islamaumaroc

في الإسلام وقضايا العصر: مفاهيم وحقائق -1-

  دعوة الحق

143 العدد

1-ليس من المصادفة أن نسمع أو نقرأ عن هجوم يشنه البعض على الإسلام و مباديه من آونة لأخرى ، بدعوى التحرر و التحضر و التقدم و ما إليها من الدعاوي مخلصة الظاهر خبيثة الباطن ، و يخلقها الحقد و الحسد في كثير من الأحيان . وليس من المصادفة كذلك أن نجد من يتشدقون بهذه الدعاوي بعض من أهلنا و ذوينا يحسبهم الجاهل مسلمين حقا و صدقا .
و لو نظرنا بعمق إلى حقيقة ما يواجهه الإسلام و ما يجري ضده في الخفاء لما استغربنا أن يواجهنا في الآونة الأخيرة من يقول بأن الدين عقبة في سبيل الثورة الفكرية و الحضارية التي يجب أن تقوم بها أمتنا العربية (1).
و لما استغربنا أيضا إقحام بعض القضايا العلمية و الاجتماعية للتدليل على قصر النظرة الإسلامية في معالجة القضايا.. و الإسلام قد أوفاها حقها من التقنين و التشريع (2)، ووضع لها أحكاما في صالح الفرد و المجتمع دون ظلم أو أحد منهما على حساب الآخر."و نضع الموازين القسط ليوم القيامة "(3).
ولعل كل هذه المحاولات غير المستغربة تهدف إلى شيء واجد شغل بال الكثيرين من الخبثاء و هو فصل الدين عن الدولة لتحقيق ما يسمى "بالعلمانية"و ترويج ما يروقهم من مذاهب و عقائد لا تتفق مع الواقع المعاصر للشعوب العربية و الإسلامية على صعيدها العام و مستواها الخاص داخل كل دولة .
و من ثم فإننا نستطيع أن نشم عبر هذه المحاولات رائحة حرب خفية غير معلنة يقودها البعض من وراء ستار ، و يدفع إليها آخرون حسنت نواياهم أحيانا و خبثت فيركل حين .
 2-و نعتقد أن الحرب على الإسلام نتاج لمجموعة من العوامل و الأسباب نشأت منذ فجر الإسلام و تأصلت في أرض خبيثة و امتدت لتمكن شجيرتها من النمو و البقاء حتى عصرنا و ما بعده من العصور لإطفاء المشكاة الإلهية و إظلام العالم الإنساني ، و إغراقه في الرزايــــــــــــا و الدنايا،"و يأبى الله ألا أن يتم نوره و لو كره الكافرون "(4)،"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم و الله متم نوره ولو كره الكافرون ،(5).
و نستطيع أن نشير هنا إلى أهم هذه الأسباب منذ نشأة الإسلام حتى يومنا.
أولا:الحقد اليهودي المتأصل في نفوس اليهود منذ ظهر الإسلام كقوة تشجب الاستغـــــــــلال ، و تسوي بين جميع البشر و تفاضل بينهم على أساس من تقوى الله و طاعته و الإخلاص له، وقد رأوا فيه خطرا حقيقيا على سلوكهم الاقتصادي و الاجتماعي و الفكري ، و هو سلوك يكتسبون منه و به القدرة على استغلال الآخرين و السيطرة عليهم ماديا و عقليا لخدمة مصالحهم الخاصة دون اعتبار لحقيقة الشريعة الموسوية الأصلية .
