islamaumaroc

الأمير شكيب أرسلان والشيخ رشيد رضا…وثيقة وعبرتها -2-

  دعوة الحق

143 العدد

استهل القرن الجديد والعلماء الذين في الأقطار العربية خاصة حرمة و إجلال، هم المرموقون من دون الزعماء و الحكام، لهم المكانة وكلمتهم هي المطاعة.ولعل الفضل في ذلك يرجع إلى إعلام منهم راقبوا الله في علمهم و عملهم وسلوكهم حين أيقنوا أنهم موقوفون بين يدي الله فمسئولون عما قاموا به من واجب نحو أنفسهم و نحو الأمة عامتها و خاصتها ،وهل أوفوا بما أخد الله عليهم من ميثاق يوم آتاهم العلم و الكتاب ؟ فتبثث لهم في النفوس تلك النجلة لمواقف وقفوها آمرين بالمعروف وا ناهين عن المنكر لا تأخذهم في الله لومة لائم ،وجمع القلوب عليهم عزوف عن المطامع وعكوف على الخير والنفع العام ،فدان لهم الصغير و الكبير ،وكان لأكثرهم مكاسب مشروعة من تجارة أو صناعة أو زراعة صانت وجوههم عن أبواب الحكام .
واختلف تقدير الناس لأفرادهم على قدر التزامهم بما يجب عليهم أو تفريطهم فيه.وكان بينهم –كما في كل طبقة –أشرار تظاهروا بالصلاح،فساء حكم الجمهور عليهم جزاء وفاقا، استغلوا مظاهرهم وعقيدة الناس فيهم و تسليمهم بما يقولون أو يعدون في معاملاتهم ،وكان منهم غش و خداع وتكالب على المطامع وبيع للدين بالدنيا . وسرعان ما كشف الله للناس خبيئتهم ،فأساؤوا إلى أنفسهم وإلى سمعة زملائهم الأبرياء ، حتى شاع أن مظاهر الصلاح هذه شباك للخداع ولأكل الأموال بالباطل . والعامة لا تمييز لها ، بل هي تسارع إلى تعميم الأحكام ولا تصيب الذين ظلموا خاصة.
هذه حال الناس يوم كتب الأمير شكيب رحمه الله هذه الرسالة التي نشرناها في عدد سابق .
ولابد لعالم الدين من مورد مشروع يعيش به ، وهو يعلم  جيدا أن أول ما يجب عليه الكسب الحلال ، وان من القبيح أن يعيش عالة على غيره ، فانصرف أكثر أهل العلم على مهنة يتعلمها ليعيش وأهله من كسبها، ولم يكن للوظائف الرسمية حينئذ الإغراء الذي صار لها فيما بعد ، بل كان الورعون يترفعون عن مال الحكومة و يعدونه (مشبوها). ولا يزال الدمشقيون يتناقلون عن آبائهم خبر الشيخ الحالك ،العالم الذي اضطرت إليه الدولة فأخذته من وراء (النول)الذي يحيك عليه إلى منصب الإفتاء .
لقد كان عملهم يضبط سلوكهم في تجارتهم  و صناعاتهم و زراعاتهم وسائر معاملاتهم ، فإن شذ أحدهم عن الطريق القويم كانت سقطته أشد من سقطة غيره ، ولا غرابة في ذلك ، فعالم الشريعة في نظر الناس كالثوب الأبيض تشتهر اللطخة الصغيرة علبه في حين يخفي أكبر منها بكثير على غيره من الثياب .
الصناعات الشريفة إذا من شأن أهل الشرع، وعلى كل منهم أن يتقن واحدة منها تكفيه هم العيش ليجد فراغ بال حين ينصرف إلى عمله إرشاده، فهل (السياسة)التي عندنا صناعة شريفة ؟ وهل تليق بأهل الشرع ؟
 
أحب أن أصرح قبل الجواب ، أن مفهوم (السياسة) لدى الناس غير محدود ، فمن السياسة عندهم مساع لرفع الحيف و الجور ، و منها الثورة على الغاصبين المحتلين ، و منها قتال المعتدين و منها السعي في تكتل حزبي لبلوغ مطامع أو مناصب بطرق سياسية (أي غير مشروعة) ، و منها و منها ..
