islamaumaroc

مأثرة من مآثر السلطان مولاي الحسن

  دعوة الحق

143 العدد

لقد تربع رحمه الله على دست الملك والمغرب في حالة تبعث على اليأس فالحروب والثورات تشب في نواحيه،والعمال يفعلون ما يحلو لأهوائهم، والجهل بالعلوم الحديثة ضارب أطنابه،والثغور عن وسائل الدفاع معراة ،والجيوش في فوضاها مضطربة ،وبيوت الأموال مفلسة ،ودخل الموانئ مرهون بيد الأجانب، والديون آخذة بتلابيب المملكة ،والدائنون من ورائهم يصيحون ،والدول تتربص بها الدوائر وتعمل على إرهاقها بمطالبها الجشعة ، وتثبت دعائم امتيازاتها بالحمايات تمنح عن سخاء لليهود وأشباههم من ضعاف القلوب .
مشاكل ومشاكل تكفي إحداها لهدم مملكة من أساسها فكيف بها وقد تراكمت بأجمعها على مغربنا وكادت تكتم أنفاسه !ولكن السلطان مولاي الحسن كان اكبر من أن تفت في عضده تلك القواصم،وهو الذي تربى منذ نعومة أظفاره تربية مرنة على مجابهة العواصف فتبث لها بجانبه تبوث الرواسي ،وعالجها بأناة لا حد لها ،وشجاعة قل نظيرها ،وإخلاص يشبه إخلاص الرسل،وحب لا يعرف إلا في عالم المثل .
لقد افرغ جهده في إخماد الثورات ،وضرب على أيدي العابثين من العمال ،وبعث إلى الخارج بعثات تتلوها بعثات ،وحصن الثغور ،وجلب إليها المعدات و الآلات ،واستعار من الأمم الراقية ضباطا لتنظيم جيشه ، ورتب ميزانية دولته ،ورفدها بالمدخل المشروع وخلص الموانئ من براثن الأجانب ،وفك عن المملكة قبضة الديون القاسية ،واسكت أصوات الدائنين المنكرة ،وذاد عن البلاد مكائد الكائدين ومارس نهمات المستأسدين،وكافح الامتيازات كفاح المستبسلين ،فنهض المغرب من رقدته ولكنها نهضة لم يكتب لها الثبات ،فتعثر فيها المغرب ثم مادت قدماه،شأن النهضات إذا لم يجد صاحبها جوا ملائما لابد أن يتعثر في محاولته ،ولابد أن يخور في استمساكه،ولكن النهضات لا تعدم فيما بعد من يعاودها ويحتفظ بتوازنها فيعتدل فيها ويتخلص من كابوس السبات العميق.
سبق لمحمد علي الكبير أن نهض بمصر نهضتها ولكنها ما لبثت أن سقطت وعاودها حفيده الخديوي إسماعيل باشا قبيل نهضتها هذه فانخذلت ،ولكن النهضة تركت ذكراها فلم تعدم مصر فيما بعد أن تجد من رجالها من نضجت مداركهم وصحت عزيمتهم فأخذوا بيد بلادهم ورفعوا شأنها وحفظوها من كل نكسة تصيبها ...سنة الله في الكون ولن تجد لسنة الله تبديلا.
هذه ملاحظة لابد أن نحسب لها حسابها ،ولابد أن ندرك مركزنا ونقدر المرحلة التي نجتازها حق قدرها، وهي مرحلة –بعون الله-لن ينالها نكس ولا وكس، فالمغرب وعلى رأسه ملكه الناهض المجاهد حفظه الله، آخذ بدعائم الرقي الثابتة بفضل رجاله الذين يعمر قلوبهم الإيمان القوي بحقوقهم وعقولهم الإدراك التام لمطالبهم وعزائمهم التحفز الرامي إلى نيل رغباتهم.   