ثانيا: التعصب الصليبي المتغلغل في نفوس الأوربيين المسيحيين ، و هو تعصب غذته الكنيســــة و أنماه الكهنوت ضد الإسلام الذي يحرم على الإنسان أن يجعل بينه و بين خالقه وساطة ، و الذي يعطيه الحق في الاتصال المباشر بربه"و إذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان " (6) .و بذلك فإن حق الإنسان المسلم أن يتمتع بحق الحرية المطلقة بينه و بين ربه فلا تقيده أغلال البابوية ، و لا تعقده قيود الاعتراف أو الوساطة من الكنيسة أو غيرها..وقد انطلق المتعصبون يساندهم رجال الدين الضالعون في مساندة الاستبداد و الحكام الظلمة إلى شن حروبهم الصليبية و الاستعمارية ضد الإسلام و المسلمين ، أملا في سحق الشعوب الإسلامية و القضاء على روح الإسلام ،و تصفية موقع الخطر عليهم ، و ليتمكنوا من استغلال العالم اقتصاديا و يحققوا إستراتيجية عسكرية تحمي هذا الاستغلال ، و ينشروا دعاواهم و عقائدهم .
ثالثا: الشيوعية كحركة تمرد نشأت عن الكبت السياسي و الإرهاب الديني الذي مارسته الكنيسة في مساندة القياصرة ضد الجماهير.. وقد قامت الشيوعية أساسا على رفض الدين والروح ، و الإيمان بالمادة ، فكفرت بالكاثوليكية و غيرها من المذاهب الدينية ، و قد اعتبرت الشيوعية الأديان"أفيونا للشعوب"يسبب لها التخلف و يخضعها للظلم و الاستبداد(7). و من هذا المنطق تهاجم الشيوعية الإسلام ، و تهاجمه بصفة خاصة لأنها تراه من أكبر الأخطار عليها ، لأنه يحتويها و يفرغ مضمونها التدميري و الاستبدادي.
رابعا:الحركات الشعوبية التي لا تستطيع المهاجرة بعدائها لإسلام والمسلمين..بل تضرب من الخلف و بذكاء شديد متذرعة بأسباب مقبولة شكلا و يرفضها المتأمل الفاحص جوهرا و مضمونا –وقد ركبت هذه الحركات بعض الموجات الصاعدة في المجتمع الإسلامي و استفادت منها في تحقيق أهدافها و مراميها..
و الشعوبية لا تستطيع المهاجرة بما تخفي بل تسير في الظلام و تضرب دون أن يراها أحد يشهد عليها و يدينها ، فأصبحت بذلك أخطر الأخطار على الإسلام و المسلمين من العدو المهاجر ، لأنه يصعب معرفتها و محاربتها هذا إن لم تكتسب فوق ذلك عطف البعض و حنانه حين يرى سيماء الذل و المسكنة تغلف مظهرها الخبيث .
وقد حذرنا جل شأنه من هؤلاء ة أسماهم بالمنافقين ووعدهم بأشد العقاب."متذبذبين بين ذلك لا إلا هؤلاء لا إلا هؤلاء ، و من يضلل الله فلن تجد له سبيلا"(8)،"إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار و لن تجد لهم نصيرا "(9).ولقد رأينا بعض هؤلاء في عصرنا الحديث يضربون على وتر حساس له صلة بالقرآن الكريم كتاب الأمة الإسلامية..فقد حاولوا القضاء على اللغة العربية و إذابتها في اللهجات الدارجة لإماتة الإحساس الديني لدى المسلمين، و انتزاع الروح الإسلامية من وجدانهم، وإفراغ المحتوى الإنساني من قلوبهم، لزرع الأفكار المسمومة و الأغراض الخبيثة(10)
خامسا: يدخل الحرب الخفية ضد الإسلام بسلامة النية و حسن الطوية و سطحية النظرة ،بعض المسلمين الذين انبهروا ببريق الحضارة الأوربية و الحركات الثورية في الغرب.فقد اعتقدوا أن الحضارة الأوربية و ثورات شعوبها المتطرفة أمثل النماذج للحياة الإنسانية ،رافضين كل الرفض القيم الإنسانية في الإسلام و بناءه الإنساني .فلم ينظروا بعين العقل و الروية إلى ما في الإسلام من قيم و بدع.. فتشيعوا للحضارة و التطرف دون نظرة علمية منطقية..وهؤلاء –في رأينا-أخطر على الإسلام و المسلمين من كل الأعداد السابقين و اللاحقين.فهم يخاطبون أهليهم و ذويهم بلغة مشتركة تتيح لهم أن يلمسوا مواضع القوة و الضعف ، والثبات و الاهتزاز،وهم يستطيعون أن يضربوا على الأوتار الحساسة التي تتأثر بأقل اللمسات من كلمة أو فكرة تصدر عنهم .
