islamaumaroc

الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام

  دعوة الحق

143 العدد

طبقا لما كنا أشرنا إليه في حديثنا الأول، فإن هذه السلسلة ستشمل أيضا، بعض الكتب التي انحرفت عن جادة الأنصاف والموضوعية حينما تناولت تاريخ المغرب والإسلام. فقد تبين لنا من خلال النظرات التي ألقينا على كتب "بيلا" و "لو كونت" و "سورديل" و "بيرل" أن هنالك طائفة من الباحثين والمؤلفين الأوربيين الذين انحنوا بتقدير وعطف على تراثنا، منتقدين ماهو حقيق بالانتقاد، ومعجبين بما هو حرى بالإعجاب، يحدوهم في ذلك مبدأ الأمانة الذي يتمسك به كل عالم حقيقي، مهما كانت جنسيته.
لكن هنالك طائفة أخرى من المؤلفين الذين لم يستطيعوا أن يتحرروا بالكلية من رواسب العقلية الاستعمارية ومن بعض المواقف الفكرية التي ربما كان يرجع البعض منها إلى عهد الحروب الصليبية. ومن هذا القبيل كتاب "الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام" بقلم "كسافيي دوبلانهول" . ورغم أن المؤلف أستاذ جامعي يعمل بإحدى الجامعات المحترمة بفرنسا، ورغم أن الموضوع الأساسي الذي حاول أن يعالجه في كتابه جليل وعظيم الفائدة، فإنه انحرف منذ اللحظة الأولى عن جادة الصواب وانساق وراء نظريات ومسلمات تندهش لها العقول السليمة ويباغت بها الشعور العلمي وقواعد المنطق.
ويقتضي منا الإنصاف أن نعترف، بادئ ذي بدء، أن الفكرة التي انطلق منها المؤلف سديدة وجديرة بكل اعتبار. فقد أراد أن يربط بين تاريخ الإسلام وبين الأراضي التي استقرت عليها الشعوب الإسلامية، مستخرجا من وراء استقراآته وملاحظاته العديدة بعض القواعد الأساسية التي يقوم عليها الربط بين تاريخ وجغرافية العالم الإسلامي. فلا ننسى أن العوامل الجغرافية لها دور حاسم في تاريخ كل الشعوب وأن التغاضي عنها يؤدي، حتما، إلى نظرة سطحية وناقصة إلى حياة المجتمعات وتطورها. ولذلك فلا مندوحة لنا إذا أردنا حقا أن نتعمق في دراسة تاريخنا من أن نعود، بصورة جادة، إلى موضوع علاقة الإنسان بالأرض وتفاعله مع ظروفها القائمة.
ويجب أن نعترف أن دراسة تاريخنا، من خلال هذه الزواية، ما زالت في بداية البداية. وهذا راجع بالطبع، إلى ما تتطلبه من مجهودات طويلة وشاقة في البحث عن تطور الزراعة والعقار الفلاحي ومؤسسات الري والعلاقات بين الاقتصاد الرعوي والاقتصاد الزراعي إلخ... وكان بودنا أن نرحب بهذا الكتاب الجديد، كتاب "كسافييي دوبلانهول"، مادام موضوعه طريفا ومفيدا، لولا أنه انطلق من مغالطات ومسلمات زائفة كما أسلفنا. ويصعب علي، والحق يقال، في مثل هذا الحديث القصير، أن أشفي الغليل من انتقاد كل ما يستحق النقد في هذا الكتاب. فهو يفاجئنا في صفحات كثيرة بنظريات واستنتاجات غريبة تمس بتاريخ الإسلام
ومقومات حضارته، بتحامل بين، ولذلك فسأكون مظطرا إلى أن أقتصر على البعض من تلك النظريات والاستنتاجات الخاطئة التي يتبين لي أن مناقشتها ستكون ذات فائدة.