وإذا كانت ماثرات السلطان مولاي الحسن يتطلب عرضها صحائف المجلدات ،فلنجتزئ ببعض  هذه المأثرة التي اومانا إليها وهي كفاحه في سبيل القضاء على الامتيازات الأجنبية ،تلك الامتيازات التي بدأت بالمغرب منذ عهد قديم ،وكان المغرب فيها مفضالا ،ولكنها قطعت أشواطا بعيدة في مراحلها حتى انتهت إلى شوط وجد المغرب نفسه فيه وقد غلت أيديه عن التصرف في شؤونه ،وفرضت عليه قيود منعته من التمتع بربوعه ،خصوصا بعد ما أصيب بنكبتين متلاحقتين، نكبة(ايسلي)ونكبة(تطوان).
هناك ضاع المنطق أمام القوة ،والعدل أمام الغلبة فرفعت الرؤوس بعد إطراقها،وارتفعت الأصوات بعد خفوتها، وويل للضعيف من القوي ،وللمغلوب من الغالب.
مضى على المغرب حين من الدهر كانت الدول تخطب وده، فيخلص لها الود، وتلتمس ضيافته فيكرم الضيافة ، وكان تهافت تلك الدول على أعتاب بلاطه تهافتا يسجله التاريخ منذ أقدم العصور ، لندع المرابطين والموحدين والمرينيين، ولنرجع البصر إلى السعديين ، فنجد الملوك تبعث بسفرائها إلى بلاطهم .فهذه انكلترا تستحكم بينها وبين المنصور الذهبي الأواصر ،وهذا المنصور يخلص وده نحو ملكتها التي ضربت بعظمتها الأمثال ، وها هو وقد بلغه نعيما يتأثر تأثرا بليغا ويقول :انه لن يعيش بعدها طويلا، وكذلك كان الأمر ، فصرعه الطاعون في نفس السنة التي ماتت فيها اليزابيث....ثم ماذا؟هذه انكلترا ترقب حالة المغرب عن كتب وقد توزعت مملكته بين أولاد المنصور وغيرهم، ومع هذا فهي لا تزال ترى في المغرب ملجأ تلجأ إليه ، فتعرض نفسها على من ترى كفته قد رجحت من أولاد المنصور ، وتبعث بسفيرها (جون هاريسون)ولكن هذا الملك في شغل شاغل عن أن يسمح بإسعاف السفير ، فيظل هذا في الانتظار سنة كاملة ولا ينال منه يأس أو ملل. وتفشل انكلترا في سفارتها فتولي وجهها مرة نحو العياشي وآونة نحو الدلائي وأخرى نحو النقسيس ، كل هذا واسبانيا لا يعزب عنها ما تقوم به انجلترا من محاولات ضدها فتبعث بالجواسيس اسبان وبرتغال لإفساد المحاولة التي يحاولها السفير الانجليزي ، ولم تقف عند هذا الحد حتى احتضنت احد أولاد المنصور المطالبين بملك البلاد ، فساعدته على استرداد ملكه مقابل تمكينها من العرائش وكان. كما كان منها أن شفعت العرائش بالمهدية واتخذتها رداء لها ، وقد كانت المهدية محور المحادثات الدبلوماسية بين سفير انكلترا والعياشي ، ولكن المحاولات في شأنها لم تنجح كما لم تنجح المحاولات في شأن أصيلا وانزوت انكلترا في عقر دارها خاذلة مخذولة..
وتظهر الدولة العلوية الشريفة ، وكثير من ثغور المغرب محتلة ، فطنجة بالانكليز ، وأصيلة والمهدية والعرائش بالأسبان ، والجديدة بالبرتغال ، ولم يكن يسر هذا فرنسا المنافسة ، فكانت تنتظر الفرص التي ظنت اولا أن بعضا منها قد أتيح في انتصار المولى الرشيد ، فبعث إليه ملكها (لويس الرابع عشر) يهنئه بالملك ويعرض عليه مساعدته البحرية في استرداد طنجة من الانجليز (شارل) الثاني فيبعث إلى المولى الرشيد بسفيره مهنئا بالملك ومقدما هدايا ذات بال ، ولكنه لم يسمح له بالإتيان برا فيعود بهداياه.
