islamaumaroc

كيف تطورت ونضجت فكرة الدستور عندنا ؟

  دعوة الحق

143 العدد

"أريد أن يتسم عصري بسمة الديمقراطية ومسايرة العصر"
من خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد الأضحى الأخير

حينما ننظر إلى نظام الحكم المعاصر في المغرب نجد أن المملكة المغربية في فجر القرن العشرين تستمد تنظيمها من حيث الأصول الدستورية وممارسة السلطة العمومية، من مبادئ القانون العام الإسلامي وتتأثر بأحوال الجماعات الإسلامية .
خصوصا بتلك الصبغة الدينية التي تمنح الملك صفة الرئيس السياسي، وقد ضل المغرب مستقلا منذ أحقاب عن دار الخلافة متأثرا في نظامه العام وقانونه بالتقلبات الشرقية الكبرى ، فظل يكتسي في إطار الجامعة الإسلامية الكبرى صبغة استثنائية محتفظا بشخصية سياسية قوية وخاصة.
وقد ضلت كذلك نظرية السيادة – المستمدة مبدئيا من نظرية الخلافة وواقعيا من نظرية السلطة – غاربة عن كل تعقيد لأنها مستمدة من مصادر الإسلام الأولى الواقعية المجردة من الشكليات والتعقيدات ، فالسلطان يقلد منصب رئاسة الدولة ويستمد من البيعة – وهي نوع من التنصيب الوطني- صفة السيادة ، فتكون بذلك السيادة السلطانية مرادفة للسيادة الوطنية ، فالملك هو رمز الأمة والمؤتمن من طرفها على السيادة الوطنية، وإرادة الأمة المجسمة في البيعة هي التي تضفي على السلطان رداء السيادة ، والبيعة تستعد قوتها القانونية  من التنصيب الوطني الذي هو نوع من الانتخاب  العام ، وليست سيادة السلطان سيادة  حكومية أي تنفيذية فحسب ، ولكنها سيادة عامة يصبح الملك مؤتمنا عليها بمجرد عقد البيعة ، فتخوله حتى حق  التشريع باسم الأمة.
آلا أن لهذه السيادة حدودا رغم سعتها .فالأمة-أي مثلوها الضمنيون - تحتفظ بحق النظر في توافق الأعمال الملكية مع قانون الإسلام ومصالح الرعية ، أو بعبارة أخرى، لها حق النظر في"دستورية" هذه الأعمال، فالنظرية المغربية إذن – كما نجدها في مطلع القرن العشرين – من حيث الأنظمة الدستورية نظرية بسيطة لم تتأثر بتلك الشكليات الشرقية على الطريقة الماوردية.
ولم تكن لصاحب الولاية العامة في نظر الإسلام حق التشريع بالمعنى الصحيح هو الرسول عليه السلام ،، ولذا كان على الملك بصفته المؤتمن على سيادة الأمة أن يجمع ذوي الرأي ويشوا ورهم في  الأمر ويتخذ معهم قرارات يضفى عليها الخاتم الملكي الصفة القانونية الواجبة ، فالظهائر الشريفة هي المظهر القانوني لهذا التشاور، على أن من حق الملك أن يتخذ قرارات تقنينية وحتى تشريعة عامة يؤول بمقتضاها القانون الإسلامي العام ، ويتدرج هذا في دائرة المبادئ الديمقراطية العامة فقد كان للخلفاء الأولين الحق في إصدار القانون:فهذا عمر ابن الخطاب يحدث لأول مرة ضريبة الاستيراد والتصدير وهي ما تعبر عنها في العصر الحاضر برسوم الجمارك .
فيبدو من كل ذلك أن النظام الدستوري في ظل سلاطين المغرب نظام ذو طابع تقليدي مستوحى من أحكام الشريعة الإسلامية ومن سوابق العالم الإسلامي والوضع الخاص بالبلاد المغربية ، إلا أن الوضعية السياسية والدبلوماسية والاقتصادية التي أصبح يعيش عليها المغرب في النصف الأول للقرن العشرين كانت  نقطة انطلاق لتطور عميق في حياته الدستورية ، فقد أصبح القانون العمومي المغربي يتكون من تشابك عدة عوامل وذلك لآن المغرب من جهة ، دولة شرقية لغة ودينا وتراثا، ومن جهة أخرى فموقعه الجغرافي يجعل منه بلادا غربية من حيث التطور السياسي والدبلوماسي والاقتصادي ، وهذا الوضع المزدوج يتجلى في المظاهر الآتية:
- تقليد لنظام الخلافة الذي نجد خطوطه العامة في تقاليد القانون الدستوري الإسلامي .
