبعده عن صفاء الدين وروحه السمحة وبدا وهو أقوى ما يكون ليتغلغل في حياة المسلمين ويتعمقها بعد أن ظل حقبة من الزمن خارجها . فقد يفهم المسلم معنى للخلاف حول حرية عمل الإنسان. ورؤية الله وخلق القرآن والاستواء على العرش لأن الخلاف حولها مظهر من مظاهر الترف الفكري ولكنه لا يستسيغ الخلاف في أمور تنظم علاقته بربه وعلاقته بالآخرين إنه اليوم في حياة جديدة يطبع النظام والدقة كل مظاهرها فهو لذلك يتطلع إلى حياة روحية في غير بلبلة ولا اضطراب.
وما أهون روابط المسلمين وأضعف أواصر الألفة بينهم مثل هذه الخلافات المذهبية التي استحالت مع الأيام إلى عداوات شخصية ونزعات طائفية. وقد آن الأوان ليبحث المسلمون عن أسباب الخلاف (؟) ويبادروا إلى إزالتها واحدة  بعد أخرى فهي كثيرة والطريق إليها طويل غير قصير.وقد تكون مفخرة لو استطاع مؤتمر البحوث الإسلامية أن ينبني فكرة وضع منهج موحد للمسلمين على الأقل في العبادات عملا بقاعدة التخير من المذاهب التي دعا إليها حبذا لو وضع بين أيدي المسلمين في جميع أنحاء المعمور كتاب واحد ينظم العبادات ويزيح عنها ما تغشاها من ظلمات الخلاف ويبسطها عارية من كل فلسفة وتعليل وجدال ولتكن تصفية العبادات مما علق بها من غثاء التجربة الأولى لتحقيق الوحدة بين كافة المسلمين فهي وحدها الرباط القوي الذي يربط بينهم مهما كانت اختلافاتهم الجغرافية والسياسية ..- ونحن أحوج ما تكون مرة أخرى إلى خجهود علمائنا المثمرة التي بذلوها في مؤتمر الوالدية والتي أسفرت عن أطيب النتائج وعالجت قضية من أخطر القضايا التي نجابه المجتمع الإسلامي نحن أحوج ما نكون إلى هذه الجهود والكفاءات لتوحيد المسلمين ونجيم هذه الوحدة في الفكر والمعاملة والعبادة والأسرة، نحو تطبيق قانون إسلامي شامل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here