وليس لي أن أسترسل في أسباب الحرب على الإسلام أكثر من ذلك، لأنها كثيرة و متعددة ولا نستطيع في هذه العجالة الموجزة أن نستقصي كل عوامل و مسببات الحرب و المواجهة مع الإسلام لدى الحاقدين و الشامتين ،و يكفينا أن تعلم أن هذه الحرب تنطلق من مواقع كثيرة،و تتطاير سهامها إلى مواطن ضعف محسوبة لي الإسلام ظلما و تعسفا..والذي يعنينا الآن هو مناقشة بعض المفاهيم التي تطرح عن الإسلام في أواننا ، و التي تطمح إلى تمييع الشخصية الإسلامية و إذابتها في محيط من الأفكار و العقائد الهزيلة و التدميرية التي لا يستفيد منها الإنسان كفرد و لا البشر كمجموع.
                                             (2)
                                                        
-هل الإسلام عقبة في سبيل حضارتنا و مستقبلنا ؟
-وهل نحتاج حقا إلى ثورة في الفكر الديني ..؟
سؤالان..و الإجابة عليهما واجب لازم..لأنهما يلحان بعنف في أيامنا، و ينتظر الكثيرون ممن يدورون على حافة الغربة الروحية و الحيرة العقائدية إجابة شافية تعطيهم القدرة على الحكم والتصرف في أمر يمس حياتهم و يتعايش معهم من الشهقة الأولى في الوجود حتى آخر نفس فيه.
و احسب أن الإجابة على السؤال الأول تقول:لا
و الإجابة على السؤال الثاني بعد تحفظ تقول:نعم.
 و نخطو خطوة في بسط إجابتنا عن السؤال الأول بلا..ثم الخطوة الثانية للإجابة عن السؤال الثاني . يقال :"إذا كنا جادين في سعينا لحشو ثورة ثقافية عربية شاملة (وجب)علينا أن نبدأ بمواجهة هذه الحقيقة :إن العقبة الأولى في هذا السبيل هي العقبة الدينية ،وأننا لن نصل إذن إلى الثورة المنشودة إلا إذا ذللنا هذه العقبة وأزحناها عن طريقنا(11).
لماذا؟
لأن"الناس في أقطارنا العربية لا يزال الاعتبار الديني يغلب على كل اعتبار عندهم"(12).
و الحقيقة-أن جوهر الإسلام،إنساني الغاية و الهدف،واقعي الوسيلة و الحركة ، كل غايته أن يرقى الإنسان و أن يسمو به، و يعطيه حقه من التكريم و التبجيل و يحفظ عليه كرامته و حياته"ولقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"(13).
و الإسلام لا يرضى بما يحط من كرامة الإنسان أو يقلل من قيمته أو يهدر إنسانيته ، و من ثم فإن تطور الإنسان و رقيه ، وتسخيره للطبيعة بما يكفل له الراحة بعد العناء،والسهولة بعد العسر،والأمن بعد الخوف،من الواجبات التي يفرضها الإسلام على المسلم طالما كان ذلك في إمكانه وداخل إطار قدرته البشرية.
ولقد أوضح الإسلام الطريق إلى بناء الحضارة و ذلك بدعوته إلى المعرفة، والمعرفة بالضرورة تقود إلى الكشف و الإطلاع على الجديد..وكان أول ما  نزل من القرآن الكريم داعيا إلى المعرفة والبحث ولنتأمل قول الحق سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :"اقرأ باسم ربك الذي خلق،خلق الإنسان من علق،اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ،علم الإنسان ما لم يعلـــــــــــــــــم"(14). وهذه الدعوة الإلهية إلى القراءة أو المعرفة أو البحث ،دعوة يتميز بها الإسلام دون سواه ،حيث جاءت هذه الدعوة دون وساطة أو كهانة أو سلطة دنيوية ،وتركت الإنسان المسلم حرا في بحثه و تحصيل معرفته ليتملى من آيات ربه،وليعلم من المجهول ما لم يعلمه من قبل(علم الإنسان ما لم يعلم".
