islamaumaroc

صفحات ذهبية في سجل المولى إسماعيل

  دعوة الحق

143 العدد

إن القوى المعنوية الناجمة عن القوى المادية بصورة تختلف عنها معنى وتتفق معها مبنى لا تقبل الجمع ولا تالف الحصر ، فهي أبدا سابحة بأضواء آمالها في أهواء اللانهاية تطوي أشواطها شاسعة فتنبسط  أمامها أخرى ممهدة العقبات مذللة الصعوبات محاربة الأحداث ولانفعالات الزمنية بهمة عالية وعزيمة ماضية حتى تنشب فيها  المنية اضفارها ويصرعها ملاك الموت وتحطمها يد الجبار على صخرة الإخلاص والرجاء فتطوي صداها ويسطر التاريخ صفحة مجيدة من صفحات العبقرية والخلود.
تمر السنون والأعوام وذكرى العظماء من ملوك وسلاطين وغزاة فاتحين الذين مثلوا أدوار الشجاعة والعظمة والعبقرية بجباه عالية على مرج  الخلود أبدا ماثلة أمام الأجيال ..بتناقلها الخلف عن السلف..كأساطير الأولين محفوفة بالإجلال والإعظام ..ولولا الإقرار بالنبوغ والاعتراف بالعبقرية لما أقيمت التماثيل وخفقت الأعلام و الرايات ، ونصبت أقواس النصر ، وعقدت حفلات التأبين والتكريم ...و هتف  بحياة عظيم أو زعيم ، ووضعت الأكاليل وباقات من الأزهار على المدافن والأضرحة ... فالخدمات الجليلة والأعمال المجيدة التي يقوم بها ذوو الأريحية  و النفوذ لها نشرها الطيب وذكرها الخالد وأثرها المحمود وجزاؤها الحسن في الدارين ، والله من قال :
        "من يصنع المعروف لا يعدم جوازيه
                          لا يذهب العرف بين الله والناس ".
ولقد سجل التاريخ العربي الشيء الكثير عن الأسرة العلوية المجيدة   من المكارم والأمجاد منذ حلوله بهذه البلاد المغربية ...فكانت هجرتهم من الحجاز إلى المغرب هجرة خير وبركة على البلاد وأهلها.. وسجل في حقهم التاريخ المغربي التسابق إلى المعالي وتسلم ذروة المجد والإسراع إلى الإغاثة والنجدة  وتحرير المنقور من الاحتلال الأجنبي ....
أجل ، ففي حياة المولى إسماعيل جد ملوكنا اليوم وأخلاقه العالية وخصاله الشريفة وغيرته الإسلامية  دليل ساطع وبرهان قاطع على نبوغه وعبقريته ...وأني عملا بالواجب وإقرارا بالفضل  واعترافا بالحقيقة التي تأبى النفس إلا اضهارها أطلقت عنان القلم في هذه المناسبة السعيدة وهي ذكرى عيد العرش والشعب لأرسل أضواء كاشفة على جوانب من حياة الملك العبقري والتي هي حياة عظمة وسؤدد وفخار ومجد...فهو ينتصر على أعدائه كلما خاض معركة  من المعارك كأنما الفوز والظفر أسمان خلقا لتوج بهما حياته وتكلل بهما أعماله ...  فهو المثل الأعلى من تلك الأمثلة السامية وجد على وجه هاته البلاد ليعرف الناس مثال التضحية والموت في سبيل رفع منار الإسلام.