ولا يمهل القدر المولى الرشيد فيلبي دعوة ربه ، ويخلفه أخوه المولى إسماعيل وهو الملك الذي أدرك حدود بلاده تمام الإدراك ، وآمن بها تمام الإيمان ، فسعى ما أمكنه السعي إلى تخليصها من اليد الأجنبية ، فاسترد من الانجليز طنجة ، ومن الاسبان المهدية وأصيلا والعرائش .وهنا سنحت لفرنسا الفرصة مرة أخرى فأرسلت بأربع عشرة سفينة حربية لترابط في البحر بجوار القوات المغربية على حصار العرائش.
ثم أصبحت لانكلترا وفرنسا واسبانيا وغيرها علاقات دبلوماسية مع المولى إسماعيل كانت تتمثل فيها كل مظاهر الشهامة والنخوة والعظمة .
وتشاء الصدف أن تعيد قصة أولاد احمد المنصور في أولاد المولى إسماعيل بعد وفاته رحمه الله، فيقسم أولاده المملكة ن وتشب بينهم الفتن والحروب، وتفتر العلاقات الدولية باضطراب الأحوال .ولو أنها لم تقطع مع ابنه المولى عبد الملك و(لويس الخامس عشر).
وبالرغم من توزيع المملكة بين أولاد المولى إسماعيل كان سفراء (الاسطادوس) ولايات من( الفلامنك) سكان الأراضي الواطئة ،يتقدمون إليه ليعقد معهم اتفاقا بحريا تجاريا، فيعقد معهم اتفاقا على يد حاكم  تطوان محمد بن عمر لوقش في اثنين وعشرين فصلا، يحتوي بعضها على بعض الامتيازات التي كان المغرب في غنى عنها . ثم أصبح هذا الاتفاق فيما بعد الطابع التقليدي لكل ما تلاه من الاتفاقات الدولية، فلا يلاحظ فيما بينها من فرق كبير ، إلا في أيام المولى عبد الرحمن وأيام ابنه المولى محمد للأسباب التي مرت في موقعتي (اسلي) و(تطوان).
أما في أيام المولى محمد بن عبد الله فقد تعددت علاقات المغرب بالدول ، فكانت له علاقات مع اسبانيا وفرنسا على اثر انكسار أسطولها بشواطئ العرائش والبرتغال بعد إجلائها عن (الجديدة) كما كانت له علاقات مع (السويد) و(الدانمارك)و(النمسا)و(نابلي)و(مالطا)و(تركيا) التي ساعدها مساعدات لم تعهد من غيره في حربها ضد الروس ثم مع أميركا في فجر استقلالها.
ولما تولى ابنه اليزيد حاول أن يقلد المولى إسماعيل وكان له من الطموح ما لو تأخرت به حياته لكنا نرى فيه كثيرا من المفاخر . ومع أن اسبانيا بعثت إليه سفيرها بطنجة يهنئه بالملك إلا انه لم يحفل بذلك ، ووضع نصب عينيه تحقيق مطامحه الكبار ، فصمد على أبواب سبتة محاصرا إياها أياما عديدة ، وملقيا عليها من القنابل ما ظل أثره بها إلى وقت قريب ، ومازال أهل سبتة يحتفظون بهذه الذكرى ، وقد كانوا قاموا له ولمدفعيه (طويجية) تمثالين رفعوهما على أبواب المستشفى العسكري بشارع سبتة الرئيسي .
وحينما تولى أخوه المولى سليمان كان حريصا على علاقاته الودية بالدول حتى انه أبطل أسطوله تنكبا لكل ما عساه أن يجر على البلاد من مشاكل دولية، وقد كان أسطولا مهيبا استنجدت به (تركيا) في حربها مع (الروس) فانجدها.
وكانت علاقات المولى سليمان مع أمريكا وانجلترا واسبانيا والبرتغال.