ولم يقف الإسلام بالإنسان المسلم عند حدود معينة يتجمد إزاءها،وينظر إلى الأحداث من بعيد،وكأنها لا تعنيه أو لا تخصه ،كذلك فإنه لم يدعه وشأنه من ناحية واجبة إزاء نفسه بل جاء الإسلام لينطلق بالإنسان إلى آفاق أرحب وواسع ،تضم ذاته والعالم المحيط به ظاهرا وباطنا،روحا و مادة ،حقيقة ومجازا..يقول تبارك وتعالى :"أو لم يتفكروا في أنفسهم،ما خلق الله السموات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و أجل مسمى"(15)
إنها دعوة إلى الفكر أو التفكير ترفض الانغلاق ،وترفض الجمود ،ودعاوي التجهيل والتراجع،والحضارة لأساسها الفكر والتفكير ،والإسلام بدعوته إلى التفكير و المعرفة والبحث لا يعد عقبة في سبيل بناء الحضارة العربية الإسلامية المعاصرة.
وأكثر من ذلك نجد تلك المقارنة الموحية والبالغة الدلالة "قل هل يستوي الأعمى والبصير"(16)
"أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ،إنما يتذكر أولوا الألباب "(17).
و قال تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء"(18).
 وقال :"هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون"(19).
  وقال:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ، و الله بما تعملون خبير"(20)
إن حضارة العصر الحديث تعتمد العقل والمنطق،والبحث والتجربة،وما نحسب الإسلام قصر في هذه ولا دعا إلى تركها أو الجحود دونها ،بل أنه في معظم مواقفه دعا إلى العقل والمنطق،وتحكيمها فيما يعترض المسلمين من الأحداث سواء كانت متعلقة بأمور دينهم أو أمور دنياهم ،ودعا إلى البحث والتجربة والاجتهاد ،وقصة معاذ بن جبل حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفه لمعظم الذين يتابعون البحث الديني ،فقد سأله بما يقضي ؟أجابه:بكتاب الله،فسأله إن لم يجد في كتاب الله فقال:بسنة نبيه ،فسأله إن لم يجد في سنة النبي ،فأجابه بالاجتهاد .فأقره النبي على ذلك .وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه"أنتم أعلم بأمور دينكم"وكما هو مشهور في مسألة تأبير النحل فقد أقر أصحابه على آرائهم ونزل عليها ،وقيل في معنى ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم :"ما رآه المسلمون جسنا فهو حسن"وقوله صلى الله عليه و سلم "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
كل ذلك يؤكد أن الإسلام لا يقف عقبة في سبيل التطور أو الحضارة..وليعلم الذين يعتقدون أن الدين عقبة في سبيل تقدمنا إن الإسلام جاء أمة من البدو الرعاة –التجار أحيانا-فصنع منهم خلال قرن من الزمن امة ذات حضارة تطورت و نمت وكبرت واتسعت أطرافها بعد خمسة قرون من بدء دعوته .ولقد وصلت الحضارة إلى ذروتها في عهد العباسيين علما وفكرا ومرافق حياة،في الوقت الذي كانت فيه دول الغرب ذات الحضارة المعاصرة تحيا في ظلام دامس يفرضه الطاغوت الحاكم مع الكهنوت المتسلط و الذي ينبعث من الكنيسة قهرا و إرهابا و قيودا و أغلالا.
