islamaumaroc

لماذا أحببت دمشق -2-

  دعوة الحق

143 العدد

تسألني لماذا أحببت دمشق. وهل يسأل المرء كيف عشق ولماذا أحب.
 لقد أحببت دمشق على مراحل،لأن معرفتي   بها بدأت مع الزمن وتطورت،كالهوى العذري،لقد انتقلت علاقتي بها عبر الحياة ،و التصور إلى الحقيقة التي لا تزول ، ونمت محبتي لها فترة فترة وزمنا بعد زمن ،لقد رسخت صورتها في ذهني .فهي جزء مني أو هي بعضي كما يقول الشعراء .
كنت تلميذا في بلذتي الريفية سلمية ، وكان لي رفاق من دمشق يعيشون معي ، وكانوا أكثر دهرهم يتحدثون عن بلدهم حديث الشوق والأمل ، يعرضون ذكرياتهم وأيام صباهم وكنت أصغي إليهم وأعجب لألسنتهم كيف لا تهدا عن ذكر –دمشق ،حتى حفظت أسماء المهاجرين :الجسر،الشيخ محيي الدين وغيرها من أحياء المدينة ،كما عرفت الشوارع والمنعطفات من مثل :شورى ،والباشا كاتب والشمسية والشطا ، و القيمرية ، وسوق ساروجة ، وكثيرا ما كنت أرى الدموع في العيون ،و استمع إلى اللهفات تند من افواه أولئك الرفاق ،وكنت أحس باللذة في ترداد هذه الأحاديث فألح في معرفة الأمكنة والأشخاص والحوادث وهي تمر خلال الحكايات والروايات ، وكثيرا ما كنت اسأل احدهم أن يرسم لي مصورا للمدينة التي عشقتها على السماع :والأذن تعشق قبل العين أحيانا .فكنت احفظ ما فيه بدء بالبحصة مارا بسوق على باشا إلى المرجة مصعدا حتى أصل إلى المهاجرين .
لقد عرفت الحياة الدمشقية قبل أن أرى المدينة الخالدة ،وعشتها في خيالي فكان الشوق دليلي إليها ،وفي الليلة التي تقرر فيها أن أزور دمشق، لم أنم ، لقد كنت احلم بدمشق ،حتى منعني الحلم من النوم ، وأيقظتني التصورات حتى الصباح .
وجئت دمشق تلميذا مرهقا متعبا، أنهكني الدرس وقلة النوم ،وخوف الفحص ، ومررت بالسيارة في شارع بغداد ، وأحسست أنني أفتح عيني أكثر مما يجب ، لأرى أكثر مما يتسع له البصر ، وانحدرت من هذا الشارع إلى سوق ساروجة ، ثم جوزة الحدباء ،حيث كان الفندق الذي اخترناه أو اختير لنا .
وسرعان ما تركت الفندق لا الوي على شيء ، أريد أن أرى دمشق ،أريد أن أطوف فيها على مهل ،وخرجت إلى سوق علي باشا لازور أول مطعم أراه .وهو مطعم(وردة)عليه وعلى أصحابه  و أيامه رحمة الله .ودخلت مشدوها أتأمل الجدران المزوقة ،والسوق المطرزة والنوافذ الملونة ،فأعجب بكل ذلك ويخطفني الخيال ليعيدني إلى بلدتي الصغيرة القديمة فيحرجني البون الشاسع و الفرق البعيد.