ولما تولى المولى عبد الرحمن بن هشام حاول أن يرجع إلى المغرب أسطوله، فبنى الأساطيل وجدد المتعطل منها وأرسلها تمخر المياه المغربية. ولما كانت في طريقها صادفت أسطولا نمساويا لم يكن له جواز يخوله الدخول إلى المناطق المغربية، فاقتادته إلى بعض الموانئ. فما كان من (النمسا) وقد عجزت عن استرداد أسطولها بواسطة انجلترا إلا أن هاجمت سفنا كانت بميناء العرائش ، فاجتمع على بحارة الأسطول النمساوي المهاجم بعض المغاربة وقضوا على بعضهم واسروا الباقي منهم.
وكأن هذا لم يعجب الدول الأوربية ، فاتفقوا وعلى رأسهم انكلترا وفرنسا على منع كل دولة من أن يكون لها أسطول مادامت غير ضابطة لقوانين البحار تمام الضبط ، وهكذا نجد المولى عبد الرحمن لهذا السبب ولأسباب لعلها الإشفاق على علاقاته الدولية يأمر سرا بإغراق أسطوله .
هذه نكبة مضافة إلى النكبة التي مني بها المغرب في مشكلة الأمير عبد القادر الجزائري ومنذ ذلك الحين لم نر للمغرب في علاقاته مع الدول تلك النخوة التي أظهرها مولاي إسماعيل ثم حفيده المولى محمد بن عبد الله، فلقد أمليت على المولى عبد الرحمن معاهدة فرنسية فيها كثير من الإجحاف وكان لها ما بعدها .
وكانت علاقات المولى عبد الرحمن مع أمريكا وانجلترا وفرنسا والسويد والدانمارك  والنمسا وايطاليا والبرتغال وصقلية وسيردينيا وتركيا واسبانيا التي توترت علاقاتها معه في أواخر أيامه على اثر حادث الحدود بين سبتة وانجرة..
ويودع المولى عبد الرحمن هذا العالم ، ويلحق بجوار ربه فيخلفه المولى محمد ابنه،  وما يجلس على عرشه حتى تخفق المفاوضات التي كانت تجري مع اسبانيا ، وتقوم بين الدولتين الحروب ، وتبتدئ المعارك على حدود سبتة ، وتستمر حتى تطوان ، ثم يرى رجال الدولة ، أن لا مناص من وقف القتال وعقد معاهدة الصلح بين الدولتين ، فكانت معاهدة 26 ابريل سنة 1860 تلتها اتفاقات أخرى وجميعها تحتوي على شروط أن لها المغرب زمنا طويلا، وعلى حين كان سفير انجلترا يدفع المغرب إلى قبول هذه الشروط كان سفير أمريكا يحذر المغرب من إمضاء معاهدة الصلح ، لان أمريكا في ذلك الوقت كانت في حرب مع اسبانيا على جزر الفلبين .
وعلى كل حال ، فقد كانت للمولى محمد بن عبد الرحمن علاقات مع اسبانيا وفرنسا والبرتغال وأمريكا  وانجلترا وكل تلك العلاقات كانت تجر وراءها ذبولا طويلة ثقيلة من الامتيازات الأجنبية ..
وقد أدرك المولى محمد بن عبد الرحمن مركز بلاده الحرج فعمل بما في طوقه على تنظيم جيشه وتقويته، وكان ادراكه هذا قد بدا يوم أن أصيب جيش والده الذي كان تحت إمرته بضربات الفرنسيين في اسلي ثم ازداد إدراكه يوم أن أصيب جيشه في حرب تطوان بضربات الاسبانيين ، وكان ذلك الجيش تحت إمرة أخيه المولى العباس فتأكد المولى محمد تماما من أن النظام وحده هو الذي غلب الفوضى ..