ويتضح من ثم إن جوهر الإسلام تقدمي النزعة ،ثوري بالطبيعة ،داعية حضارة و رقي وتسام بالضرورة ،ولم يكن عقبة في سبيل التقدم و التطور والحضارة كما يدعي بعض السطحيين من بني الوطن ،وقد يقال مثلا:إن الإسلام كان كذلك –تقدميا وثوريا وداعية حضارة –في بدء الدعوة،وذلك للظروف التي وجد فيها آنئذ حيث كان يتناسب معها  ويصلح لها ،وحين انتهت هذه الظروف تدهورت حالة العرب ،وحط عليهم التأخر ولازمهم من يومها حتى قرننا العشرين. وهذا القول فيه مغالطة كبيرة ،لأن الدين الإسلامي في جوهره الأصيل يعانق الإنسان أبدا حيثما كان وكيفما كان،ويسير معه من زمن على زمن ،ويسمو به و يرقى طالما تمسك بهذا الجوهر الأصيل ،ونفذه بإخلاص وعقيدة وتفان ،والناظر في أسباب الانحطاط يجدها أبعد ما تكون عن الإسلام وروحه النقي.لقد وحد الإسلام دولة العرب التي اتسعت و شملت كثيرا من الأجزاء غير العربية ،وصار الجميع واحدا تحت راية واحدة ،وأقيمت دولة الحضارة المزدهرة ،وحين سيطرة النزاعات والعصبيات والأغراض والشهوات والغارات لدى الحكام والمحكومين والمغيرين،تمزقت الدولة و انقضى سامرها ،ولم يبقى من كل بريقها الوهاج إلا أطلالا تنعي من فاتوها خرابا بلقعا دون ذنب جنته،أو جريمة إجترحتها.
 إذا لم يكن الذنب ذنب الإسلام، ولم يكن هو سبب التأخر والانحطاط، وهاهو جوهره الأصيل الباقي يدفع كل من يقول بأنه السبب في التأخر و الانحطاط.
                                                   (3)
ودليل آخر من بعيد ،حي متحرك أمام أعيننا ذلك هو ما يجري في دولة "الباكستان "لقد أنشأت هذه الدولة حديثا واعتمدت الإسلام للدين و الدولة ،وهاهي تقفز بخطى حثيثة على درب الحضارة والتقدم دون أن يجرؤ أحد بالقول أن الإسلام هو العقبة في سبيل تقدمها ..بل أن الجميع هناك يقولون ،والكثيرون من المبصرين وأصحاب البصيرة هنا يؤكدون –أن الإسلام كان هو الحافز والباعث والدافع إلى بناء دولة لباكستان الحديثة حضاريا وإنسانيا  .
ومن العجب أن يقال أن كل من يعارضون الآراء الجديدة والمذاهب الجديدة ،يفعلون ذلك باسم الدين ،وينطلقون من موقفهم المحافظ الجامد (21)، والذي أعرفه أن الدين قد وضع تشريعا للعلاقات الاجتماعية، وهذا التشريع صواب في خطوطه العريضة هذا الزمان وفي غيره من الأزمنة ،وحين يأتي واحد يمسح خطا من هذه الخطوط التي اتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع فإن من الواجب المعارضة ،والمعارضة أمر لازم في حينه ،لأن ذلك لا يعد تجديدا ولا تقدما ولا حضارة ،ولان الدين وضع هذا التشريع بما يتفق مع العقل والمنطق ولا يتعارض مع أيهما .ولقد يطلع علينا البعض –بالسطحية والسذاجة-ليطالبوا ببعض الأمور التي لا نستطيع إزاءها إلا الرثاء لأصحابها لأنهم يتكلمون عن جهل ،ويصدرون عن عدم دراية ،والأولى لهم أن يخوضوا فيما يعرفون –فيكونون بذلك قد احترموا العصر ،والحضارة،والتقدم ،واحترموا أنفسهم قبل كل شيء .