فإذا قرأنا حياته كلها وتتبعنا صفحاته لا نكاد نعثر على انتصارات باهرة ... غزا طنجة سنة 1095 وأخرج منها الانجليز .... و بني القلاع ببلاد البربر وتسمى ألقصابي وعددها 76.. وفتح العرائش سنة 1100 ... وفي سنة 1102 فتحت أصيلا ثم سار الجيش لسبتة محاولا فتحها ... ونتساءل ما هو السبب الذي جعل المولى إسماعيل يخمد ثورات البلاد فيوفق ، ويعلن الحرب على مجاوريه من الدول العظيمة فينتصر .. غير أننا إذا فحصنا نفسية هذا الملك الهمام وعلمنا ما كانت تصبوا إليه هان علينا الأمر ، وحكمنا أن انتصاراته كانت لعوامل قوية أبرزها حزمه وجيشه المنظم .
لم يكد يتربع المولى إسماعيل على أريكة عرش سلفه المجيد حتى أظهر الحزم في أموره فنشر العدالة وأقام الحدود ، وقضى على الجناة كي يستتب الأمن وتؤمن الطريق ، الأمر الذي جعل له رهبة في قلوب القبائل الثائرة من البربر وغيرهم وقلوب المغاربة جمعاء ...فكان لا يذكر اسم إسماعيل إلا ارتعدت الفرائص وخفقت القلوب لأن رهبته قد أخذت من القلوب مأخذها ونالت من الأفئدة منالها ، ففقدت من  قلوب وأفئدة الثائرين الشجاعة المعنوية مما جعل تسيير الجيوش لإخضاعهم إنما هو لإظهار استعداده لهم ، حتى لا يثوروا مرة أخرى ويخرجوا عن طاعته يوما ما ...فهذا العامل قضى على الثورات وأخمد الفتن فازدهرت الصنائع وكثرت الثروة ، وسهلت المواصلات فصارت المرأة العزلاء تسير في فيافي المغرب وقفاره بأمتعتها مسافة كبيرة فلا يتعرض لها أحد إلى أن تصل إلى محلها آمنة من كل شر .
أما أخص أوصافه كما أورد ذلك بعض المؤرخين فهو الاعتقاد الراسخ في الدين لا نأخذه فيه لومة لائم...
وبالجملة فإنه لم يظهر ملك ذو قوة وثبات على أصول الدين مثل المولى إسماعيل منذ قرون... مطلع على العلوم الدينية مستحضر لمسائلها وهو الذي أمر بقراءة حديث الإنصات يوم الجمعة سنة 1120... يصوم زيادة رمضان شهرين في العام ...يعتمد على اله في سائر أحواله ...
وقد أقام صلاة الاستقصاء سنة الجذب 1100 فخرج بنفسه حاسر الرأس حافي القدمين في بذلة خلقة بين رعيته ، وبعد إقامة الصلاة بذلك الجمع زار سائر مساجد المدينة واستغرق ذلك يوما كاملا.
لقد بلغ عسكر البخاري إلى 150.000 ثم رأى المولى إسماعيل بعد أن أشير عليه بجعل العبيد في جيشه وحرسه الفائدة العظمى..إذ توفر له جيش كبير مدرب أحسن التدريب ومنظم أجمل التنظيم .. فأصبح يجمع عبيد الملكة كلها حتى غدا له جيش  عرمرم ، فصار كلما بعثه إلى غزو أو غارة أتى له بالنصر المبين ... هنا فكر في تعليم أبنائهم ، وتدريبهم على خدع الحرب ، وتعويدهم  ملاقاة الشدائد حتى يأتوا مما يأمله من رد ما أخذه الإفرنج من بلاد المغرب وتوسيع مملكته توسيعا يستطيع معه أن يؤسس إمبراطورية عربية فخيمة ..وفعلا أصبح يعلمهم الكتابة والقراءة ، حتى إذا فهموا ذلك أدخلهم إلى المدرسة العسكرية لتدريبهم على استعمال مختلف الأسلحة المعروفة آنذاك والطعان والمبارزة وتعويدهم على الكر والفر ومباغته العدو ، وحيل الحروب ، وخدع المقاتلة.... مع ما يتبع ذلك من ركوب الخيل وغيرها مما تعتني به المدرسة العسكرية الحديثة اليوم ، وعندما يصلون إلى هذا الحد من الإتقان أدخلهم إلى الجندية فيصبحون في صف المقاتلة.
وقد أضحى المولى إسماعيل بفضل هذا الجيش المنظم يثبت الأمن في داخل البلاد ويتوسع في خارجها ...ففي سنة 1092 أخرج الأسبان من مدينة مهدية مع تحصينها المتين...وفي سنة1095أخرج الانجليز من مدينة طنجة ، فحصنها تحصينا عظيما ورم أسوارها ترميما جميلا بعد أن خربها الانجليز ، الشيء الذي يجعلنا ندر مقدار مدنيتهم في ذلك العصر...وفي سنة 1101 طرد الأسبان من مدينة العرائش...وفي سنة 1102 أخرج البرتغال من مدينة أصيلة.
بعد هذا أصبح المغرب وحدة متصلة لا تتجزأ ولا ينقصم عراها ...وغدا الأجانب يضعفون أمام شوكة المولى إسماعيل ويخافونه فيسعون في التقرب إليه بالهدايا الثمينة و الأسلحة الفاخرة...
وهناك أسطورة شائعة على لسان المغاربة تحدثنا أن الأجانب كانوا في ذلك العهد يخيفون أبنائهم كلما بدأ منهم ضوضاء بذكر المولى إسماعيل، فيسكتون و يهدأون، وهي وإن لم تحقق لنا مبلغ خوف الإفرنج منه لأن الأساطير كما هو معلوم لا تثبيت التاريخ  إنباتا يقينيا إلا أنها تعطينا جانبا كبيرا عن عظمة المولى إسماعيل ومقدار خوف الأجانب منه...على أن لنا دليلا يثبتها ويحقق مغزاها ، فقد كتب بعض المؤرخين عن رسائل المولى إسماعيل إلى الأجانب ووصفوها بأنها كانت محررة بلهجة قوية وصرامة عظيمة ، مما يدل على علم هذا الملك بمقدار خوف الأجانب منه...فلو لم يعلم ذلك ، وهو السياسي الخطير ، لما كتبها بتلك اللهجة بل يقتصر على الليونة والدبلوماسية ، فهذا دليل على أن تلك الأسطورة واقعية وثابتة .... وهناك دليل آخر وهو ما يرويه المؤرخون من كون عدد الأسرى الذين كانوا يعملون في مكناس يعد بالآلاف، وهذا أيضا مما يدخل الرعب في نفوسهم
إذا تتبعنا بعين البصيرة صفحات تاريخ المولى إسماعيل وجدنا أن جل الأمم آنذاك كانت تتمنى وتود لو أنها هذا الفرد الذي ليس كالأفراد ، والرجل الذي ليس كالرجال يقودها إلى  أوج الكمال، ويسوقها  نحو السعادة ويحميها من شر الغوائل ، يسهر على أمنها أو يشفق من تأخرها وفنائها ....
نعم ... لقد كان هذا الملك طموحا، يعز عليه شقاء شعبه، رؤوفا به وبشؤونه ، رحيما بمساكينه وفقرائه ، حريصا على استقلال بلاده ومصالحها العليا ....أسس الملاجئ لليائسين وسهل طرقا للعاملين...فشيد المساجد ابتغاء وجه ربه وإقامة لدينه ...شجع العلماء ورفع مكانتهم ...وتحركت السن ودوت أقلام وسمع لها صرير ونفقت بضا عات بعد كاد واستيقظت أعين بعد سبات ، وهرولت أرجل إلى مختلف الميادين تتسابق وتتلاحق مشمرة عن ساعد الجد والاجتهاد ، راغبة في السير والازدياد فرفرفت ألوية العز والنصر وارتقت الأمة إلى ذروة المجد والسعادة وتسلمت شاهق العز وعلو المكانة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here