islamaumaroc

عناية الهند الحديثة بالدراسات العربية الإسلامية

  دعوة الحق

العددان 138 و139

أتيح لي أن أقضي مؤخرا خمسة أسابيع في زيارة الهند، وقد كانت الرقعة التي زرتها صغيرة. بالنسبة إلى بلد يقطنه خمسمائة وخمسون مليونا من البشر. ومع ذلك فقد زرت خمس جامعات وأربع كليات موزعة بين عليكرة ودلهي وجيبور وحيدارباد وبومباي. وكانت زيارتي طويلة أحيانا وقصيرة أحيانا أخرى. وتحدثت فيها إلى الأساتذة وحاضرت في الطلاب. وقد اجتمعت أيضا إلى بعض العلماء وحادثت الأدباء وأصغيت إلى الشعراء وقرأت الكثير من نتاج أهل البلاد باللغة الإنجليزية.
ولست أرمي الساعة إلى التحدث عن الهند والهنود، فهذا أمر لا يتيسر إلا لمن قضى في البلاد سنوات. ولكنني أود أن أشرك المستمعين الكرام معي في بضعة أمور تمت إلى الدراسات العربية والإسلامية في الهند بصلة قوية.
ولنبدأ قبل كل شيء بأن نذكر أنفسنا بأن في الهند نحوا من سبعين مليون مسلم، وهؤلاء جلهم، والرجال منهم على الخصوص، حريصون على قراءة القرآن الكريم، ومن ثم فإنهم يتعلمون من العربية ما يمكنهم من ذلك. فإذا انتهوا إلى قراءة المصحف تمكنوا من ذلك مبنى أي لفظا دون أن يدركوا له كنها أو معنى. وهذا النوع من تعلم العربية يتم في ما يسمى الكتاب، على نحو ما اصطلحنا نحو على تسميته في ديار العرب. وإذا كان مكان التعليم يقدم للطلاب أكثر من مجرد القراءة البسيطة، بحيث يتمكن المتعلم فيه من قراءة العربية، سمي مكان التعليم مدرسة.
على انه ثمة من المدارس ما يزود طلابه بقدر واف من العربية وآدابها وعلوم القرآن والحديث والفقه. وقد تسمى هذه مدارس أو كليات. والغالب عليها العلم الإسلامي التقليدي. ولست أدعي أنني أعرف جميع هذه المدارس أو الكليات ولكن ثمة أربع أو خمس منها عرفت عنها الكثير وهي في لكنو ومدارس وبومباي وكفكتا. ولعل أوسع هذه المؤسسات شهرة دولية، التي تقع على نحو مئتين وخمسين من الكيلومترات إلى الشمال من دلهي. وتكاد دوابند تعتبر مركز الإفتاء في الشؤون الشرعية في الهند. وثمة من خريجيها من يتحدث العربية الصحيحة بطلاقة وير، ويكتبها بإتقان.
على انه بالإضافة إلى هذا العلم العربي الإسلامية التقليدي يوجد في الهند دراسات عربية وإسلامية أكاديمية منتظمة في الجامعات تمنح فيها الدرجات العلمية على غرار أي من الموضوعات الأخرى. فينال الطالب، أو الطالبة درجة بكلوريوس ثم الماجستير وقد ينتقل بعدها إلى الدكتوراه. والجامعات التي تيسر لطلابها مثل هذه الدراسات كثيرة. فبين الثمانين جامعة أو يزيد الموجودة في الهند يوجد ما لا يقل عن ثلاثين جامعة يستطيع الطالب أن يتابع فيها المسافات الرئيسية لواحد على الأقل من المجالات العربية والإسلامية، وقد يكون في الجامعة مجال لأكثر من نوع واحد من مثل هذه الدراسات.
وما لنا نتحدث في الأمور عامة، ولم لا ننتقل إلى التخصيص فنذكر، على سبيل المثال، ما تقدمه جامعة عليكرة الإسلامية وهي التي تقارب في عمرها المئة من السنين. في هذه الجامعة يوجد كلية خاصة بالإلهيات وفيها فرعان : الواحد للدراسات السنية والآخر للدراسات الشيعية. وتشمل المجالات التفسير والحديث والفقه وما إلى ذلك. ثم يوجد في الجامعة دائرة للدراسات الإسلامية تقدم للطلاب دروسا في تاريخ الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية وفن العمارة في ديار العرب والإسلام وتاريخ العلوم عند العرب والتصوف الإسلامي.
وإذا نحن انتقلنا من كلية الإلهيات ودائرة الدراسات الإسلامية إلى اللغات الإسلامية وآدابها أي العربية والفارسية والتركية وجدنا أن جامعة عليكرة تخص العربية بدائرة مستقلة، بينما تترك الفارسية والتركية في دائرة الدراسات الإسلامية. والجامعات فيها دوائر أو أقسام خاصة باللغة العربية كثيرة في الهند، مثل مدارس وكلكتا والعثمانية ودلهي والله أباد وبونا وغيرها عشرات، واللغة الفارسية تشارك العربية مثل هذه المنزلة. ولعل سبب ذلك كثرة ما كتب بالفارسية عن تاريخ الهند وعن التصوف. أما اللغة التركية فهي دون الآخريين منزلة من حيث العدد، وإن كانت لا تختلف عنهما من حيث العناية بها متى وجدت. أما من حيث عدد الطلاب فالعربية والفارسية أكثر إغراء من التركية. وسبيل الدراسة في هذه اللغات تعلم النحو والبلاغة حيث ذلك موجود، وانتقال إلى الأدب بعد ذلك. والكثير من رسائل الدكتوراه هي تحقيات لكتب قديمة أو دواوين شعر. أما الذين يعنون بالحديث من تطور الأدب العربي أو الفارسي فيعنون بالأدباء أو المصلحين.