نعم، حاول أن يعد للمستقبل جيشا قويا فلم يوفق، وحاول أن يعد له ملكا عظيما فوفق كل التوفيق.. واستأثر الله به ، فخلفه ابنه(مولاي الحسن)بعدما اجتمعت على بيعته كلمة أهل الحل و العقد ، فبايع الله على أن يقف حياته على خدمة بلاده وان يستمر في كفاحه الذي عرف عنه أيام واله توفي رحمه الله بعهده وظل مناضلا حتى لفظ النفس الأخير .
لقد استهل السلطان مولاي الحسن معاركه الدبلوماسية بان وجه سفرائه إلى مختلف العواصم الأوربية، واصحب كل سفير بهدايا فاخرة إلى الملوك والرؤساء وأموال طائلة توزع على العاملين في الحكومات وعلى المؤسسات الخيرية بالبلاد الأوربية وابتدأ بالدول التي أسرع ممثلوها بتهنئته بالملك مثل انجلترا وفرنسا وبلجيكا و ايطاليا، وكان الغرض من هذه السفارات هو مفاتحة هذه الدول في شان إلغاء الامتيازات الأجنبية بالبلاد ، ففاتحها بذلك، كما أسفر إلى ألمانيا واسبانيا وقوى علاقاته الودية مع غير هذه الدول مثل أمريكا والبرتغال ، بل انه حاول فيما بعد أن يستميل حتى البابا ليون الثالث عشر، فبعث إليه بسفرائه يهنئونه بعيده الخمسيني وأرفق بهم رسالة إلى البابا قلما نعثر على نظيرها في ذلك الوقت .
وبعد مفاوضات كتابية وشفوية في الداخل ، والخارج، كانت النتيجة أن عقد مؤتمر مدريد حول هذه القضية ، حضره من ممثلي الدول ثلاثة عشر وهم المغرب ، أميركا، انكلترا، ألمانيا، النمسا، بلجيكا، الدانمرك، فرنسا، اسبانيا، السويد، هولندا، ايطاليا، البرتغال. وكان ممثل المغرب فيه السيد محمد بركاش الرباطي معضدا بمستشاره السيد عبد الكريم بريشة التطواني ، فابتدأت المداولة بين النائب المذكور وبين باقي الممثلين ، وكانت اشد الدول معارضة لمطالب السلطان ايطاليا  وفرنسا ، على حين كانت اسبانيا تقف بجانب ممثل المغرب.
وكان نائب السلطان يطلعه على كل ما يروج في القضية أول بأول، فيتسلم السلطان ذلك، ويعقد حوله مجالس من ذوي الرأي فيستشيرهم فيما يجد من الأمور، ثم يبعث إليه بما انتهى إليه المجلس في المسالة. مثال من ذلك: إن ممثل السلطان لما طالب الدول بتحديد الحماية وحصرها على قوم معدودين ، أجاب الممثلون بأنهم إن قصروا الحماية على هؤلاء وجردوا غيرهم منها استهدف المجردون إلى ظلم الحكام وانتقامهم، فأجاب الممثل السلطاني بان ما تخشونه يرتفع بحيث انه كلما يدعي احد من هؤلاء إلى المحكمة في قضية من القضايا يدعي معه ممثل الدولة التي كانت تحميه حتى يعاين صدور الحكم عليه ، وبعث بهذا إلى السلطان فلما استشار أصحاب الرأي أشاروا بان هذا الحل هو عين الحماية ، وهو كما في المثل :"غسل دم بدم"، إذ فيه تدخل صريح في شؤون الدولة .والرأي أن يكتب لكل من يجرد من الحماية ظهير يعمل بموجبه في الدولة، وبذلك يكون بعيدا عن ظلم الحكام ولا تبقى له فرصة التظلم منهم. هذا ما يخص المسلمين أما ما يخص اليهود فان لم يكن إدخالهم في هذا النطاق فلا باس أن يعمل فيهم بما أشار به الممثل المذكور (حيث أن اليهود كانوا قد بعثوا إلى مدريد بمن يفسد على الممثل السلطاني خططه في المؤتمر..)