خرجت من السوق إلى (المرجة )المرجة الخالدة ،ساحة الشهداء ،فوقفت حيران التفت يمينا و شمالا،اسأل عن كل شيء لأني أريد أن أرى كل ما تخيلته سنين طويلة من الشوق و الأمل .
ولقد جئت دمشق أثب من الشوق وثبا ،ولكن فكرة الفحص كانت تعكر صفوي ،غير أني نجحت وكأن دمشق أبت أن تخيب ظني فيها ،وعشت سنة أخرى ،وأخرى حتى امتدت بي الغدوات و الروحات طوال أربعين سنة ،وحتى قطنت المدينة التي لم استطع تركها منذ أن عرفتها .لقد وجدت مصداق ما كنت اسمعه من الرفاق فاطمأنت إليها و أحببتها ،وضحك لي الحظ فيها وكان معرضا عني ،واستجاب لي الزمن فلم اعرف فيها خذلانا ولا باسا فازداد حبي لها وتبث على الأيام :ولقد قيل:بحمد السوق من ربح .
ورأيت في دمشق  ما لا يمكن أن أراه في غيرها ،إنها العاصمة التي ظلت زمنا مهوى الأفئدة وغاية الشعراء والأدباء من البلاد العربية وغيرها فلقد عرفت فيها شوقي وحافظ و الرصافي و الزهاوي ،ومطران وكان هؤلاء رجال العبقرية والعلم ،وكانت دمشق تبدو في زينتها حين يمر بها احد هؤلاء ، فتزداد مقاصفها ،وتبتسم حدائقها لاستقبال الضيوف من العظماء فكنا نجلس إليهم ونتحدث معهم و نحن في نشوة من هذه الفرحة النادرة و المناسبة العابرة ،
جاء شوقي وعبد الوهاب ، وجاء حافظ و مطران ،وعرفنا فيها الشعراء والممثلين و المطربين والعازفين ، وهل عند الأديب أعظم من هذا ؟..لذلك كله أحببت دمشق.
وكان في دمشق ،يوم عرفتها، أصحاب النكتة البارزون ،وقد مضوا إلى رحمة الله فلم يخلفهم احد لوكان الزمن قد انقلب ، أو كان الأيام قد دارت بنا لترينا صفحة أخرى من هذه المدينة الخالدة .كان أبو درويش سويد وعلي الزركلي ،ووجيه الزين وإبراهيم نصري وعادل ياسين وسليم شاكر وحسني تللو ورشدي القوتلي وغيرهم وغيرهم ،وكانت هذه الألوان تجتمع كلها في المنازه أو البيوت مثل بيت فخري البارودي الذي كان بيتا وناديا و مكتبة ومصدرا للإشعاع الوطني .وهو الذي وصفه الرصافي فقال من قصيدة :
من رام منكم أن يعز بلاده    فليسع سعي معزها البارودي
لم نكن نعد الساعات و الأيام. إذا كان الزمن فرحا كله وكانت الأوقات تمر وكأننا في أرجوحة من النشوة و السعادة .وكان من المستحيل علينا أن نجد هذه الوليمة الفخمة من الفن والأنس و الفهم في غير دمشق ،ولهذا أحببت دمشق .
ودمشق واقعة في بقعة معتدلة الهواء و الماء تكاد تكون فريدة بين بقاع الدنيا،تجد فيها الجبل والسهل وتلقى الهضبة و الوادي ،ويلتقي فيها الحر والبرد والاعتدال .فيها الصحراء والخضراء ،وكل له طعم ،كالخمر كل مليحة بمذاق ،كما قال شوقي ، ولو ذهبت شرقا لنعمت بدفء الفوطة وظلها الظليل ،فإذا التفت غربا ،وجدت الماء والخضرة و الماء الزلال ولو توقلت قاسبون (1)لأحسست نظافة الهواء ولدبت الحياة في جسدك ،فإذا أحببت الاصطياف خرجت بعيدا قليلا إلى الزبداني لترى صورة من مصايف لبنان ومجالي أوربا .إن دمشق مجموعة من الألوان في إطار عجيب يضم إليه مختلف الأقاليم و المناظر و الأهوية ولذلك كنت مجبرا على حب دمشق .
فإذا عرجت على أسواق دمشق ،وجدت نظاما ودقة و لباقة ،وتتحدث فتلقى لطفا و صوتا يؤنسك و يريحك حتى تشتري وأنت في غير حاجة ، ولن تجد كالأديب محتاجا إلى الأنس و الملاطفة لذلك أحببت دمشق .
فإذا أضفت إلى ما في دمشق من مغريات ومحببات ،الذكريات الحسان والأيام الماضية ،أدركت سبب حبي وإيثاري لدمشق ،لقد أحببتها حتى لم استطع فرقها ،ولو أردت كرهها لما قدرت على ذلك ،وهل يكره المرء حياته و ماضيه ،وقد بات الماضي أكثر مما بقى  دمشق هي الأم الرؤوم ،والوالدة الحنون ،لم تبخل علي بشيء ،فلا اقل من ان امنحها حبي ووفائي .
سلام من صبا بردى ارق                        ودمع لا يكفكف يا دمشق
لقد أحب حافظ دمشق حتى بكى سرورا:  
 شكرت صنيعكم بدموع عيني                 ودمع العين مقياس الشعور
لأول مرة قد ذاق جفني                         على ما ذاقه طعم السرور
ولكن دمشق قد اعتلت وتغيرت ،لقد مشى الزمن بها كما مشى بغيرها ،فصرفها عن حياة الأنس إلى حياة الجد والوقار ،لقد غابت البسمة والفرحة ،ليحل محلها الجد و العمل ،و العمل أمر لازم شريطة أن لا يمنعنا من الحياة ،فانا اكره العبوس و التقطيب ،و أضيق ذرعا بالوقار، لاسيما إذا كلن متكلفا ،لقد كانت دمشق بسمة مرحة فأصبحت عبوسا ،حتى بتت لا اعرفها ،كما عرفتها ،فإذا مررت اليوم بمواطن الأنس ، نديت عيناي بالدموع .إنا في حاجة إلى المرح القديم .المرح الذي عرفته في دمشق ، يوم كانت دمشق تعمل و هي تبتسم ، لقد فقدت في دمشق حياتي الماضية ،فانتقلت من عالم إلى عالم .ولم يبق لي غير الذكريات أستعيدها و أتأملها و كأنني أرئي عزيزا أو ابكي صديقا .
بلد صحبت به الشبيبة و الصبا                 وليست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رايته                     وعليه أغصان الشباب تميد
لقد أحببت دمشق لأنني وجدت فيها ما تطلبه النفس وما يرغب به القلب.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here