islamaumaroc

الإمام علي ليلة العيد

  دعوة الحق

143 العدد

كان "علي بن أبي طالب" يستعد في ذلك اليوم لاستقبال العيد... في المدينة التي لم ينحسر عنها ظل الخلافة. و كل ما بيت المال من أعطيات، وهدايا، وغنائم، جاءت مع الغزاة، وزعت في ذلك اليوم على المستحقين... و على قابع وحده كعادته، يفكر، ويطيل التفكير في شؤون رعيته، ويتساءل:
- يا أهلي! ماذا راعهم مني حتى اختلفوا ؟
 وإذ يدخل عليه أخوه عقيل ، ومن حوله صبيته، شعت الشعور، غير الألوان، قد ترك الجوع والفقر على وجوههم صفرة شاحبة، فهب علي يستقبل أخاه، ويداعب صبيته.
 فإذا عقيل يبادر أخاه:
-  أخي ! إنك لتعلم أن العيد غدا، وأن هناك أناسا يفرحون به، وأناسا يخرسهم البؤس، ويطويهم على أنفسهم.
 فيجيبه علي:
- أعلم ذلك، وإنك لتعلم أيضا أنني حشرت نفسي مع هؤلاء البؤساء، حتى لا تبطر نفسي بالنعمة. والله، ما إن لي من أمركم، وسلطانكم إلا الخلافة!
فيقول له عقيل:
- أعلم ذلك... ولكن هؤلاء هم أولاد أخيك، تركنا البيت، وليس فيه كسرة خبز. علت وجه على غشاوة من الحزن، وأطرق قليلا، ثم قال:
- يا أخي: لعلك ترى هنا رغيفين أو أكثر، لا أملك سواها ... فأطعم الأولاد!
فهز عقيل رأسه، وقال:
- ما لهذا جئت! وإنما جئت أستميحك صاعا من بر، تعجنه لهم في أمسية هذا العيد...
قال علي:
- ومن ابن أعطيك هذا الصاع إن كنت لا أملكه؟ أجاب عقيل:
- من بيت المال يا أمير المؤمنين!
اضطرب علي،  لأنه لم يكن ينتظر مثل هذا السؤال، واستغرق في صمت طويل، فطمع في أن يلين له قلب أخيه، وهو يعلم أن أخاه رقيق القلب، فأعاد عليه القول مؤكدا.
 نهض علي ، ولبث عقيل وحده، يتأمل في هؤلاء الصبية الذين يديرون أعيتهم هنا، وهنا، مهم ينتظر أن يعود إليه أخوه بصاع من بر...