وأول ما يفاجئنا به المؤلف في كتابه هو إنكاره، في كلام ملتو ومتناقض أحيانا، للعمل الإيجابي الذي قامت به الدولة الإسلامية منذ نشأتها في الميدان الاقتصادي. فهو يرى أن خروج المسلمين الفاتحين الأولين من جزيرة العرب تكرار دوري لهجرة القبائل الرحل الذين كلما ضاقت بهم سبل العيش في أراضيهم المجدبة انتحلوا لأنفسهم من الأسباب ما يبرر في أعينهم غزو الأراضي المجاورة. وهكذا، فإن هؤلاء الفاتحين الرحل، حينما استقروا بفارس والعراق والشام ومصر وبلاد المغرب نقلوا معهم أساليبهم الاقتصادية الساذجة التي كانت تنبني أساسا على رعي الماشية وتتجاهل الزراعة، الشيء الذي ترتب عنه تدهور الفلاحة في الأراضي التي خضعت للإسلام. فالفاتحون بدل أن يستعملوا التربة الصالحة للزراعة في إنتاج الحبوب والخضر والفوكه، أطلقوا فيها ماشيتهم واتخذوها مراعي لدوابهم. وهكذا ضاقت البقعة الزراعية بالتدريج في البلاد الإسلامية ولم تستمر إلا في المناطق التي استطاعت أن تدافع عن نفسها بسبب موقعها الجغرافي، مثل الجبال، أو توفر وسائل الري، مثل وادي النيل. ويستعرض المؤلف الأقطار الإسلامية بالتتابع، مبينا كيف طغى عليها الاقتصاد الرعوي بعد دخولها إلى الإسلام وكيف تدهورت فيها الفلاحة، وكل هذا من عمل القبائل الرحل التي انتقلت من أوطانها إلى أوطان أخرى،. فبعد القبائل العربية التي انتشرت مع الفتوح، ظهرت موجات أخرى من الرحل مع انتقال القبائل التركية من بلاد ما وراء النهرين إلى إيران وآسيا الصغرى ومع غزوات المغول والتتار التي حفل بذكرها التاريخ، وكانت البلاد الإسلامية أول من تأثر بها سياسيا واقتصاديا.
ويحاول المؤلف أن يفسر هذه الظاهرة، ظاهرة طغيان الاقتصاد الرعوي في البلاد الإسلامية، بالرجوع إلى المذهب الإسلامي ذاته، فيؤكد، دون الاستناد لأي حجة، أن الإسلام، من الأصل، لم يكن مشجعا للزراعة. ولا أرى من المفيد أن أستمر من تحليل هذا الخليط من المغالطات الضخمة الذي أثار انتقادا قويا واحتجاجا لدى الأوربيين أنفسهم الذين رأوا في الكتاب عملا مشينا بالعلم وتحاملا سافرا على شريعة وحضارة يشهد لهما التاريخ بالأصالة والجدارة، ومازالت الأبحاث الجارية تكشف النقاب عن جوانبها اللامعة.
ونتساءل: من أين أتى المؤلف بهاته النظريات المتهافتة؟ فكل المستشرقين الكبار الذين اشتغلوا بتاريخ الإسلام مثل فيلهاوزن، وجب، وكاهن، وبروكلمان، وليفي بروفنصال، وبرنارد لويس وغيرهم لا يذكرون شيئا مما أتى به المؤلف ، بل ويؤكدون العمل الإيجابي التي قامت به الدولة الإسلامية منذ نشأتها في الميدان الفلاحي. إذن فما هو مستند المؤلف؟ هنالك، بالطبع، التأثيرات المنبعثة من النظرية الاستعمارية والتي أشرنا إليها في الأول، نضيف إليها ذلك التهافت الذي أقبل به عدد من المؤلفين الاستعماريين على دراسة ابن خلدون وتأويل آرائه. ونظرية ابن خلدون عن البدو معروفة، لكن ابن خلدون لا يخلط مطلقا بين أولئك البدو المعاصرين له وبين المسلمين الفاتحين الأوليين ويكفي أن نرجع إلى تاريخه لنتأكد من الفرق الكبير الذي يضعه بين الاثنين . ونشير بالمناسبة هنا إلى أنه لا يوجد مؤلف قد استغلت آراؤه لغير ما كان يرمي إليه مثل ابن خلدون.