واستمر المؤتمر في جلساته حتى انتهى إلى اتفاق على فصول ثمانية عشر وختم في 3 يوليه عام1880 الموافق 24 رجب سنة 1297.
ونجمل هذه البنود فيما يأتي:
1-الحماية تعطى لمن له تعلق بالتمثيل الأجنبي وهي لا تشمل أقاربه عدا أهله الساكنين معه فإذا مات انقطعت حمايته عنهم وكذلك السماسرة الكبار الذين لهم تجارة في الداخل والخارج سواء كانوا يتجرون في مالهم أم كانوا نائبين عن غيرهم. وعدد هؤلاء لا يزيد على اثنين في كل مركز تجاري.
2-لنواب الأجناس أن يتخذوا تراجمهم أو مساعديهم من المسلمين أو غيرهم و هؤلاء يصبحون محميين بحكم عملهم ولا تلزمهم ضرائب إلا ماقرر في الفصلين 12و13.
3-القنصل وثاني القنصل ووكلاء القنصليات لا يمكنهم أن يختاروا سوى ترجمان ومخزني ومساعدين من رعية السلطان إلا إذا اجتاحوا إلى كاتب عربي ولا يلزمهم إلا ماهو مقرر في الفصلين 23و12.
4-إذا عين نائب من نواب الأجناس ، وكيلا عنه من رعية السلطان بأحد المراسي فله الاحترام التام والامتياز المقرر في الفصلين السابقين وله الحق أن يتخذ له مخزنيا وثاني قنصل من رعية السلطان.
5-اعترفت الدولة المغربية للسفراء والوزراء المفوضين ونواب الأجناس عامة بالخصوصية التي لهم على مقتضى الشروط التي تمكنهم من اختيار مستخدميهم إلا أشياخ القبائل أو من يقوم بخدمة في الدولة مثل الجيش والمخزنية الذين لا يقومون بحراستهم وكذلك ليس لهم أن يقبلوا من حوزتهم من أقيمت عليه دعوى إلا بعد استيفائها .
6-أهل المحمي الذين تشملهم حمايته هم الزوجة والعيال والأقارب الصغار الساكنون في داره ولا تورث الحماية إلا لأهل اليهودي ابن شمون الذين ورثوها أبا عن جد منذ كانوا سماسرة وتراجمة في نيابة فرنسا بطنجة. وإذا سمحت الدولة لغير هؤلاء بإرث الحماية فجميع الدول المشتركين في المؤتمر لهم الحق في ذلك.
7-على نواب الأجناس أن يخبروا كتابة وزير الخارجية المغربية بالموظفين الذين يختارونهم وفي كل سنة يسلمون إلى الوزير المذكور لائحة بأسماء المحميين الذين لهم أو لوكلائهم.
8-الوكلاء في كل سنة يسلمون ولاة البلد لائحة مختومة بخاتمهم تحتوي على اسم المحميين عندهم. وهؤلاء الولاة يوجهونها إلى وزير الخارجية للاطلاع عليها ومقارنتها مع الترتيب . وكل تبديل يقع في المحميين فعلى القنصليات أن تخطر به حالا وزارة الخارجية.
9-الخدم والفلاحون والموظفون في خدمة كتاب العربية والتراجمة من المغاربة لا يمكنون من الحماية . وكذلك المساعدون والخدم لرعية الأجناس. والولاة المغاربة لا يوقعون القبض على احد من رعية الأجناس أو محمي دون إعلام لممثلي جنسه. وإذا جنى من هو في خدمة احد من الرعايا الأجانب فيقبض عليه في الحين ويقع الإعلام للنائب أو القنصل الأجنبي عاجلا.
10-لا يقع تبديل في شيء من أمر السماسرة إلا ما يترتب في شان الوظائف المعروفة في الفصول الآتية.
11-شراء الأملاك العقارية من الأجانب لا يكون إلا بتقديم إذن من الدولة المغربية . ورسوم هذه الأملاك تدون حسب شريعة البلد. وكذلك جميع النوازل التي تقع فيها . ولهم رفعها للوزارة الخارجية المغربية.