ونسأل أنفسنا:ما هي هذه الآراء الجديدة ؟وماذا تعنيه هذه المذاهب الجديدة؟أهي آراء بديلة لأراء الفكر الإسلامي فنسقطه من الحساب ونتخلى عنه،أم أنها مذاهب جديدة تحمل معتقدات جديدة فنؤمن بها ونترك معتقداتنا الإسلامية
إن هذه الدعاوي إن لم يصاحبها العقل والمنطق ،وتقبل العقل والمنطق في الحوار والمناقشة تصبح عبئا على التقدم والتطور وبناء الحضارة الجديدة التي نرجوها .
ولقد أغفل هؤلاء المتحاملون على الإسلام أن الإسلام يختلف عن غيره من الأديان،فهو مباح لمن يملك القدرة على الفهم والتمييز ،ونصوصه التشريعية ،والتي أهمها القرآن الكريم ،تحت يد من يريد أن يبحث جادا ومخلصا .وقد تكلم الإسلام حين نظن أن القرآن يحتوي على تفصيلات تتوافق مع ما تقدمه التكنولوجية الحديثة من مصطلحات ،والحضارة المعاصرة من عناصر،فالقرآن وضع أسسا عريضة للعلاقات الإنسانية العامة بين الفرد وذاته ،وبين الفرد ومجتمعه ،وبين الإنسان وخالقه وأوضح هذه العلاقات و أوفاها حقها من التوضيح و التعريف ، لأنها علاقات تابثة  بمرور الزمن و بقاء الإنسان . و في ظني أن أصحابنا المتحاملين على الإسلام يفهمون عكس ما نقول, و هو سر لكثير من أخطائهم و مثاليهم.
 و لعلهم يريدون أن يكون الإسلام نظرية علمية تتوافق مع ما يستجد من نظريات العلم و الحضارة, فيفسر لهم المعادلات التي يصعد بها الصاروخ إلى القمر, أو تدور بها مركبة الفضاء حول الأرض. و تلك إرادة من يحمل الأمور فوق طاقتها، و لا يعطيها حقها في حدود الواجب والممكن.
ولقد وضع الإسلام أسس الانطلاق نحو تحقيق الغايات الإنسانية ،والتي من بينها بناء الحضارة التي تربحه وتسعده ،ولم يضع نظريات علمية ،يختلف معها المنظورون غدا أو بعد غد ..لقد فتح الطريق للإنسان وأعطاه إشارة المرور لكي يمضي،ورسم له عدة قواعد يجب مراعاتها فيما بينه وبين خالقه،وذاته،وبين مجتمعه ،وعليه أن يرى حصار سيره سلبا أو إيجابا .قال تعالى:"يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا،لا تنفذون إلا بسلطــــان " (22). وقال أيضا: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ،وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " (23).
ولم يقف الإسلام من أي اكتشاف علمي، أو تقدم حضاري موقفا معاديا، والتاريخ يذكر له ذلك.هذا على العكس من غيره من الأديان ..لقد وقفت الكنيسة في عصورها الوسطى مواقف مخزية من الاكتشافات الحديثة والنظريات الاجتماعية ،وموقفها من الذين اكتشفوا الجاذبية الأرضية ودوران الأرض ،وبالتحديد موقفها من "جاليليو"معروف.
إن التاريخ لم يسجل على الإسلام شيئا من هذا لقد شجع العلوم والفنون والآداب وأعطى الحرية للبحث العلمي، والخلق الفني.ولم يوصد الأبواب في وجه العلماء والفنانين (24)، بل أعطاهم من الحرية ما يذكره التاريخ بعين الإنصاف والتقدير في وقت كان فيه الحصار مضروبا على كل حركة علمية أو فنية تغير من الواقع الأوربي المظلم إبان القرون الوسطى !