لابدا بما أسميته رفع الحيف و الجور لأقرر أنه من واجب العلماء الأول ، فإنكار المنكر باليد واللسان و الجنان مما فرضه الشارع على جميع المكلفين و أهل العلم في طليعتهم ، و أثني بالثورة على المحتلين و قتال المعتدين فهذا هو الجهاد المفروض على كل القادرين وأهل العلم في طليعتهم . ولست أنسى الشيوخ الذين تسارعوا إلى الجهاد في حرب الفرنسيين في (ميسلون) سنة 1920، ولا الذين كانوا في طليعة المقاتلين للعدو في معارك الفوطة (غوطة دمشق)يوم ثارت البلاد على الفرنسيين ، لقد كانوا ملهج الألسنة و شفاف القلوب و منازل الرحمات ، تزار قبورهم و تكرم أسرهم ، و تدعو لهم الأمة بالرحمة والرضوان ، و من منا لا تدمع عيناه الآن كلما ذكر بالتقديس جهاد العلماء السنوسيين و عمر المختار للطليان ، و محمد بن عبد الكريم الخطابي في ريف المغرب الفرنسيين والأسبان ، و الشيخ عز الدين القسام في سهول فلسطين وجبالها وغيرهم من الشهداء العلماء العاملين ، الدين سارعوا إلى طاعة الله فأكرمهم ورضي عنهم .
هذه طريق لأحبة واضحة لا زلق فيها و لا زلل، أما إذا بلغنا الثالثة وهي المفهوم الشائع اليوم لكلمة السياسة فكلا ثم كلا ، إن السعي لبلوغ مطمح أو منصب عن طريق ممالأة لزعيم ، أو تزلف إلى حاكم ، أو انضواء في أحزاب ما كان منها يوما من الأيام إلا تصديع الصف و تفريق الكلمة و تمزيق الشمل  و إضاعة مصالح الأمة وتسليم بلادها في بعض الأحيان ... إن هذا كله ينبغي أن يترفع عنه كل ذي شرف،  و لان يقطع المرء الصخر و يكسر الحطب خير له من كسب يأتيه من هذا الطريق، استغفر الله ن بل لأن يمد يده يتكفف الناس فيعيش مما يلقون إليه برضاهم أشرف و أسلم .كيف نرضى لمن تعلم كتاب الله أن يخالفه جهارا نهارا فيعمل في حرفة أداتها الغش و الخداع و التضليل و الافتراء و التزوير و الطعن بالشرفاء  و الاحتيال على الضعفاء و إحداث الخلاف و الفتن حتى إراقة الدماء ليفوز حزب كذا لو زعيم كذا فيلقي إليه الفائز بفتات يعيش عليه بعد طول ما خدع الناس و كذب عليهم و باع دينه لدنيا غيره، إن هذا هو الذي ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا .
اعرف عددا من علماء الشرع زاولوا السياسة (في نيابات و وزارات و مناصب شرعية وصحفية)فكانوا كمن وقف على شفى جرف هار ،و مهما يصنع السياسي فلا يحمده إلا من انتفع بصنيعه ، حتى أفراد حزبه و حتى صحف الحزب لا يمدحونه إن لم يصل إليهم من صنعه نفع ، أما الآخرون و هم جل الناس فنصيبه منهم الطعن و القذف و الشتائم ة اللعنات و الاتهامات ليل نهار ، و أنا أحب أن أقرر هنا –و الشهادة لله-أن هؤلاء الذين عرفتهم من علماء الشرع السياسيين ينطوون على خير للأمة ، و أن صوابهم أكثر من خطئهم ، و أنهم مظلومون جدا ، مظلومون من خصومهم ، مظلومون من شعوبهم ، مظلومون من التاريخ . لقد زاحموا أهل الجيفة على جيفتهم –على حد التعبير المشهور عن المتكالبين على الدنيا –فهيهات أن ينجوا من تشبتها و طعمها . ولو بقي هؤلاء السادة في عملهم الذي تعلموا العلم من أجله لكانوا موضع إجلال من الجميع ، و لنفع الله بكلماتهم وتوجيههم ولفازوا برضى الله. 