- الشروط المقررة في الاتفاقيات  الدولية السابقة لعهد الحماية وأوفاق الترابط  التي أخذ المغرب يمضيها مع عدة دول أروية ، وبالأخص  مع فرنسا وإسبانيا على أساس التفاهم وحسن المعاملة
- الأنظمة الحديثة التي أخذها المغرب عن جهاز الحماية .
فقد كان الوضع التقليدي للمغرب من جملة الأسباب التي جعلته محط أنظار الاستعمار وحبائله وتكالب القوى الامبريالية  عليه ثم سقوطه بعد دفاع مرير تحت الحماية الفرنسة والاسبانية من سنة 1412 إلى سنة 1955(1) وبالرغم من تنازل المغرب عن سيادته الخارجية بمقتضى عقد  الحماية فإنه على الصعيد الداخلي زلت سيادة الملك قائمة ولو أن ممارسته كانت تحت مراقبة السلطة الحامية.
إلا أن الحكم الأجنبي أدخل تغييرا عميقا على الوضع في البلاد وذلك بإلغاء عدد من المناصب وتعويضها بأخرى وبإحداث إدارات عصرية موازية للجهازات المغربية العتيقة التي وقع الاحتفاظ بها.
ومن أدارت الحماية انطلقت قواعد الإدارة المغربية التي اضطلعت بشؤون الدولة عندما استعادت البلاد سيادتها .
لقد أدى تداخل المؤسسات الدستورية والحكومية التقليدية بالأجهزة الحديثة للحماية إلى إعطاء وجه خاص لتنظيم السلطة بالمغرب وإلى تحرير أسالبها باعتناق العتيق منها لما جاء به نظام الحماية من فلسفة إدارية واجتماعية وسياسية ذات الطابع الغربي ، ويتطور هذا المزيج برزت نظريات جديدة في الميدان الدستوري وأدى ذلك كله إلى انبثاق طاقة جديدة في الذهنية المغربية ملكا وشعبا ، وكان أول هدف هو إقصاء الأجنبي المستعمر عن حظيرة الوطن ."فدخل المغاربة المعركة كتمن لحريتهم من جهة ، وكنصير لمبادئ الديمقراطية من جهة أخرى، لكن الوفاء كان تنكيلا للشعب وسجونا وأبعادا للزعماء وأخيرا نفيا للملك ، وآمن المغاربة بعد كل ذلك بأن الاستقلال يؤخذ ولا يعطى ، فانتفضت الأمة بأسرها وانتظمت المقاومة وانتصر الحق ورفع التنكيل وفتحت السجون ورفعت الحواجز وعاد الملك إلى عرشه وشعبه حاملا الأمنية المنشودة :الاستقلال والحرية... وفي 18 نونبر1955، وهو يوم ذكرى عيد العرش، أعلن جلالة الملك محمد الخامس في جو حماسي وتاريخي عن  استرجاع السيادة المغربية وبدء عهد الحرية والاستقلال، ومنذ تلك الدقيقة دخلت البلاد في طور جديد انتهى إلى إقرار الملكية الدستورية عبر عدة مراحل، ولما كانت فرنسا قد التزمت بمقتضى معاهدة الحماية بحماية العرش المغربي وبحقوق العائلة العلوية في الملك ، كان من الطبيعي إثر اعترافها باستقلال البلاد أن تسلم جميع السلط إلى جلالة الملك الذي أصبح تلقائيا متبع  جميع السلط الدنيوية والقائد الروحي للمغاربة المسلمين- طبق تقاليد الدولة المغربية(2)
وهكذا ظل النظام الدستوري في فترة  الاستقلال إلى ما قبل الإعلان عن استفتاء 7 دجنبر 1962- يتسم بطابعه التقليدي في جوهره رغم الأخذ بها، وكانت هذه الفترة الانتقالية حافزة  للعرش وللشعب المغربي سواء، على أخذ الاستعداد للإعلان عن الدستور والدخول في عهد الملكية الدستورية والحياة البرلمانية المنشودة.