ولا أظنني ابعد عن الحقيقة إذا  قلت أن الإحساس الديني حين يشيع في نفوس المسلمين يكون مختلفا تماما عن أي إحساس ديني غير إسلامي ..لان المسالة تختلف من جوهر دين إلى جوهر دين أخر..فإذا كان الدين لدى الشعوب غير المسلمة قد نومها تنويما مغناطيسيا ،وأسلمها إلى الجمود والتخلف –كما حدث مع الشعوب المسيحية الأوربية في القرون الوسطى –أو أسلمها إلى حالة من الاستسلام للغزو الخارجي والاستعمار العالمي –كما حدث لشعوب الصين والهند الصينية ،فان الإسلام لم يفعل ذلك بالمسلمين ولم يدفعهم إلى الاستسلام أو التنويم ..بل واصلوا رحلتهم الحياتية على أساس من البعث الديني على فترات التاريخ الإسلامي المختلفة وراحوا يقودون القتال ضد الاستعمار وضد الغزو الخارجي..ويشهد التاريخ للمسلمين في اندونيسيا وإيران والهند وأفغانستان و إفريقيا بان المسلمين هم الذين أشعلوا شرارة الكفاح الأولى ضد الاستعمار ،وإنهم ضحوا كثيرا في سبيل الاستقلال الوطني والدفاع عن الكيان الذاتي لهم ،ولم يكن الدين الإسلامي بالنسبة لهم أفيونا كما حدث لأصحاب الديانات الأخرى (25)

ومن العجيب أن يقال انه ما دام الاعتبار الديني عند العرب يغلب كل اعتبار فلا تقدم حضــــــاري .
ولست ادري سببا يجعل الاعتبار الديني عائقا للتقدم الحضاري والتكنولوجي لامتنا العربية،فالدين الإسلامي –كما أوضحنا –ليس عقبة في سبيل التقدم ،فمن أين يكون لغلبة الاعتبار الديني القدرة على الإعاقة ،إننا نرى أن الاعتبار الديني يبعث على التقدم الحضاري وليس العكس،ويستطيع أي من الرواد الاجتماعيين الذين يخدمون المجتمع أن ينادي لإقامة مشروع يهدف إلى إسعاد المسلمين ولينتظر النتيجة !..وفي ظننا أن النتيجة لن تكون سلبية أبدا ما دام الهدف واضحا والتوجيه سليما ،وأعود مرة أخرى إلى لباكستان كنموذج للدولة التي يغلب على أفرادها الاعتبار الديني ،هل تتراجع لباكستان لهذا السبب عن ركب الحضارة بسبب الاعتبار الديني قبل أي شيء آخر .
وقد يقال أن الكثرة من المسلمين في مصر والعالم العربي تعتنق من الدين الإسلامي اسمه فقط، وان الروح الديني لا يسري إلى الأعماق ،ومن ثم ينشأ قصور كبير لدى هذه الكثرة في فهم الدين والحضارة ،ألانها كثرة أمية ،وهذه الكثرة عقبة لأنها تفهم الدين بطريقة خاطئة ،ويسيطر عليها اعتبار ديني خاطئ أيضا .وهذا القول فيه بعض الصحة، ولكنه ليس صحيحا تماما، لان الأميين في القراءة و الكتابة والسياسة يستمعون إلى خطبة الجمعة والدرس الديني اليومي، ومعظمهم اليوم لديه من أجهزة الإذاعة ما يسهل له تلقي المادة الدينية في يسر.وبالإضافة إلى هذا فان معظم المسلمين اليوم يؤمون المصانع والمؤسسات والمزارع وكل مرافق التطور الحضاري والبشري دون أن يمنعهم الاعتبار الديني أو الأمية من الوقوف بالجمود والمحافظة كما يدعي البعض ،وهنا في مصر عدد هائل من الشباب المسلم الذي يردد مراكز البحث والدرس في أدق البحوث العلمية والتكنولوجية ،عدا زملاء لهم في خارج الوطن يدرسون في جامعات العالم،ويحققون نتائج باهرة في هذه المجالات الحضارية والإنسانية ..