إنك –في عرف مجتمعاتنا –متى تدخل في حزب أو جماعة فقد أعلنت عداءك لبقية الأحزاب و الجماعات ، هذا نظر الناس عندنا شئنا أم أبينا ، فما لك و لهذا و أنت لا تريد إلا خير الجميع ، ابتعد عنهم جميعا يأتوك جميعا .
إن واحدا من هؤلاء لا يزال على قيد الحياة، يستوجب عمله أن يكون بابه مفتوحا للجميع، يوجههم و ينصحهم و يأمرهم و ينهاهم، وهو في نفسه موضع ثقة ، صالح غيور على مصالح الأمة ، دين صين ، بعيد عن المكر و الدهاء ، تغلب عليه سلامة القلب ، له أشراف بحكم منصبه على جمعية خيرية واسعة الانتشار ذات تقاليد و أعراف ، أخضعها في تاريخها الطويل ذوو الوجاهة و المطامع لمنفعتهم . قال محدثي : "فأشار عليه بعض المقربين منه من خصوم أولئك  المستنفذين بإبعاد ذوي المآرب الخاصة عن التحكم في أمورها ، وذلك بالإشراف المباشر على تطبيق روح القانون في انتخاباتها و بذلك يقل انصار المتسلطين في الجمعية ، فقبل المشورة .و لما حاول ذلك  زلزل ذوو المطامع و النفوذ الأرض من تحته ، و تناولته صحفهم و دعاياتهم و منشوراتهم و حتى زعانفهم بالطعن و التشهير ، و هو لا صحف له و لا دعايات و لا زعانف ، لم يخافوا الله في بريء أراد خيرا ، و لا في منصب يقتضي الأدب الرفيع –في بلدهم خاصة –احترامه و إجلاله ، ولا في دين ضعفت رابطة معتنقيه من دون سائر الطوائف لسوء تصرف زعمائهم .لم يخطئ الرجل و لم يسيء ، و ظاهر ما أشار به المشيرون عليه حق واضح ، كل ما في الأمر أن إنفاذ هذا الحق اصطدم بمصالح المتلاعبين بالجماهير الغافلة الطائشة فلم يبالوا في الحملة عليه مصلحة ولا دينا و لا خلقا .
و هذه حادثة أخرى شهدتها بعيني ووعيي و أنا في الرابعة عشرة : أراد الفرنسيون قبيل الثورة السورية و قد أحسوا بغليان الشعب ، أن يخدروه ، فدعوه إلى انتخاب (مجلس تمثيلي ) و أعلنوا قانون الانتخاب ، و علم الشعب أن الغاية منه إضفاء شيء من الشرعية على الاحتلال الفرنسي، فقاطع الانتخاب ، إلا أن أفرادا تقدموا لملء المقاعد ثم أعلنت السلطة أسماءهم و انعقد المجلس .