و يجدر هنا إعطاء نظرة على شتى العوامل التي أدت إلى التطور في المجال الدستوري والتي خرجت بنظام الحكم المغربي من شكله التقليدي إلى شكل الملكية الدستورية. فلقد سبق القول بان نظرية السيادة ظلت بالمغرب نظرية  بسيطة لم تتأثر بالشكليات والتعقيدات  الشرقية لأنها مستمدة من مصادر الإسلام الأولى الواقعية ، وأن السيادة السلطانية مرادفة للسيادة الوطنية بحكم البيعة التي هي نوع من التنصيب الوطني والتي تستمد قوتها القانونية من مبدأ الانتخاب العام ، كما أن الملك بصفته خليفة المشرع الأصلي يشاور أهل الرأي قبل اتخاذ قراراته .
فلم تخرج التقاليد المغربية الدستورية في العصور المتقدمة عن هذا الإطار الإسلامي الصحيح، وقد برهن ملوك المغرب عن استعدادهم لاستشارة كل من لهم رأي اختصاص في المجالات المختلفة قبل التشريع ، فنرى في عهد الموحدين الخليفة ابن  تومرت يعين مجلسا مصغرا مركبا من عشرة أقطاب الجيش والإدارة ليستشيرهم في شؤون الدولة، وذهب إلى أبعد من هذا بأن أحدث مجلسا للشورى يتألف من خمسين عضوا كان يستشير برأيهم في الظروف ذات الأهمية العظمى.
وفي عهد الملوك العلويين كان هناك ما عرف بمجلس الأعيان الذي كان يشمل عددا من الوجهاء والعلماء والأشراف، وقد كان المولى عبد العزيز عرض على هذا المجلس برنامج الإصلاحات المقترحة عليه سنة 1905 من لدن سفير فرنسا (سان روني طايلاندي) واستنادا لمعارضة المجلس أجاب السلطان برفض التصميم المقترح عليه قائلا:
"إن الجلالة الشريفة لا يليق بها أن تعاكس إرادة شعبها سيما وأن الأمر يتعلق بنقط يكون حق الشعب المغربي إبداء رأيه فيها"."ومنذ ولاية السلطان عبد الحفيظ سنة 1908 لأتضح تطلع المغاربة إلى الحياة الدستورية المبنية على دستور مكتوب وقد تضمنت البيعة الحفيظية (3) بيانا لهذا الاتجاه وقد عرف المغرب في ذلك الأثناء حركة أوريه تقدمية ديمقراطية تشكل مخلفاتها صفحة من أروع صفحات تاريخه (4)"."وإذا تصفحنا نص بيعة السلطان عبد الحفيظ التي جرت في سنة 1908 بمدينة فاس ، نجد فيها تشبث شعبنا بروح الحرية والديمقراطية." ومهما يكن فإن لسان المغرب) الأسبوعية الوطنية التي كانت تصدر بطنجة قد حفظت لنا من حسن الحط مشروع الدستور المغربي وبعض المقالات التي تدل على ما كان يجيش بخواطر رجال العمل الوطني في ذلك العهد، وعلى أن الحركة حركة شباب  ناهض ذي اتجاه قومي مضبوط، ويشتمل مشروع الدستور المغربي على أربعة أقسام: القسم الأول يتضمن القانون الأساسي للأمة، والقسم الثاني هو النظام الداخلي للمنتدى الدوري ، والقسم الثالث يتضمن نظام الانتخابات العمومية، والقسم الرابع يتضمن ما سماه واضعو المشروع بقانون الجزاء المغربي ، ويقضي المشروع بتأسيس هيئة تعرف (بمنتدى الشورى) تتركب من مجلسين :مجلس الأمة ومجلس الإشراف .والهيئة بمجلسها تعتبر أعلى هيئة في البلد ، ورأيها فوق كل رأي، ولها حق مراقبة كافة الإدارات والدوائر الحكومية وحق الإلغاء والإيقاف .والتنقيح بالزيادة والنقص فيما يخص مواد الدستور ، خاص بمنتدى الشورى لا يعمل بقراره في هذا الموضوع إلا بعد المصادقة الملكية عليه ، وتلزم المادة الثانية والتسعون منتدى الشورى بـأن تهتم في سنته الأولى بسن وتنظيم قوانين لكل إدارة من إدارات الحكومة للوزارات والمحاكم القضائية ، ودار النيابة والعدول، ولأمانة المستفاد(وزارة المالية) وللحسبة ، والأمانة الديوانات وللعسكرية وللضرائب، وللجنيات وغيرها ، فيكون لكل من هذه الإدارة والأمور المخزنية قانون خاص بها تسير بموجبه وتعمل بمقتضاه."