إن الادعاء بان الدين عقبة في سبيل الثورة الثقافية العربية ادعاء باطل ولا أساس له..لان الدين الإسلامي لم يقف بالإرهاب والاضطهاد وصكوك الغفران في وجه البحث والمعرفة، بل قامت دعوة الإسلام أول ما قلعت على الدعوة إلى المعرفة والبحث..وبالرغم من كون الإسلام جامعا وشاملا لقضايا الإنسان والإنسانية ،فانه فتح الباب على مصراعيه أمام التجارب الأخرى للبحث والاحتكاك والإفادة ..والتاريخ يذكر كيف تفاعل المسلمون مع الفلسفة الإغريقية وكيف نشأ علم الفلسفة في الإسلام معتمدا على تجارب الآخرين ومقارنا مع جوهر ما جاءت به الدعوة الإسلامية واضحا وصريحا وبسيطا جدد العلاقة بين الإنسان وخالقه ومجتمعه الآن وفي كل أوان دون قهر أو ضغط أو أكراه ..
يبقى في هذه الجزء من الإجابة على السؤال الأول:"هل الدين عقبة في سبيل تطورنا الحضاري؟" بعض الكلام ..وفي الحديث المقبل إن شاء الله نواصل لإجابة على السؤال الأول والثاني.



(1)جاء ذلك في دراسة للدكتور محمد النويهي في عدد مايو 1970 من مجلة "الآداب البيروتية .
(2)مثل قضايا المرأة و الميراث و القضاء و بعض العبادات ..وقد تناولتها الدراسة المذكورة سلفا في الهامش(1)
(3)من الآية 47 في سورة الأنبياء .
(4)من الآية 32 في سورة الثوبة.
(5)الآية 8من سورة الصف.          
(6)من الآية 186في سورة البقرة.
(7)يمكن مراجعة ما كتبه الأستاذ العقاد في كتابه "الشيوعية و الإنسانية في شريعة الإسلام" عن الشيوعية و مواقفها من الإسلام.
(8)الآية 143من سورة النساء
(9)الآية145 من سورة النساء
(10)بدأت هذه المحاولات بما قاله السير "وليام و لكوكس "الانجليزي في أواخر القرن الماضي، فقد أوحى بأن اللغة العربية سر تأخر المصريين و إن السبيل لتقدمهم هو استخدام اللهجة المصرية الدارجة في التعليم و الكتابة وذلك للحاق بركب الحضارة ،وقد شايعه في ذلك بعض الشعوبيين المصريين ،و يمكن مراجعة ذلك في الجزء الأول من كتاب الأستاذ "عمر الدسوقي""في الأدب الحديث"فقد أفاض في هذا الموضوع و أجاد.       
(11)دراسة النويهي في الآداب (مايو1970)
(12)نفس الدراسة.
(13)الآية 70من سورة الإسراء
(14)الآيات من أول سورة العلق
(15)الآية 15 من سورة الروم
(16)من الآية 50 في سورة الأنعام  
(17)الآية 19 من سورة الرعد
(18)من الآية 28 من سورة فاطر
(19)من الآية 9 في سورة الزمر
(20)من الآية 11 في سورة المجادلة.
(21)راجع دراسة النويهي في الآداب (مايو1970).
(22)الآية 22 من سورة الرحمان.
(23)الآية 105من سورة التوبة .
(24)نعني بالفنان هنا:المعنى الأصيل لكلمة فنان:وليس المعنى المبتذل الذي بتداوله البعض في سوق الكتابة الرخيصة –الفنان هو المبدع بالكلمة أو الريشة سواء كان شاعرا أو قصاصا أو كاتبا مسرحيا أو مصورا..الخ.
(25)راجع كتاب الأستاذ "أنور الجندي" –"العالم الإسلامي، ولاستعمار السياسي لاجتماعي والثقافي " القسم الأول:الفصول 7، 6، 5، 4، 3.فقد أتبت دور المسلمين وقيادتهم للمقاومة ضد المستعمرين والغزاة على العكس مما روجه الاستعمار وأبواقه لبعض الطوائف التي تسلقت موجات الكفاح واختطفت زمام القيادة من المسلمين، واتبث أيضا أصالة المسلمين في عملية الكفاح والمقاومة.     
 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here