12-رعية الأجناس والمحميون والسماسرة الذين لهم ملكية أو اكتراء أو فلاحة ، عليهم في كل سنة أن يقدموا لقنصلهم تقييدا صحيحا بما لهم ويسلمون ما عليهم من الزكوات والأعشار . ومن زور منهم فانه يؤدي الضعف فيما أخفى أول مرة والضعفين في ثاني مرة وهلم جرا.
13-رعية الأجناس والمحميون يؤدون على بهائمهم ما يجب عليها في الأبواب. وكيفية قبض هذا الواجب واحدة، لرعية الأجناس ورعية السلطان. على انه سيكون في ذلك ترتيب مخصوص ينص عليه بين النواب في طنجة ووزير الخارجية . ولا يزاد فيه إلا باتفاق جديد بينهم.
14-لا يقبل توسط التراجمة ، وكتاب العربية ، والمخزنية ببعض المفوضيات والقنصليات في أمور غير المحميين ، إلا إذا استظهروا رسما بخط نواب الأجناس.
15-جميع المغاربة الذين تجنسوا بالجنسية الأجنبية ورجعوا إلى المغرب عليهم بعد مدة من استقرارهم أن يختاروا بين أن يدخلوا تحت حكم شريعة الابالة المغربية أو يغادروا المغرب.
16-لا تمنح حماية خارجة عن القانون أو بوجه التوسط في المستقبل ولا يعرف المغرب حماية أخرى دون الحماية الخاصة التي اتفق عليها. وهناك حق إجراء حماية معينة في صورة واحدة لتكون جزاء لمن يقوم بأعمال عظيمة لبعض الدول أو لأسباب أخرى ، على أن يقدم الإعلام بكيفية هذه الخدمة التي استدعت الحماية لوزير الخارجية المغربية حتى يمكنه الاحتجاج على ذلك إن اقتضى الحال ، ولا يمكن أن يزيد عدد هؤلاء المحميين على اثني عشر لكل دولة. 

17-اعترفت الدولة المغربية لجميع الدول الممثلة في المؤتمر بكل الحقوق المفصلة من غير تمييز جنس عن آخر.
18-يجري العمل بهذا الاتفاق من يوم ختمه بمدريد وحرر في 3 يوليه 1880 الموافق 23 رجب عام 1297.
هذه النتائج التي أسفر عنها مؤتمر مدريد لم تسر السلطان –رحمه الله-ولكنه فوض أمره إلى الله وبعث إلى نائبه السيد محمد بركاش يقول له: (الخير في الواقع والله المستعان إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)
على أننا نرى فيما راج في ذلك المؤتمر النتائج التي أسفر عنها أن المغرب قد اكتسب بعض الحقوق التي كان بعيدا عنها حيث أن مشاكل المغرب التي نجمت عن اتصاله بغيره من الدول أصبحت تتخذ في حلها شكلا دوليا بدلا من أن تفرض عليها الفروض من جانب دولة ، تكتب لها السيطرة والتغلب . كما أن الممعن في تلك الفصول ولو أنها لم تمكن المغرب من تمام حقه إزاء المحميين الذين كانوا وبالا على البلاد –إلا أنها قد حدت منهم ومن عدوانهم. وصاروا لا يتعدون دائرة عينت لهم ،وفرضت عليهم بعض الحقوق . ومن الحقوق التي تمكن منها المغرب في تلك الفصول –كما رأينا أن يرفض إقامة كل مغربي انسلخ من جنسيته وتلبس بجنسية غير دولته في الخارج، ورجع إلى المغرب. فانه يعتبر أجنبيا خطرا على وطنه حتى يتبرأ من تلك الجنسية الأجنبية، ويرجع إلى جنسيته الأولى وإلا فليغادر البلاد . فهذه خطة حاسمة خطتها سياسة السلطان مولاي الحسن عليه رحمة الله.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here