وبالجملة فلقد أشتمل مشروع 1908، على الجوانب التي كانت تشغل بال النخبة المثقفة في البلاد ، وهو وأن لم يكن الدستور الذي يمكننا أن ننشده اليوم فهو يشتمل على النواة الصالحة التي وضعت ألاتجاه المغربي في ناحية الديمقراطية الشعبية ، وقد كان لنشر هذا المشروع في صحف المغرب، والذي يهمنا من هذا هو أن الحركة الشعبية في البلاد كانت ترى في المولى عبد الحفيظ رمزا لمقاومة الأجنبي وتنشد منه فيما يخص المصلحة القومية إلغاء سائر الامتيازات ، وفيما يخص  الإصلاح السياسي الخروج بالدولة من النظام ألأوتوقراطي  إلى حكم ديمقراطي تمكن به الأمة من مراقبة أحوالها وإصلاح شؤونها .. ولكن الضغط الدولي ورفض فرنسا الاعتراف بجلالته أدى إلى سلوك سياسة رأى فيها الشعب مهاودة لم ينتظرها منه، ولذلك بدأ يغلي ويفور ملتمسا من ملكه تنفيذ الوعود ، وانتهى الأمر، بهجوم الجيش الفرنسي على فاس (حاضرة البلاد )وإعلان الحماية في 30 مارس 1912(5).
وبالرغم من ذلك الفكرة التي ظلت سائدة إبان الحماية وبعدها هي أن المغرب ولا بد وأن ينسلخ من نظامه ألأوتوقراطي  العتيق لينسجم مع الأوضاع الديمقراطية السائدة في عالم اليوم ، وطيلة عهد الحماية لم تفتأ الحركة الوطنية الممثلة في أحزاب سياسية منظمة بأطرها وصحفها ، عن المطالبة بتحقيق أمنيته امتدادا لمطالب(نخبة لسان العرب)على  عهد المولى عبد الحفيظ ، وقد عذب رجالها وذاقوا الشدائد من أجل أفكارهم التحريرية ما ليس بخاف على أحد ن ومن حسن الحظ فإن هذه الحركة المباركة وجدت سندا قويا لها معززا لأفكارها في شخص جلالة المغفور له محمد الخامس وولي عهده جلالة الحسن الثاني حفظه الله ونصره ، فقد تبنى هذا  وذاك مطالب الشعب المغربي في الأهداف أو الوسائل ، فكان التنكيل والنفي جزاء الأسرة المالكة على مساندتها وتبنيها للتحديات ضد قوى الاستعمار المحاكة للإرادة الوطنية .
ذلك أن الملك المغربي وولي عهده كانا عاشقين لديمقراطية القرن العشرين و مؤمنين أشد الإيمان بصلاحيتها في البلاد، وقد أعربا عن ذلك في عدة مناسبات والبلاد ما زالت تئن تحت نير الاستعمار وتكافح للتخلص من سيطرته الخانقة  فمنذ سنة 1951 رأينا العاهل المغفور له يصرح في خطاب ذكرى العرش ما نصه :" هذا وقد سبق أن أعلنا لكم في عدة مناسبات أن أفضل حكم ينبغي أن تعيش في ظله بلاد تتمتع بسيادتها وتمارس شؤونها بنفسها لهو الحكم الديمقراطي الذي يوافق ديننا الحر الكريم ويضمن للأفراد والجماعات حياة الطمأنينة والاستقرار، وأننا ما زلنا على مبدئنا ثابتين وفي تحقيقه جادين ، إيماننا منا بأن هذا النظام هو الذي يكفل لرعايانا أقصى ما يمكن من حرية وعدل وكرامة ، وأننا لا نالوا جهدا في السعي وراء مصلحة الأمة والدود عن كيانها إلى أن تبلغ  إن شاء الله ما تصبوا إليه وتتمناه".
ورأينا الوطنيين المخلصين يرددون نفس الصدى في وجه سلطات الحماية ، ففي عهد الحماية كان هناك ما يسمى "بمجلس شورى الحكومة".وأول مجلس من هذا النوع أسس سنة 1919 ، وقد كان في  الأصل مجلسا مقيما وقطع عدة مراحل لا نريد التعرض لجميعها ، وإنما لإحداها على الخصوص، وهي مرحلة ما بين 1947-  1951 حيث تمكنت بعض العناصر الوطنية من بين الأحزاب السياسية ، من التسرب إليه والمشاركة فيه بصفتهم أعضاء في الفرق التجارية والفلاحة وإسماع صوت المعارضة والتنديد بأعمال المستعمرين.