على مثل هذه المغالطات يبني "كسافييي دو بلانهول" نظريته، والواقع أن كل الحقائق التاريخية الثابتة تفند رأيه من الأساس. فانتشار الإسلام في الأراضي المفتوحة اقترن بالنسبة إليها بنهضة زراعية ضمن التطور الاقتصادي العام الذي أحدثته الثورة الإسلامية الكبرى في عالم العصر الوسيط. وكل المصادر التاريخية تحدثنا عن المجهودات التي بذلت في تنظيم الري منذ القرن الأول للهجرة سواء في بلاد الرافدين أو في وادي النيل أو في غيرهما من المناطق التي عرفت بقابليتها للزراعة، ويكفي أن أشير هنا، على سبيل المثال، إلى أن الحجاج كان يفرض على الفلاحين النازحين إلى المدن العراقية أن يعودوا إلى أراضيهم حتى لا تقل عمارة الأراضي ويضعف دخلها. فقد كانت الدولة ترى من مصلحتها أن يقع التوسع في استثمار الأراضي حتى يكثر الخراج وتتسع مداخيلها. وتشير المصادر مثل الطبري والمسعودي والبلاذري
وغيرهم إلى المزارع الكبرى التي أقامها العرب في مناطق متعددة، الشيء الذي أثار أحيانا بعض الأزمات الاجتماعية. فثورة بابك الخرمي، مثلا، قامت لانتشار هذه المزارع الإقطاعية ببعض المناطق بفارس. وكذلك الشأن فيما يتعلق بثورة الزنج بناحية البصرة لانتشار زراعة قصب السكر بالمنطقة. وكتاب الخراج للقاضي أبي يوسف يبين لنا الأهمية التي كانت تحتلها الزراعة في العالم الإسلامي.
فإذا رجعنا إلى بلاد المغرب، يكفي أن نذكر الدور الذي قام به العرب في إنعاش الفلاحة باسبانيا وتطويرها وتنظيم الري وإدخال عدد من المزروعات التي كانت مجهولة بها. ويكفي أن نقرأ كذلك ما كتبه أبو عبيد البكري عن الازدهار الذي عرفته الفلاحة في عدد من مناطق المغرب أثناء القرن الخامس الهجري. وفي كتابه أوصاف دقيقة عن سائر النواحي ومنتجاتها. وهل أحتاج إلى التذكير بأن أوربا كانت تعتمد كثيرا على ما تنتجه البلاد الإسلامية لإتمام وسائل تغذيتها.
فكل المصادر التي بين أيدينا تؤكد أن الإسلام في عهد ازدهاره، أي في القرون الخمسة الأولى بعد الهجرة، عاش عهدا من التوسع في الفلاحة وعمارة الأراضي واستصلاحها. ولست أدري على أي مصدر اعتمد المؤلف حينما أتى بنظرياته الغريبة. ويجب أن نذكر إلى جانب هذا أن العرب لم يكونوا  فلاحين عمليين فقط ، بل اشتهروا كذلك بعلم الفلاحة، والكتب في هذا الباب تعد عندهم بالعشرات. وقد استفادوا من تجارب الأمم السابقة فعربوا، مثلا، كتاب الفلاحة النبطية. وألف أبو حنيفة الدينوري كتاب "النبات" الذي ضمنه دراسة شاملة عن سائر أنواع النبات التي توصل إلى معرفتها بمجهوده. ومن العلماء المبرزين ابن البيطار الذي اشتهر هو، أيضا، باطلاع واسع وشامل للنبات. ناهيك بكتاب ابن العوام عن الفلاحة، وابن خير وغيرهما. هذه الدراسات والكتب مثلت مرحلة لتقدم العلوم الفلاحية وعليها أنبتت الخطوات التالية التي حققتها فيما بعد بأوربا.
فإذا عدنا الآن إلى نظرة الإسلام إلى الفلاحة يكفي أن أذكر ببعض الأحاديث النبوية التي قرنت الملكية الفلاحية باستصلاح الأراضي. وهل هنالك من جواب على افتراءات "كسافييي دوبلانهول" خير من تلك التشريعات الواسعة في المذاهب الأربعة والتي تدافع عن حقوق الفلاحة والفلاح. فالتشريع الإسلامي اهتم بالفلاحة في سائر مظاهرها ومراحلها، فعمل على حماية الملكية وعلى التمييز بين أنواع المعاملات في النشاط الفلاحي، مع ضمان الحقوق الناتجة عن الأحوال المختلفة من مساقاة ومغارسات وشركات إلخ.. وبديهي أن مثل هذا النشاط التشريعي ما كان ليوجد لو لم توجد دواعيه أي لو لم يكن هنالك فلاحون ينتظرون من التشريع والقضاء أن يبين لهم حقوقهم ويفصل في مسائل نزاعهم. وإذن، فالقول بأن الإسلام لم يكن مشجعا للفلاحة، من الوجهة المذهبية، افتراء محض وتحامل سافر.
نعم، كان هنالك عهد انحطاط في تاريخ الإسلام تدهورت فيه سائر الأوضاع وضعف المسلمون وفترت حضارتهم وأصاب الفلاحة من ذلك ما أصابها. ولكن هذا حدث له أسباب أخرى، لا دخل فيها للإسلام ولا لانتشار العرب الفاتحين في الأرض.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here