كان أبي رحمه الله يصطحبني إلى المسجد الأموي بين المغرب و العشاء فنحضر حلقة الدرس ثم صلاة العشاء، فإنا يوما لمنتصبون للصلاة وقد أقيمت و كبر الإمام ، فلم يرعنا إلا أصوات جهيرة من نواح مختلفة في المسجد تنادي (الصلاة الصلاة ) ،ألا تصلوا وراء الخائن ، هذا فرنسي خائن ...الخ)
فالتفت فإذا جماعات كثيرة متفرقة ، كل منها قدم إماما ، ولم يبقى من الصفوف الطويلة العشرة إلا عشرة أشخاص وراء المحراب ، و الذي زار المسجد الأموي و عرف اتساعه يتصور عظم الهرج و المرج الذي حصل ، و استمعت أنا إلى قراءة الإمام فإذا بها راجفة متعتعة على غير المألوف ، فلما انتهى من صلاته-و عادته أن يتلبث فيؤدي السنة  ثم الوتر و يدعو و يؤمن المقتدون ثم يشيعه إلى داره القريبة من المسجد جيرانه –لما انتهى من صلاته غادر المسجد مصفرا خائفا يمشي بسرعة وحيدا و الأنظار تحفه باللعنات ، ثم مرض قهرا ثم مات ، فسألت : (ما شأنه ؟)قالوا (عضو في المجلس التمثيلي.)ثم عرفت فيما بعد وقد قرأت تاريخ هذه الفترة و سمعت عن أحداثها أن المسكين تقدم عن غفلة و حسن نية ، و أن مواقفه في المجلس كانت مشرفة ، لكن الجماهير لا وعي لها ، يعبث بها خبثاء ذوي المآرب ثم هي شديدة الحساسية تريد من رجل الشرع إعلان عدائه  و مقاومته للمحتل الأجنبي ، و تعتقد فيه القدرة كأن معه جيشا و عتادا كفيلين بحمايته و طرد المحتل .
و قد كنت فتى من هذه الجماهير حين أجبت عضوا من جمعية إسلامية دأبت على إصدار منشورات تطالب العناية يدرس الدين في مدارس الحكومة و زيادة حصصه و كان الفرنسيون قد أنقصوها :سألني : (ما رأيك في هذا المنشور ؟)قل(أرى –صيانة لدرس الدين –أن تطالبوا بالغاله)فعجب جدا و قال(كيف ؟ و لمه؟) قلت: إن للدين حرمة في النفوس طبيعية ، فإذا ألغيتم الدرس بقيت الحرمة ، و يتعلم الناشئ دينه في أسرته و في المسجد ، لكن إبقائه –و بعض مدرسيه يمالئون الفرنسيين –يوحي إلى الأطفال و قد تشبعوا بروح المقاومة إن هذه الممالأة من الدين فيكفرون به )فلم يحر جوابا .و أسأل نفسي الآن : ماذا صنع مدرس الدين المسكين رحمه الله ؟إنه كان يرد على التحية التي يلقاها بها المدير الفرنسي بمثلها كما يفعل كل مدرس غيره تماما ، فأفردته أنا و رفاقي بالإنكار لأنه شيخ متعمم كان حقه –في رأينا –أن يبصق في وجه الأجنبي الغاصب .
هذه الحساسية العامة هي التي لم يراعها كثير من أرباب الشرع و هي ذات أثر بعيد في الجماهير، و هم يرددون في وعظهم للناس:(رحم الله أمرا جب الغيبة عن نفسه)و(ابتعد عن كثير مما لا بأس به حذرا مما به بأس).وقص علينا حينئذ مدرس التاريخ ، أن المعتمد البريطاني في مصر ضاق صدره من عالم أزهري صلب قوي الشكيمة ، تأبى على كل أساليب البريطانيين الناعمة و مصائدهم الخفية، للعامة فيه عقيدة عظيمة و له شعبية واسعة و لكلمته نفوذ ، ففتقت الحيلة و إنعام النظر للمعتمد خطة قد تنجح .ففي حفل عام كبير(عيد أو ذكرى المولد النبوي ) حضره الخديوي ورجال الحكومة و علماء الأزهر و الوجهاء و الأعيان و ازدحم بعامة الشعب، كان هذا العالم جالسا في الصف الأول ، فلما حضر المعتمد جعل يشير إلى أفراد الصف الأول بالتحية إشارة والناس جميعا يرقبونه ، فلما حاذى هذا العالم وقف ورفع قبعته على أعين الملأ وصافحه مصافحة حارة طويلة لفتت الأنظار ، ثم أتم تحاياه على البقية بالإشارة الخاطفة و جلس، و صار الناس يتهامسون ، فما انقضى الحفل حتى تناقلت أفواه النظارة(هذا الذي كنا نظنه قطب العلماء ؟..