وقد كانت خطوات العاهل المغربي بعد رجوعه من منفاه والإعلان عن الاستقلال في سبيل تحقيق الديمقراطية لشعبه وإرسائها على أسس الملكية الدستورية ، خطوات رصينة وتدريجية.
ففي خطاب العرش سنة 1955، كرر رحمه الله قائلا:"وسنقلد الحكومة مهمة وضع أنظمة ديمقراطية على أسس الانتخابات وفصل السلط في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم بحقوق المواطن وبالحريات العامة والنقابية".
وفي 3 غشت 1956، صدر ظهير شريف يعلن وينظم تأسيس مجلس وطني استشاري يركب من 76 عضوا عن طريق التعيين ، وتتمثل فيه الهيئات السياسية والنقابية والمنظمات الاقتصادية والاجتماعية و الفلاحية والتجار ورجال الصناعة والمهن الحرة والعلماء والمؤسسات الثقافية ، ويؤخذ نظره في ميزانية الدولة وفي جميع القضايا التي  يقتضي نظر جلالته عرضها عليه وبالأخص منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويبدى رأيه فيها بواسطة تصويت يكون بالاقتراع العلني وبأغلبية الحاضرين المطلقة.
وتلا ذلك منجزات ديمقراطية أخرى كان أهمها تأسيس النقابات المهنية وإعلان الحريات العامة والانتخابات البلدية(6)
ولم يكن ولي عهده إذ ذاك ، جلالة الحسن الثاني بأقل حماسا وتشبثا بأفكار والده التي هي أفكار الطبقة المتنورة في البلاد، فكلنا نتذكر سلسلة المحاضرات التي كان يلقيها سموه خلال شهر رمضان سنة 1957، فقد حاضر عن الوعي الاجتماعي ، وعن مشكلة البطالة وعن توجيه المغرب السياسي والدبلوماسي والإستراتيجي  ....وإني أتذكر على الخصوص أمسية 31 أبريل من تلك السنة في سينما (لامبير)  بفاس وما احتوت عليه محاضرة سموه حول موضوع الديمقراطية من أفكار قيمة وآراء وجيهة انشرح  لها جمهور المستمعين ، ومن جملة ماقال:"إن الحديث عن الديمقراطية قد حان أوانه خصوصا وأن، المغاربة المثقفين وغيرهم لا يتذكرون اليوم في ندواتهم أو اجتماعاتهم إلا عن الديمقراطية، وأن أمنية المغرب الآن هي في تدعيم استقلاله على كيفية عصرية وأن المغرب يهتم في الوقت الحاضر بالناحية الاجتماعية اهتماما متزايدا وأن صاحب الجلالة نصره الله يهتم بالعمال وبطبقة الكادحين ويضع تصميمات الحق النقابي وخلق كل الضمانات لاجتماعية للعمال ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى قال أجدر أحد يمكنه أن يطرق موضوع الديمقراطية هو البيت المالك خصوصا وأن جلالة الملك المعظم منذ زمن بعيد وهو يرغب في ديمقراطية المغرب ، والآن يريد نصره الله أن يرى في المغرب ملكية دستورية".
ومن جملة ما قال سموه في موضوع الديمقراطية متسائلا كيف يمكن أن تطبق الديمقراطية بالمغرب ،بأن الديمقراطية يجب أن تكون وليدة لكل أمة ويجب أن تبدأ الديمقراطية عندنا من الطبقة السفلية ، فنبدأ بالمدينة والقرية وعندما نكون مجالس بلدية ومجالس قروية تحث مجلسا منتخبا من الشعب يسهر على مصالحه ويعمل من أجل النهوض بكل شؤون الدولة والبلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وعسكريا ، وأن الديمقراطية ليست فردية بل إنها جماعية وأنها في القرن العشرين ليست فكرة فلسفية بل فكرة عمل ، فروسو يقول: الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب ، وأنا أقول: أن الديمقراطية التي يجب أن تبع في المغرب هي حكم الشعب في صالح الشعب بواسطة نخبة من الشعب ، وهي النخبة التي تقوم بتكوينها الأحزاب السياسية أن توحدها وتربي فيها حسب الصالح العام ، وقال سموه في النهاية :" وفي مدة قريبة سيكون لنا برلمان ودستور وأن جلالة الملك سوف لا يسلك تجربة إلا غذ كان المغاربة موافقين على تلك التجربة".