وثمة مظهر آخر من مظاهر العناية بالدراسات العربية والإسلامية هو الاهتمام بدراسة منطقة غرب آسيا، أي الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا. وهذه الدراسات أوسع، بطبيعة الحال، من الدراسات الكلاسيكية اللغوية أو الأدبية أو الدينية. لغرب آسيا مراكز خاصة للبحث وأقسام في الجامعات تعنى بالنواحي المختلفة لهذه المنطقة من العام. فهي تدرس سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ودينيا. ففي جامعة جواهر لال نهرو في دلهي مدرسة للدراسات الدولية فيها قسم خاص بدراسات غرب آسيا وفي جامعة عليكرة مركز لهذه الدراسات.
إلى جانب الأقسام والمراكز والمعاهد التي تكون جزءا من الجامعات، ثمة معاهد للدراسات الإسلامية مستقلة عن الجامعات. وهذه يمولها عادة أفراد أثرياء أو مؤسسات وطنية أو جماعات طائفية. ومن مثل هذه المعاهد المعهد الهندي للدراسات الإسلامية في دلهي، وهو الذي تتفق عليه مؤسسة همدرد الوطنية ويشرف عليه الحكيم عبد الحميد. هذا معهد ييسر للباحثين، عن طريق مكينة غنية، المجال للعمل والدرس، ويمكنهم من نشر آثارهم فيما بعد. والأمل معقود على معهد الدراسات الإسلامية الذي سيقوم قريبا في حيدراباد إذ وقف النظام ستة ملايين روبية لإنشائه.
ومع أن أكثر الجامعات والكليات في الهند حكومية، فإنه يوجد جامعات خاصة. ولما كنا نقصر حديثنا الساعة على الشؤون العربية والإسلامية، فإننا نكتفي بالإشارة إلى « جامعة ملية إسلامية» في دلهي. ولهذه الجامعة، فيما يتعلق بالدراسات الإسلامية، ميزة خاصة إذ أنها ذات نزعة لبرالية.
وفي الهند مجلات تصدر باللغة الأردية وبالإنكليزية تعالج القضايا الإسلامية والشؤون المتعلقة بالآداب العربية والفارسية والتركية. فمن تلك التي تصدر بالإنكليزية مجلة « الثقافة الإسلامية» (Culture Islamic) التي تصدر عن الجامعة العثمانية في حيدراياد وهي من أقدم المجلات في تلك الديار ومجلة « الإسلام والعصر الحديث» التي تصدر في دلهي عن جمعية تحمل هذا الاسم بالذات وهي أحدث المجلات إذ أنها لا تزال في سننها الأولى.
ولعل من خير ما يوضح مدى الاهتمام الذي تتلقاه الدراسات العربية وغيرها من اللغات الإسلامية في الهند هو دائرة المعارف التابعة للجامعة العثمانية. هي دار نشر من الدرجة الأولى، ولكنها لا تنشر إلا الكتب القديمة محققة مدققة. وقد زرناها فأعجبنا ترتيب العمل فيها. لكن الذي أعجبنا فيها حتى قبل الزيارة هذا العدد الضخم من الكتب التي صدرت عنها وهي مائة وثلاثون كتابا بعضها في مجلدات عديدة. وآخر ما حقق هناك وطبع كتاب الحاوي في الطب.
وما دمنا قد وصلنا إلى الطب فلنذكر ناحية خاصة تتعلق بدراسة الطب في الهند وهي مرتبطة بالدراسات العربية والإسلامية. ذلك أنه يوجد في الهند بالإضافة إلى الطب العصري المألوف في جهات الدنيا الأربع، طبان الواحد يعتمد على ما عرفته الهند أصلا، والثاني يسمى الطب اليوناني وهو في الواقع جماع الطب اليوناني العربي. ولهذا الطب كليات خاصة هي أجزاء من الجامعات الكبرى يتلقى فيها الأطباء دروسهم سنوات طويلة. والمشتغلون بالتطبيب بع معترف بهم. والمتعارف عليه أن الذي يدرس الطب العصري يدرسه في كلية العلوم الطبية ويسمى طبيبا. أما الذي يدرس الطب اليوناني العربي يدرسه فيما يسمى «طبيبة كولدج» والذي يمارسه حكيما. والفرق الأساسي بين التطبيب على الطريقة اليونانية العربية والطريقة العصرية هو أن الأولى لا تقبل بالعلاجات الكيماوية التركيب، وتعتمد ما يصنع من الحشائش والأعشاب أصلا.
وفي دلهي لتاريخ الطب في الهند فيه مكتبة ضخمة لمن يريد أن يعنى بمثل هذا الموضوع، وفيه متحف كبير يوضح تطور هذا التاريخ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here