 
انه جاسوس انجليزي ) وشاعت في البلد فخسر المسكين شعبيته و كسب كره الخديوي و رجاله و كسب اللعن و الطعن .
للغزالي رحمه الله كلمة مأثورة ( و من لم يعرف أحوال زمانه فهو جاهل) ، قام بهذه الكلمة الأجانب فنجحوا ، و أهملها أكثر العلماء و الشرع فضعفوا:إن فهم أحوال الدنيا علم ضروري و كان على العالم الأزهري أن يسبق المعتمد في فهم المجتمع المصري و تقلباته و نفسيته حق الفهم .

و مالي و أضرب الأمثال من ذاكرتي ووثيقتنا هذه ناطقة بالعبرة .ليس المرحوم الشيخ محمد رشيد رضا بالمجهول لنا اليوم ، قرانا تفسيره و فتاواه و بحثه في مجلة المنار ) منذ نعومة أظفارنا ، وأنا إلى الآن أقدر عمله و دعوته إلى الإصلاح غاية التقدير ، و الأمير شكيب رحمه الله أشد مني لعلمه تقديرا إذ هو خليطه و صديقه ، و عنوان كتابه فيه(الشيخ محمد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة)دال على مكانته في قلبه .لكن إقامة الشيخ في مصر سنين طويلة سهلت على الأحزاب و محترفي السياسة اجتذابه إليهم ، و كان للسوريين النازحين إلى مصر أيام الحكم العثماني ثم الاحتلال الفرنسي أحزاب و فئات تزعم كل منها متزعم ،أسست في أول الأمر لإنقاذ سوريا من الاحتلال فاشتغلت بهذا قيراطا و بحملة بعضها على بعض ثلاثة و عشرين قيراطا ، و حاول كل حزب أن يضم إليه من له وجاهة أو نفوذ أو نفع ما للحزب ، و نشأ الخلاف و هو أمر طبيعي ، معه سوء الظن و الطعن بالمخالف و هما غير طبيعيين ، ثم سال هذا الشر من نوادي الأحزاب إلى الصحف ، و لم يبقى ذو شان فيهم إلا (شرحه) الطاعنون و فضحوا مآتيه العامة و الخاصة بحق و غير حق ، فإذا صدقنا ما نشر حكمنا على الجميع بالخيانة و العمالة لفرنسا أو انكلترا مع سوء السيرة الشخصية .
كان للسيد رشيد و قد رفع "مناره" فاستضاء به الناس ، أثر بعيد في توجيه الإصلاح الديني و الاجتماعي ، و رسخت له في النفوس مكانة ، حتى إذا جره الشياطين إلى أحزابهم نزل إلى المعركة و هو ذو قلم و لسان ، يرمي و يرمي ،و يطعن و يطعن فيه، حتى كرهه كثير –بحكم حزبيتهم –لم يكونوا يكنون له من قبل إلا الإجلال .و ظن رحمه الله أن هذا سياسة ،و الظاهر أنه قد تأثر بالذين كان ميلهم إلى الإنكليز ،بعضهم ليستعينوا بهم على استقلال بلادهم ، و بعضهم يمهدون ليحتل بلادهم الانكليز ، فأحسن السيد بالانكليز ظنا، و صرت ترى أثر هذا الاتجاه الحزبي في (المنار) فلم يبقه خالصا للدعوة الإصلاحية ، بل دس فيه من حزبيته الجديدة ما كرهه إلى كثير من الواعين ، و نسي في سورية الشيخ رشيد رضا الداعية الإصلاحي ، و ذكر الشيخ رشيد السياسي المتحزب و هو ما ترى الإشارة إليه في رسالة الأمير السابقة .