فهكذا كان سمو ولي العهد يدلي بآرائه الخاصة في موضوع الديمقراطية والحياة النيابية ويعبر في نفس الوقت عن أفكار والده العاهل العظيم المتجهة إلى تزويد البلاد بجميع المؤسسات الديمقراطية التي يجب أن تقوم عليها نظام الملكية الدستورية والمنشود، ولهذه الغاية بالذات رأينا الاستشارة الملكية لأصحاب الرأي والاختصاص  وللطاقات الحية بالبلاد يتسع نطاقها يوما بعد يوم حتى أصبح يتجسم على الصعيد الوطني في عدة هيئات ثم إحداثها ما بين سنة 1955 و 1959. ولئن كانت هذه الهيئات لا تتمتع بحق التقرير، فإنها لم تكن مجرد لجن مساعدة إذ كان عملها يتجه صوب ميادين معينة ويتسم بروح التقنية .

لا إن كان ذلك غير كاف ليقال بأن الدولة المغربية قد أصبحت دولة ديمقراطية :لأن كل ما تقدم أنما كان بمثابة مرحلة انتقالية- من ناحية الأساس السياسي- ينتظر منه أن يفضي إلى وضع تحدده وثيقة دستورية طالما نشدها المغاربة (7).

فكيف إذن تحققت فكرة الدستور ؟..
لقد استمر العاهل الكريم رضوان الله عليه في مساعيه بنفس الرصانة والتدريج فسمعناه يصرح في خطاب له يوم 8 مايو 1958، محذرا من السرعة  والارتجال ومهيبا إلى بناء الديمقراطية على أسس صحيحة وبالاستفادة من التجارب التي مرت بغيرنا من الدول، فقال ما مؤداه " بمجرد ما يتم انتخاب المجالس البلدية والقروية سنحقق إصلاحا جديدا  وهادفا بإحداث مجلس وطني يكون لأعضائه حق التقرير ليحل محل المجلس الوطني الاستشاري ، ويمنح لهذا المجلس الجديد مسؤوليات تقضي المصلحة العامة بساندها  إليه ، وبالأخص التصويت على ميزانية الدولة ، وأن أعضاء هذا المجلس سيقع انتخابهم من لدن المجالس المحلية ومن بين أعضاء هذه المجالس..... وعندما يتم إحداث هذا المجلس، سنعمل على تحقيق إصلاح  دستوري أهم وذلك بتنصيب مجلس على أسا الانتخاب العام".
إلا أن الظروف حالت دون تحقيق هذه المشاريع، فنتج عن ذلك أن توقف سير المجلس الوطني الاستشاري بتاريخ 23مايو ، 1959 ولم يقع انتخاب المجالس البلدية والقروية إلا بتاريخ 29مايو1960، فلم يخرج المجلس الوطني المتمتع أعضاؤه بحق التقرير إلى الوجود رغم أنه كان من المنتظر أن يتولد عن تلك المجالس المحلية ، فأدى الحال إلى تنصيب  المجلس الدستوري الذي اشتمل على عدة أعضاء بواسطة التعيين.
ولم يكتب لهذا المجلس البقاء بدوره لأسباب لا يسع المجال لذكرها، إلا أن جلالة الحسن الثاني غداة اعتلائه العرش المغربي أبى إلا أن يؤكد نيته وعزمه على تحقيق مشاريع والده المنعم في تزويد البلاد بالدستور المنشود، فأعلن عن ذلك في غير ما مناسبة، وبالأخص في الخطب التي كان يلقيها في غضون مايو وأبريل 1961 أمام مجالس  كبريات مدن المملكة.
فكانت هناك مبادرة أولى بأن أصدر العاهل المغربي بتاريخ 2 يوليوز، 1961 فهذا ملكنا ضمنه عدة مبادئ دستورية ، فأصبح هذا القانون الأساسي للمملكة يطبق لفترة انتقالية وبصفة موقنة إلى أن وقع الإعلان عن الدستور يوم 14 دجنبر 1962. وفي 18 نوفمبر 1963 وقع تدشين أول برلمان مغربي، وبذلك أصبح المغرب ملكية دستورية ذات نظام برلماني.