عاد علي، ومعه حديدة أحماها على النار، حتى استحالت جمرة ... فأدياها من جسم أخيه، فلدعته الحماوة، فضج من الألم ، وهو لا يدري ما يريد أخوه:
- ويحك، يا أخي، ماذا تصنع بي ؟ ضحك علي، والتفت إليه يقول:
- لقد كنت أظنك أكثر احتمالا لهذه النار البسيطة... ثكلتك الثواكل يا عقيل! (؟) من حديدة أحميتها لعبا، وتجرني إلى نار سجرها جيارها غضبا؟ كيف تريد مني أن أعطيك ما لا أملكه من بيت المال؟ هذا مال المسلمين، ولكل واحد منهم حق فيه، فكيف أخون الأمانة؟ أتحرضني أنت على الخيانة؟
لك كل ما أملك في بيتي ، ولكني لا أستطيع أن أمنحك – ولو شعرة واحدة – مما لا أملكه...
جمع عقيل صبيته، وقد وضع تحت إبطه كل ما جمعه من قوت وجده عند أخيه، وهو قرصان من شعير ... ومضى وهو لا يدري: أيشفق على أولاده! أم على أخيه!
 وترك أخاه يعاود الاسترسال في تأملاته:
- لماذا يجوع الناس؟ و الله ، إن الفقر يكاد يكون كفرا! أيظن أخي أن في بيت المال شيئا للعطاء؟ وأنا في كل ليلة اكنسه حتى لا يبقى فيه شيء...
وإنه لمسترسل في تأملاته، إذ دخل عليه الأشعث بن قيس أحد عماله، قادما من العراق، ليقضي أيام العيد في أهله...
 رحب به علي، وراح يسأله عن عمله، وأحوال الرعية، وهو يجيب بهدوء ورصانة، وقبل أن يغادر المكان قدم له ملفوفة في وعاء... وطلب إليه أن يذوقها، فذاقها علي، وردها عن فمه، كأنه يلفظ سيئا معجونا يريق حبه، أو قيئها وسأله:
- ما هذا ؟
فأجاب الأشعث:
- هي حلواء ، يا أمير المؤمنين، من مطاعم العراق، آثرت أن تطعمها!
 فانتفض علي من جلسته، وصاح به:
- ويحك يا أشعث! أهي صلة، أم زكاة ، أم صدقة، فذلك محرم علينا أهل البيت!
فقال الأشعث: وهو هادئ الأنفاس:
- لا ذا ولا ذاك يا أمير المؤمنين! ولكنها هدية!
 فما زاد عليا هذا التقديم إلا غضبا على عامله وهتف به:
- هبلتك الهبول ! أعن دين الله أتيتني لتخدعني! أمتخبط ، أم أصابك جنون، أم أنت تهذي؟ أكل رعية أمير المؤمنين تأكل اليوم من هذه الحلواء ؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة أسلبها قشرة شعيرة ما فعلت، إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها...
 رد هديتك إليك، ليس أمير المؤمنين في حاجة إلى هذا! ما لعلي ولنعيم يفتى ، ولذة لا تبقى؟ خرج الأشعث مكسوفا، حاملا هديته، وهو لا يدري كيف يزن خطاه المترجرجة، ويقول بينه وبين نفسه:
 - أهكذا تحرم المسؤولية أهلها من تذوق النعمة؟!
لقد كانت هذه الفصول تتوالى في أمة ذلك اليوم... يوم العيد، بينما كانت بنت أمير المؤمنين، وهو فتاة في منطلق العمر، وريعان الشباب، تسترق النظر في بيت المال الفارغ إلا من عقد لؤلؤ نفيس، كان بريق حباته يشق الظلام.
 تأبى عاطفة الأنوثة فيها إلا أن تتمنى أن يكون هذا العقد، في عنقها أيام العيد، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
- إن عليها أن تستجدي قيم بيت المال "علي بن أبي رافع" وتطلب منها أن يمنحها ذلك العقد، لتزين به نحرها صبيحة العيد...
- أه! كم يكون هذا العقد ساطعا في عنقي يوم! وكم تمتد إليه عيون أترابي، متشهية حاسدة! وكم أكون وحدي بهذا العقد!
 انطلقت إلى "علي بن أبي رافع" وطرقت عليه الباب... فحياها عاجبا من أورها، ومن دخولها عليه في مثل هذا الوقت.
 - إيه، يا بنت أمير المؤمنين، ما أتى بك في مثل هذه الساعة؟
ضحكت الفتاة، وعلت خديها حمرة الخجل ، وقالت على استحياء:

- هل أنت تخجلني يا بن أبي رافع؟
- معاذ الله! إن لبنت أمير المؤمنين حقا علينا! إلا أن يكون في ذلك معصية...
قالت له:
- لقد رأيت في بيت المال عقدا من الجوهر...لمن هو؟
قال:
- إنه عقد إحدى بنات كسرى، اغتنمه الغزاة في الجهاد.
- ومن يملكه الآن؟
- إنه ملك المسلمين كلهم.
- حسنا! هل تستطيع أن تعيرني إياه أيام العيد، أتزين به؟  و لك علي عهد أن أعيده إليك كما هو...
- تريدينه عارية مردودة بعد أيام العيد..؟ ولكن... لماذا لا تطلبينه من أبيك، وهو صاحب الأمر،يعطي،ويمنع؟
- ولكنك تعلم صرامة أبي...إنني لا أستطيع أن أفاتحه بدلك.
فقال لها:
- وماذا يدريني إياك ستقع عليه عيناه؟
- إنني سأجهد ألا يراني أبدا.
وما زالت به، حتى أقنعته بأن يعيرها إياه...
انطلق معها إلى بيت المال، وأخرج العقد، وأخذ منها موثقا أن تعيده بعد أيام العيد!
نام العقد على نحر أمير المؤمنين، هذه الليلة، وهي لا تصدق أنها تملك العقد الذي طالما تزينت به نحور بنات الأكاسرة... وهي تحلم بذلك الصباح، وتتوسم في تلك الوجوه المشدوهة تعجبا، وفي تلك العيون الحائرة التي تتميز من الحسد، بينما أبوها ظل يساهر الليل، وهو يفكر في شأن أخيه، وأولاده، وفي شأن غيره ممن يأتيهم العيد، وليس عندهم شيء من كسوة العيد، وطعامه...
إنه يفكر... هل يفاتح في خطبة العيد المسلمين بهذا الأمر؟ إنه موضوع جليل يضربه في معنى نزاهة  الحكام، والولاة، ليتخذوا منه مثلا.
وفي الصباح كان يدلف علي إلى مسجد الرسول وحده، وعيناه ذابلتان من لدغ السهر، والهم، والتفكير... وارتقى المنبر، منبر رسولا الله، خطيبا، يصف ما ألن به أمس، والناس ذاهلون كأن على رؤوسهم الطير... ولا شك أنهم أدركوا المغزى من هذا الكلام... ذلك المغزى الذي يحث الناس الأقوياء على مشاركة الضعفاء، والأغنياء على مقاسمة الفقراء أفراح العيد، حتى لا يبقى بيت بدون فرحة، ولا وجه بدون ابتسامة. كل ذلك كان يتوالى، بينما كانت ابنة أمير المؤمنين تحمل العقد، وترقص فرحا به، وتهيئ جيدها لاعتناق اللآليء..حتى إذا اكتملت زينتها خرجت تريد و ازدحم النساء، من قريبات، وصاحبات، وهاهي تتمايل تيها ، وتتباهى عجبا، وترفع عنقها، ليسطع بريق العيد حولها، والبنات يجتمعن به، محدقات في هذا العقد الجديد. وهن يسألن:
- من أين لك هذا العقد يا بنت أمير المؤمنين؟
- يا له من عقد ثمين لم تر المدينة مثله!
- يا لها من لألئ لم تطوق جيد فتاة عربية من قبل... في بنات المناذرة ، ولا بنات غسان. وهي تضحك، وتلهو، وتنفر كظبية لعوب. وقد كان أكثر من فاجأهم هذا المرأى أولاد عقيل... الذين راحت نظراتهم المقلوبة تستنكر هذا المشهد... وهو يلقون هذا السؤال بينهم وبين أنفسهم:
- أيجوع أولاد عقيل، ولا يجدون ما يطعمون في هذا العيد، بينما ابنة عمهم تزدهي بعقد الأكاسرة؟يا للحظ العاثر! وإنها لعائدة إلى البيت في المساء، فاجأها أبوها ... فأدارت وجهها عنه مذعورة، وهمت بأن تتوارى. لكنه صاح بها:
- ابنتي!! أين أنت؟ إخوتك كلهم حيوني تحية العيد إلا أنت، أبمثل هذه الجفوة تقابلين أباك؟
لم تستطع هذه المرة الإفلات من بين يديه، وأحست في داخلها كأن عاصفة توشك أن تهب.
وما رآها، حتى أجفل كأنما طعنه شيء في قلبه بغتة.
- ويلك! مادا أرى؟ من أين لك هذا؟
قالت له بلهجة كسيرة:
أبتاه! الحق أقول لك... إنني اشتهيت هذا العقد، وراجعت بشأنه قيم بيت المال، على أن يعيرني العقد عارية مضمونة، و مردودة بعد ثلاثة أيام... لأتزين به في العيد.
بعث علي وراء ابن أبي رافع وسأله:
- أتخون المسلمين يا ابن أبي رافع؟
- معاذ الله أن أخون المسلمين؟
- كيف أعطيت بنت أنير المؤمنين العقد الذي في بيت المال بدون أذني ورضاهم؟
قال:
- إنها ابنتك، وسألتني أن أعيرها العقد تتزين به، فأعرتها إياه عارية مردودة بعد أيام العيد...
فنهره علي، وقال له:
- رده الآن إلى موضعه! وإياك أن تعود إلى مثله، فتنالك عقوبتك!
والتفت إلى ابنته:
- وأنت يا ابنتي! لو كنت أخدت العقد، على غير عارية مردودة، مضمونة لكنت إذن أول هاشمية قطعت يدها في سرقة، في الإسلام.
فتناثرت الدموع من عيني الفتاة، وقالت له:
- يا أمير المؤمنين! هل أنا إلا ابنتك، وبضعة منك، فمن أحق له مني؟
فقال لها:
- يا بنت أبي طالب! لا تذهبي بنفسك عن الحق! أكل نساء المهاجرين والأنصار يتزين في مثل هذا العيد بمثل هذا العقد؟
أوت الفتاة إلى فراشها، ونامت، فريسة أحلام مضطربة، فمن حلم يصورها أسعد فتاة لأنها تتحلى بهذا العقد، ومن حلم مرعب يصور لها أباها، وهو يأمر بقطع يدها، فتهب مذعورة من نومها، فلا ترى إلا الظلام. وعلي ينام، ولكنه لا يزال قلقا يفكر، و يتساءل:
- لماذا لا يشبع الجميع؟ ولماذا لا يكون لكل فتاة عقد تتزين به؟

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here