ودعك مما قال الأمير في ميل الشيخ إلى الانجليز و في دخوله في حزب مع ممالئ للاحتلال الفرنسي محارب لاستقبال بلاده ،ودع تأنيبه للشيخ على استئجار جريدة سفيهة لتطعن في الأمير و تشوه سمعته و هو لم يدع إلا إلى ألفة و اتحاد و نبذ خلاف ..فهذا أمره ظاهر ، وقف معي عند تعبير الشيخ عن أمير البيان و سيد من كتب يدافع عن الشرق و الإسلام و صاحب التعاليق القيمة على ( حاضر العالم الإسلامي) التي ضربت بها الأمثال و...بأنه(احد أدباء دروز لبنان)
إنك توقن معي أن هذا الكفران لم يقله الشيخ الداعية إلى الله ، لكن قاله المتحزب المتعصب لحزبيته التعصب الأعمى المتعامي عن ضوء الشمس في رائعة النهار ، هذا الحزبي هو الذي تقمص الشيخ فحرك قلمه بهذا، و الحزبية المتعصبة تستبيح كل حرام لتشفي حقدها أو تصل إلى مبتغاها ، و لو تكلم الشيخ الداعية إلى الله معافى من حزبيته ، معبرا عن ما هو الحق في نفسه لقال (أديب الشرق و رب البيان العربي و رسول التوعية إلى العالم الإسلامي).

إن من أتاه الله علما خلق أن يبقى حيت وضعه الله ، منارا يهدي ، وواعيا يحذر ، و أبا يحنو على البار يثبته ، و على العاق  يرده إلى الصواب،يقف نفسه لخير الجميع ، لا ينحاز إلى فئة على فئة ، إن ضرر المنحاز على الجماعة و الدعوة أوسع من ضرره على نفسه بكثير ، إن الانجرار على أذيال و بيع الدين بالدنيا هو الذي أضعف هيبة الشرع في النفوس ، و أضاع رجاله حتى استهان بهم كل متساط ثم استهانت بهم الجماهير ، ثم أصبحت علوم الشرع كالوباء يبتعد عنه كل أحد، فصرنا نقصد المصر الكبير لترى فيه عالما بالسريعة من طراز من أدركنا فلا نجد ، و لم يبقى للمنتسبين إليه من حرمة عند حاكم و لا محكوم .غن ضياع شخصية (العلماء) مؤد في النهاية إلى حشر الجهلاء الأدعياء في المناصب الشرعية بينما العلماء الحقيقيون في دورهم قابعون لا يعرفهم أحد .هذا بلاء عام غير خاص ، بلاء أمة كفرت بأنعم الله ، و صدق الله العظيم"و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " و أي ضنك أشد من أن نفتح عيوننا يوما في بلد كدمشق مثلا كان يقصد من سائر الأقطار لمدارسه الشرعية المتنوعة و علمائه الأجلاء الكثيرين المشهورين حتى صاروا في فنونهم مراجع ، فنجد بقيتهم –لا سمح اله- يلوذون بأماكن مجهولة ينشرون فيها علمهم لأفراد في الخفاء ، و نجد-لا سمح الله أيضا –جاهلا دجلا يبيع نفسه للشيطان متربعا في منصب الإفتاء .
التوعية و النضال و المقاومة و الجهاد الخالصة لوجه الله ميادين طبيعية لأولى الرسالات ، أما غيرها فمزالق و مزلات و متاهات ، تضيع أهل العلم فيضيع العلم و مكانته و تضيع مقومات الأمة و شخصيتها . وكل من عرف الذين أشرت غليهم من العلماء السياسيين يقول معي بحسرة و ألم : ليت أهل هذه الطبقة الخيرة بقوا في ميادينهم هادين مهديين و لم ينحطوا إلى دركات السياسة الحزبية ضالين و لا مضلين.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here