وبعد .. فما هي العبرة التي يمكن أن نستخلصها من هذا العرض الذي حاولنا فيه إبراز الخطوط الكبرى للتطور العميق الذي تسلسلت مظاهره عبر العصور والذي خرج بنظام الحكم ببلادنا من نظرية الملكية الدستورية والنظام البرلماني؟.

لقد سبقت الإشارة إلى شتى العوامل التاريخية التي أدت ببلادنا إلى هذا التطور في المجال الدستوري، والتي تجلت في عدة مظاهر.
نعم، تجلت في بساطة نظرية السيادة بالمغرب واستنادها إلى مصادر الإسلام الأولى الواقعية.
تجلت في قاعدة البيعة التي تضفي على السيادة رداء المشروعية ومصادقة الأمة.
تجلت في وجود حدود للسيادة رغم سعتها ن تلك الحدود التي تحفظ لمثلي الأمة الضمنيين حق النظر في توافق الأعمال الملكية مع قانون الإسلام .
تجلت في واقع الأمة المغربية وتقاليدها الأطلسية الخاصة.
تجلت في اتجاه ملوك المغرب واستعدادهم للاستشارة مع الرأي والاختصاص.
تجلت في الحركات الدستورية السالفة وبالأخص في مساعي نخبة "لسان المغرب".
تجلت على عهد الحماية وبعد الاستقلال في رغبة الشعب المغربي على لسان مثقفيه وزعمائه السياسيين في المشاركة في تقرير مصير البلاد وفي مراقبة أعمال الحكومة وفي الحياة الديمقراطية .
تجلت في عهد العاهل  محمد الخامس طيب الله تراه في خطواته ومساعيه ومشاريعه الديمقراطية والتحام أفكاره ومبادراته بمطامح ورغبات شعبه ، وفي منجزاته التي كانت النواة الأولى للمؤسسات الدستورية.
تجلت في النهاية في عزم جلالة الحسن الثاني حفظه الله وأيده ونيته في تحقيق مشاريع والده المنعم ومطامح الشعب المغربي التي هي مطامحه وفي إدخال ذكرى الدستور في حيز التطبيق .


(1) في نهاية القرن التاسع عشر عندما بلغت الإمبريالية مرحلتها العليا وتم لها غزو الأوطان والبلدان الضعيفة في آسيا وإفريقيا الواحدة تلو الأخرى، واحتل الاستعمار الأوربي أقطار وقارات بأجمعها كان المغرب أيضا محل أطماع المستعمرين ، فحاولوا بكل الوسائل أن يخضعوه لسيطرتهم وأن يكبلوا شعبه الأبي بسلاسل وأغلال الاستعباد والاستغلال، وكانت هذه المحاولات كلها تصطدم بإرادة شعبنا القوية وبغيرته الكبرى على استقلال بلاده وحريتها ، استقلال وحرية كان شعبنا لا يفصلها عن ضرورة إصلاح النظام الداخلي الفاسد لإيمانه بأن نظاما من هذا النوع يسهل التدخل الأجنبي ويفتح المحال للغزو الاستعماري ، وهكذا بعدما اجتمعت الدول الاستعمارية سنة 1906 في الخزيرات واتفقت فيما بينها على العقد الذي يحمل هذا الاسم ، وفتحت أبواب المغرب على مصارعها إلى تسرب الاستعمار.
(2) عبود رشيد عبود – المقارنات في النظم السياسية والدستور في المغرب-
(3) أنظر النص الكامل للبيعة الحفيظية في "تاريخ مكناس" لعبد الرحمان ابن زيدان
(4) عبود رشيد عبود- المقارنات.
(5) الأستاذ علال الفاسي- كتاب " الحركات الاستقلالية في المغربي العربي ".

(6) ظهير 16 يوليوز سنة 1657 بشأن النقابات – المهنية – في 15 نونبر 1958 ، تمت المصادقة على ثلاث ظهائر تنظم وتقرر الحريات العامة ويتعلق الأول منها بنظام تأسيس الجمعيات ، ويتناول الثاني ، مسألة التجمعات العمومية وينظم الثالث موضوع الصحافة والنشر.
- ظهير 30 دجنبر سنة 1958 بشأن أحداث أعلى القضاء.
- ظهير فاتح شتمبر 1959 بشأن انتخاب المجالس الجماعية . 
(7) عبود رشيد عبود – المقارنات- 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here